سبل السلام للصنعاني (1/ 486)
وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ الزُّبَيْرِ مَشْرُوعِيَّتَهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا قِرَاءَةٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ.
وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِمَا سَلَفَ وَهُوَ إنْ كَانَ ضَعِيفًا فَقَدْ شَهِدَ لَهُ قَوْلُهُ.(يقصد الحديث التالي)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (3/ 203)
1 - يدل على أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يكبر على الجنائز أربع تكبيرات، وأنَّه قد يزيد إلى ثماني تكبيرات، حتى جاء نعي النجاشي، فكبر عليه أربعاً، ثم ثبت على أربعٍ حتى توفاه الله.
2 - في البخاري (1245)، ومسلم (951) عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة وغيرهم: " أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يكبر في صلاة الجنازة أربعًا".
وجمع عمر -رضي الله عنه- الناس على أربع تكبيرات.
وقال الحنفي: أجمع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيت ابن مسعود، فأجمعوا على أربع.
وهو ما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما سوى ذلك عندهم فشاذ.
وقال النووي: قد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في التكبير المشروع، ثم انقرض ذلك الخلاف، وأجمعت الأمة الآن على أنَّه أربع تكبيرات، بلا زيادةٍ ولا نقصٍ.
وقال ابن القيم: وكان -صلى الله عليه وسلم- يكبر أربع تكبيرات.
وحكى الوزير عن الأئمة الأربعة: أنَّ الإمام لا يُتابع على ما زاد على الأربع.
وقال الموفق بن قدامة: لا خلاف أنَّه لا يتابع على الزيادة عليها، ولا تستحب إجماعاً.
3- يدل على أنَّ سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، من تكبيرات صلاة الجنازة.
قال الحاكم: أجمعوا على أنَّ قول الصحابي: "من السنة" حديث مرفوع.
4- سورة الفاتحة هي أم القرآن وفاتحته، وقراءتها بعد أول تكبيرة من صلاة الجنازة في غاية المناسبة؛ ذلك أنَّ صلاة الجنازة دعَاءٌ وشفاعةٌ للميت، فأدب الدعاء أن يقدم بين يديه الثناء على الله تعالى، وأحسن الثناء هو مقدمة فاتحة الكتاب.
5 - في الحديث دليلٌ على أنَّه يحسن في الإمام أن يجهر في بعض القراءة، أو الذكر في الصلاة؛ ليُعلم المأمومين حكم ذلك؛ فإنَّ ابن عباس جهر بالفاتحة؛ ليعلم الناس أنَّ قراءتها في صلاة الجنازة سنة؛ أي: أنَّها سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وطريقته، التي قد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة، وهي هنا واجبة من أدلة أخر.
خلاف العلماء:
جاء في "سنن النسائي" وغيره عن أبي أمامة قال: "السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة".
قال مجاهد: سألت ثمانية عشر رجلاً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عن القراءة على الجنازة، فكلهم قال: يقرأ.
وله شواهد دلَّت على وجوب قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، وهي تكبيرة الإحرام، وبعد التعوذ والبسملة.
فأما التعوذ والبسملة: فقد أجمعوا على الإتيان بهما، وأما الاستفتاح فالأكثر أنَّه لا يستفتح به، ولا تقرأ السورة بعد الفاتحة، وهو مذهب الإمامين: الشافعي وأحمد، وجمهور العلماء من السلف والخلف.
قال في "البدر التمام": والحديث دليل على وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؛ لأنَّ المراد من السنة؛ سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا أنَّ المراد بها: ما يقابل الفريضة، فهذا اصطلاح عرفي.
وذهب الإمامان: أبو حنيفة ومالك إلى: أنَّها سنة لا واجبة، ومذهب الحنفية أنه يقرأ دعاء الثناء، وجاز قراءة الفاتحة، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام، قال ابن القيم في "الهدي": قال شيخنا: ولا تجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، بل هي سنة.
والقول الأول أحوط؛ فأدلته قوية.