كشف اللثام شرح عمدة الحكام (2/ 265- 269)
ظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام؛ لكونه توعد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات.
وبه جزم أئمة مذهبنا وغيرهم.
قال شمس الدين بن أبي عمر في "شرح المقنع": من فعل ذلك عامداً، أثم، وبطلت صلاته في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فإنه قال: ليس لمن سبق الإمام صلاة، لو كان له صلاة، لرجي له الثواب، ولم يخش عليه العقاب.
وروي عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: أنه نظر إلى من سبق الإمام، فقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت.
نعم، لا تبطل إن كان ساهياً أو جاهلاً؛ لأنه سبق يسير، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان".
وعليه أن يرجع ليأتي به بعد؛ ليكون مؤتماً بإمامه، فإن لم يفعل عالماً عمداً، بطلت صلاته؛ لتركه الواجب عمداً؛ خلافاً للقاضي أبي يعلى.
وهو قول جمهور الفقهاء: أنه يأثم ولا تبطل.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنها تبطل.
وكذا قال أهل الظاهر، بناء على أن النهي يقتضي الفساد.
تنبيه:
اختلف في معنى الوعيد المذكور في هذا الحديث:
فقيل: يرجع إلى أمر معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة، ومتابعة الإمام.
ويرجحه: أن التحويل الذي هو المسخ لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدل على وقوعه ولابد، وإنما يدل على كون فاعله متعرضاً لذلك، وكون فاعله صالحاً لأن يقع عليه الوعيد المذكور، لا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء.
وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل: المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية، أو هما معاً.
وحمله آخرون على ظاهره، إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك.
وقد صحت الأحاديث بجواز وقوع المسخ في هذه الأمة، كما في حديث أبي مالك الأشعري؛ فإن فيه: ذكر الخسف، والمسخ قردة وخنازير، ويقوي حمله على ظاهره: ما رواه الطبراني في "الأوسط"، بإسناد جيد، من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "ما يؤمن أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس كلب".
ورواه في "الكبير" موقوفاً على عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- بأسانيد، أحدها جيد.
وفي "صحيح ابن حبان"، من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس كلب".
فهذا يبعد المجاز؛ لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار.
وقال الحافظ ابن الجوزي في الرواية التي عبر فيها بالصورة: هذه اللفظة تمنع تأويل من قال: المراد: رأس حمار في البلادة، ولم يبين وجه المنع.
وكأنه -والله أعلم-: أن الجاري على ألسنة الناس القول في حق كل بليد وأحمق: رأسه رأس حمار، ولم يقولوا: صورته صورة حمار.
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (2/ 260، 261)
قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أما يخشي الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار"، وهذا التهديد يدل علي أن هذا الفعل محرم، والإنسان إذا فعل شيئًا محرمًا في العبادة فإن القاعدة الشرعية: أن العبادة تبطل به؛ لأنه أخرجها عما جاء الأمر به، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
فالصواب: أن السبق إلي الركن إذا تعمده الإنسان بطلت صلاته، أما إذا لم يتعمده كما لو سمع صوتًا فظنه تكبيرًا لإمامه فركع فإن صلاته لا تبطل؛ لأنه معذور بالجهل، لكن إذا تحقق أن الإمام لم يركع وجب عليه أن يرجع حتى يأتي بالركوع بعد الإمام، فإن لحقه الإمام في الركوع قبل أن يرفع فليستمر مع إمامه؛ لأنه في هذه الحال يكون معذورًا، إذن السبق- أي: سبق الإمام- إما أن يكون إلي الركن أو بالركن، فإن كان إلي الركن فالمشهور من المذهب غير تكبيرة الإحرام؛ لأن تكبيرة الإحرام تقدم أن المأموم إذا كبر قبل أن يكبر الإمام فلا صلاة له؛ لأنه نوى الإمامة بغير إمام، لكن في غير تكبيرة الإحرام المشهور من المذهب أن السبق إلي الركن محرم لا تبطل به الصلاة، والصحيح: أنه محرم تبطل به الصلاة، وأما السبق بالركن فالمذهب أنهم كانوا يفرقون بين الركوع وغيره فيقولون: إن سبق إمامه بالركوع بطلت صلاته وإن سبقه بالسجود لم تبطل؛ لأن غير الركوع عندهم لا تبطل الصلاة بالسبق إليه إلا إذا سبق بركنين، فمثلًا إذا سجد قبل إمامه ورفع قبل أن يسجد الإمام فقد سبق الإمام بركنين: أحدهما السجود والثاني الرفع من السجود، ولكن الصحيح أنه إذا تعمد سبق الإمام ولو إلي الركن بطلت صلاته.