حجم الخط:

تفسير سورة التكاثر

وهي مكية، [وعدد آياتها (8) آيات].

الآية (1-8): ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ يقول تعالى: [شَغَلَكُم] حبُّ الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزُرْتُم المقابر، وصِرتُم من أهلها. وقال الحسن البصري: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ في الأموال والأولاد.

وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: انتهيتُ إلى رسول الله وهو يقول: «﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ يقول ابنُ آدم: مالي! مالي! وهل لك من مالِكَ إلا ما أكَلْتَ فأَفْنَيْت، أو لبسْتَ فأبلَيْت، أو تَصَدَّقْتَ فأَمْضَيْت؟!» [رواه مسلم]. ﴿ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ أي: صِرتُم إليها ودُفِنْتُم فيها.

كما جاء في الصحيح: أن رسول الله دخل على رجل من الأعراب يعوده، فقال: «لا بأس، طهور إن شاء الله». فقال: قلت: طهور؟! بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور! قال: «فنعم إذًا» [رواه البخاري]. ﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ قال الحسن البصري: هذا وعيد بعد وعيد. وقال الضحاك: ﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: الكفار، ﴿ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: أيها المؤمنون. ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ أي: لو علمتم حقَّ العلم، لَـمَا أَلْـهَاكم التَّكَاثُر عن طَلَب الدار الآخرة، حتى صِرْتُم إلى المقابر.

﴿ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿٦ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ هذا تفسير الوعيد المتقدِّم، وهو قوله: ﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ تَوعَّدَهم بهذا الحال، وهي رؤية النار، التي إذا زَفَرَت زَفْرَةً خَرَّ كل مَلَك مقرَّب، ونبي مُرسَل على ركبتيه، من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال. ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ أي: ثم لَتُسْأَلُنَّ يومئذٍ عن شُكْر ما أَنْعَمَ الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك [وماذا] قابلتم به نعمه من شكره وعبادته؟

وعن أبي هريرة قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان، إذ جاءهما النبي فقال: «ما أجلسكما ههنا؟» قالا: والذي بعثك بالحق ما أَخرَجَنَا من بيوتنا إلا الجوع. قال: «والذي بعثني بالحق ما أخرَجَني غيره». فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار ... فذَبَحَ لهم يومئذٍ، فأكلوا. فقال النبي : «لَتُسْأَلُنَّ عن هذا يوم القيامة. أخرجَكم من بيوتكم الجوعُ، فلم تَرجِعُوا حتى أَصَبْتُم هذا، فهذا من النَّعِيم» [رواه مسلم].

وقال الزبير: لَـمَّا نَزَلَت: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قالوا: يا رسول الله، لأيّ نعيم نُسْأَل عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟! قال: «إن ذلك سيكون» [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني]. وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا.

وقال الحسن: نعيم الغداء والعشاء. وقول مجاهد هذا أشمل هذه الأقوال. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [رواه البخاري]. ومعنى هذا: أنهم مُقَصِّرُون في شُكْر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحقِّ ما وَجَبَ عليه، فهو مغبون.