الآية (96-98): قال ابن عباس والضحاك: ﴿ الْبَشِيرُ ﴾: البريد قال مجاهد والسدي: كان يهوذا بن يعقوب. قال السُّدي: إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو مُلَطَّخ بدم كَذِب، فأراد أن يغسل ذلك بهذا، فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه، فرجع بصيرًا.
وقال لبنيه عند ذلك: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ أي: أعلم أن الله سَيَرُدُّه إليَّ، وقلتُ لكم: ﴿ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾؟ [يوسف:94] فعند ذلك قالوا لأبيهم مترَفِّقين له: ﴿ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴿٩٧﴾ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ أي: من تاب إليه تاب عليه.
الآية (99-100): يخبر تعالى عن ورود يعقوب على يوسف عليهما السلام، وقدومه بلاد مصـر، لَـمَّا كان يوسف قد تَقدَّم إلى إخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحمَّلوا عن آخرهم وترَحَّلوا من بلاد كنعان قاصدين بلاد مصـر، فلمَّا أُخْبِرَ يوسف عليه السلام باقترابهم خرج لتلقيهم، وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلَقِّي نبي الله يعقوب عليه السلام. ويُقال: إن الملك خرج أيضًا لتلقِّيه، وهو الأشبه.
وقوله: ﴿ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾ قال السُّدي وابن أسلم: إنما كان أباه وخالته، وكانت أمه قد ماتت قديمًا. وقال ابن إسحاق وابن جرير: كان أبوه وأمه يعيشان. قال ابن جرير: ولم يقم دليل على موت أمه، وظاهر القرآن يدلُّ على حياتها. وهذا الذي نصره هو المنصور الذي يدلُّ عليه السياق.
وقوله: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ أي: أجلسهما معه على سريره. ﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ أي: سجد له أبواه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر رجلًا، ﴿ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي: التي كان قصَّها على أبيه: ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ [يوسف:4]. وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم إذا سلَّموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فَحَرُمَ هذا في هذه الملة، وجُعِل السجود مختصًّا بجَنَاب الربِّ سبحانه وتعالى. هذا مضمون قول قتادة وغيره. والغرض: أن هذا كان جائزًا في شريعتهم؛ ولهذا خَرُّوا له سُجَّدًا، فعندها قال يوسف: ﴿ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾ أي: هذا ما آلَ إليه الأمر؛ فإن التأويل يُطلَق على ما يصير إليه الأمر؛ كما قال تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾ [الأعراف:53] أي: يوم القيامة يأتيهم ما وُعِدوا من خير وشرّ.
وقوله: ﴿ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾ أي: صحيحةً صِدْقًا؛ يَذْكُرُ نِعَمَ الله عليه، ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ﴾ أي: البادية. قال ابن جُرَيْج وغيره: كانوا أهل بادية وماشية. وقال: كانوا يسكنون بالعَربَات من أرض فلسطين، من غَوْرِ الشام. ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾ أي: إذا أراد أمرًا قَيَّض له أسبابًا ويَسَّرَه وقَدَّرَه، ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ﴾ بمصالح عباده ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في أفعاله وأقواله، وقضائه وقدره، وما يختاره ويريده.
الآية (101): ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ هذا دعاء من يوسف الصِّدِّيق؛ دعا به ربه عز وجل لَـمَّا تمَّت النعمة عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما مَنَّ الله به عليه من النبوة والملك؛ سأل ربه عز وجل كما أتمَّ نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفَّاه مسلمًا حين يتوفَّاه، وأن يُلْحِقَه بالصالحين؛ وهم إخوانه من النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهذا الدعاء يُحتَمَل أن يوسف عليه السلام قاله عند احتضاره، ويُحتمَل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا حان أجله وانقضى عمره؛ لا أنه سأل ذلك مُنْجَزًا؛ كما يقول الداعي: «اللهم أَحينا مسلمين، وتوفَّنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين». ويحتمل أنه سأل ذلك مُنْجَزًا، وكان ذلك سائغًا في مِلَّتهم؛ كما قال قتادة: لَـمَّا جمع الله شمله وأقرَّ عينه، وهو يومئذٍ مغمور في الدنيا ومُلْكِها وغَضَارَتِـها، فاشتاق إلى الصالحين قبله.
عن ابن عباس: أنه أوَّلُ نبي دعا بذلك. ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا. عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدكم الموت لضُرٍّ نَزَلَ به، إِمَّا مُحْسِنًا فيزداد، وإما مُسِيئًا فلعلَّه يَسْتَعْتِب، ولكن ليَقُل: اللهم، أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّنِي إذا كانت الوفاة خيرًا لي» [متفق عليه]. وهذا فيما إذا كان الضرُّ خاصًّا به، أما إذا كان فتنةً في الدين فيجوز سؤال الموت.
الآية (102-103): ﴿ ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ يقول تعالى لمحمد ﷺ لَـمَّا قَصَّ عليه نبأ إخوة يوسف، وكيف رَفَعَه الله عليهم، وجعل له العاقبة والنصر والـمُلك والـحُكم، مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام: هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة ﴿ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾ ونُعْلِمُكَ به لِـمَا فيه من العبرة لك والاتِّعَاظ لمن خالفك، ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ حاضرًا عندهم ولا مشاهدًا لهم، ﴿ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ ﴾ أي: على إلقائه في الـجُبِّ، ﴿ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ به، ولكنا أَعْلَمْنَاك به وحيًا إليك، وإنزالًا عليك؛ كقوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ ﴾ الآية [آل عمران:44]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ ﴾ [القصص:44]. إلى قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ الآية [القصص:46]، وقال: ﴿ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ [القصص:45].
يقول تعالى: إنه رسوله، وإنه قد أطلعه على أنباء ما قد سبق مما فيه عبرة للناس ونجاة لهم في دينهم ودنياهم؛ ومع هذا ما آمن أكثر الناس؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾، وقال ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام:116]، إلى غير ذلك من الآيات.