شرح النووي على مسلم (10/ 177)
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ خَاصًّا فِي حَقِّهِ وَأَنَّ الْمُغَابَنَةَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَازِمَةٌ لَا خِيَارَ لِلْمَغْبُونِ بِسَبَبِهَا سَوَاءٌ قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَآخَرِينَ وَهِيَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ لِلْمَغْبُونِ الْخِيَارُ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِشَرْطِ أَنْ يَبْلُغَ الْغَبْنُ ثُلُثَ الْقِيمَةِ فَإِنْ كَانَ دُونَهُ فَلَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْبَتَ لَهُ الْخِيَارَ وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ قُلْ لَا خِلَابَةَ أَيْ لَا خَدِيعَةَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا ثُبُوتُ الْخِيَارِ وَلِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ أَوْ أَثْبَتَ لَهُ الْخِيَارَ كَانَتْ قَضِيَّةَ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَلَا يَنْفُذُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
عمدة القاري للعيني (11/ 233)
الأول: مَذْهَب الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة: على أَن الْعين غير لَازم فَلَا خِيَار للمغبون سَوَاء قل الْغبن أَو كثر، وَهُوَ الْأَصَح من روايتي مَالك. وَقَالَ البغداديون من أَصْحَابه: للمغبون الْخِيَار بِشَرْط أَن يبلغ الْغبن ثلث الْقيمَة وَإِن كَانَ دونه فَلَا، هَكَذَا حَده أَبُو بكر وَابْن أبي مُوسَى من الْحَنَابِلَة، وَقيل: السُّدس، وَعَن دَاوُد: العقد بَاطِل، وَعَن مَالك: إِن كَانَا عارفين بِتِلْكَ السّلْعَة وسعرها وَقت البيع لم يفْسخ البيع، كثيرا كَانَ الْغبن أَو قَلِيلا، فَإِن كَانَ أَحدهمَا غير عَارِف بذلك فسخ البيع ألاَّ أَن يُرِيد أَن يمضيه، وَلم يحد مَالك حدا، وَأثبت هَؤُلَاءِ خِيَار الْغبن بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.
وَأجَاب الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَجُمْهُور الْعلمَاء عَن الحَدِيث بِأَنَّهَا وَاقعَة عين وحكاية حَال، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ يَنْبَغِي أَن يُقَال: إِنَّه كُله مَخْصُوص بِصَاحِبِهِ، لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيره فَإِن كَانَ يخدع فِي الْبيُوع فَيحْتَمل أَن الخديعة كَانَت فِي الْعَيْب أَو فِي الْعين أَو فِي الْكَذِب أَو فِي الْغبن فِي الثّمن، وَلَيْسَت قَضِيَّة عَامَّة، فَتحمل على الْعُمُوم، وَإِنَّمَا هِيَ خَاصَّة فِي عين وحكاية حَال، فَلَا يَصح دَعْوَى الْعُمُوم فِيهَا عِنْد أحد. ثمَّ أورد ابْن الْعَرَبِيّ على نَفسه قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق ابْن أبي لَهِيعَة: حَدثنَا حبَان بن وَاسع عَن طَلْحَة بن يزِيد بن ركَانَة أَنه كلم عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فِي الْبيُوع، فَقَالَ: مَا أجد لكم شَيْئا أوسع مِمَّا جعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحبان ابْن منقذ ... فَذكر الحَدِيث، فَلم يَجْعَل عمر خَاصّا بِهِ. ثمَّ أجَاب عَنهُ بِضعْف الحَدِيث من أجل ابْن لَهِيعَة. انْتهى. وَقَالَ الْجُمْهُور أَيْضا: لَو كَانَ الْغبن مثبتا للخيار لما احْتَاجَ إِلَى اشْتِرَاط الْخِيَار، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي بعض طرق الحَدِيث أَنه اشْترط الْخِيَار ثَلَاثًا، وَلَا احْتَاجَ أَيْضا إِلَى قَوْله: لَا خلابة.
الثَّانِي: اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، على حجر السَّفِيه الَّذِي لَا يحسن التَّصَرُّف، وَوجه ذَلِك أَنه لما طلب أَهله إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْحجر عَلَيْهِ، دَعَاهُ فَنَهَاهُ عَن البيع، وَهَذَا هوالحجر، وَهُوَ: الْمَنْع: قُلْنَا: هَذَا نهي خَاص بِهِ لضعف عقله، وَلَا يسري هَذَا فِي الْحجر على الْحر الْعَاقِل الْبَالِغ، لِأَن فِي حَقه إهدار الْآدَمِيَّة. وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس أَن رجلا كَانَ فِي عقدته ضعف، وَكَانَ يُبَايع، وَأَن أَهله أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالُوا: يَا رَسُول الله! أحجر عَلَيْهِ. فَدَعَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنَهَاهُ، قَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي لَا أَصْبِر عَن البيع، فَقَالَ: إِذا بَايَعت فَقل: هَا وَلَا خلابة. وَرَوَاهُ بَقِيَّة أَصْحَاب السّنَن، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا الرجل الْمُبْهم هُوَ حبَان بن منقذ. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هُوَ منقذ بن عَمْرو، وَالْأول أرجح. قَوْله: (فِي عقدته ضعف) أَرَادَت ضعف الْعقل وعقدة الرجل مَا عقد عَلَيْهِ ضَمِيره وَنِيَّته، أَي: عزم عَلَيْهِ ونواه.
الثَّالِث: اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة إِلَى أَن ضَعِيف الْعقل لَا يحْجر عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لما قَالَ لَهُ: إِنَّه لَا يصبر على البيع أذن لَهُ فِيهِ بِالصّفةِ الَّتِي ذكرهَا، فَهَذَا دَال على عدم الْحجر.
الرَّابِع: اسْتدلَّ بِهِ ابْن حزم على أَنه يتَعَيَّن فِي اللَّفْظ الْمُوجب للخيار ذكر الخلابة دون غَيره من الْأَلْفَاظ، فَلَو كَانَ: لَا خديعة أَو: غش أَو: لَا كيد أَو: لَا مكر أَو: لَا عيب أَو: لَا ضَرَر أَو: لَا دَاء، أَو: لَا غائلة أَو: لَا خبث أَو: على السَّلامَة أَو نَحْو هَذَا، لم يكن لَهُ الْخِيَار المجعول لمن قَالَ: لَا خلابة، إلاَّ أَن يكون فِي لِسَانه خلل يعجز عَن اللَّفْظ بهَا، فَيَكْفِي أَن يَأْتِي بِمَا يقدر عَلَيْهِ من هَذَا للفظ، كَمَا كَانَ يفعل هَذَا الرجل الْمَذْكُور من قَوْله: لَا خيابة، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، أَو: لَا خذابة بِالذَّالِ، على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ إِن لم يكن يحسن الْعَرَبيَّة فَقَالَ مَعْنَاهَا بِاللِّسَانِ الَّذِي يُحسنهُ، فَإِنَّهُ يثبت لَهُ الْخِيَار. وَقَالَ بَعضهم: وَمن أسهل مَا يرد بِهِ عَلَيْهِ أَنه ثَبت فِي (صَحِيح) مُسلم أَنه كَانَ يَقُول: لَا خيابة، بالتحتانية بدل اللَّام، وبالذال الْمُعْجَمَة بدل اللَّام أَيْضا، وَكَأَنَّهُ كَانَ لَا يفصح باللاَّم للثغة لِسَانه، وَمَعَ ذَلِك لم يتَغَيَّر الحكم فِي حَقه عِنْد أحد من الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا يشْهدُونَ لَهُ بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعله بِالْخِيَارِ، فَدلَّ على أَنهم اكتفوا فِي ذَلِك بِالْمَعْنَى. انْتهى. قلت: هَذَا عَجِيب، وَكَيف يكون هَذَا أسهل مَا يرد بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَائِل بِمَا ذكره هَذَا الْقَائِل عِنْد الْعَجز، وَكَلَامه عِنْد الْقُدْرَة.
الْخَامِس: قَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بِهِ على أَن أمد خِيَار الشَّرْط ثَلَاثَة أَيَّام من غير زِيَادَة، لِأَنَّهُ حكم ورد على خلاف الأَصْل، فَيقْتَصر بِهِ على أقْصَى مَا ورد فِيهِ، وَيُؤَيِّدهُ جعل الْخِيَار فِي الْمُصراة ثَلَاثَة أَيَّام. وَاعْتِبَار الثَّلَاث فِي غير مَوضِع. انْتهى.
قلت: هَذَا الْبَاب فِيهِ اخْتِلَاف الْفُقَهَاء. فَقَالَت: طَائِفَة: البيع بِشَرْط الْخِيَار جَائِز، وَالشّرط لَازم إِلَى الأمد الَّذِي اشْترط إِلَيْهِ الْخِيَار، وَهَذَا قَول ابْن أبي ليلى وَالْحسن بن صَالح وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر. وَقَالَ اللَّيْث: يجوز الْخِيَار إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فَأَقل. وَقَالَ عبيد الله بن الْحسن: لَا يُعجبنِي شَرط الْخِيَار الطَّوِيل إلاَّ أَن الْخِيَار للْمُشْتَرِي مَا رَضِي البَائِع. وَقَالَ ابْن شبْرمَة وَالثَّوْري: لَا يجوز البيع إِذا شَرط فِيهِ الْخِيَار للْبَائِع أَو لَهما. وَقَالَ سُفْيَان: البيع فَاسد بذلك، فَإِن شَرط الْخِيَار للْمُشْتَرِي عشرَة أَيَّام أَو أَكثر جَازَ. وَقَالَ مَالك: يجوز شَرط الْخِيَار فِي بيع الثَّوْب الْيَوْم واليومين، وَالْجَارِيَة إِلَى خَمْسَة أَيَّام، وَالْجُمُعَة، وَالدَّابَّة تركب الْيَوْم وَشبهه ويسار عَلَيْهَا الْبَرِيد وَنَحْوه، وَفِي الدَّار الشَّهْر ليختبر ويشاور فِيهَا. وَلَا فرق بَين شَرط الْخِيَار للْبَائِع وَالْمُشْتَرِي. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: يجوز أَن يشْتَرط شهرا أَو أَكثر. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَزفر: الْخِيَار فِي البيع ثَلَاثَة أَيَّام، وَلَا يجوز الزِّيَادَة عَلَيْهَا، فَإِن زَاد فسد البيع، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن شبْرمَة.
سبل السلام لصنعاني (2/ 48)
دَلِيلٌ عَلَى خِيَارِ الْغَبْنِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إذَا حَصَلَ الْغَبْنُ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ بِالْغَبْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَلَكِنْ إذَا كَانَ الْغَبْنُ فَاحِشًا لِمَنْ لَا يَعْرِفُ ثَمَنَ السِّلْعَةِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنْ يَبْلُغَ الْغَبْنُ ثُلُثَ الْقِيمَةِ، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا التَّقْيِيدَ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ مُطْلَقِ الْغَبْنِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ يُتَسَامَحُ بِهِ فِي الْعَادَةِ وَأَنَّهُ مَنْ رَضِيَ بِالْغَبْنِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى غَبْنًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّسَاهُلِ فِي الْبَيْعِ الَّذِي أَثْنَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَاعِلِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرَّجُلَ سَهْلَ الْبَيْعِ سَهْلَ الشِّرَاءِ.
وَذَهَبَتْ الْجَمَاهِيرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى عَدَمِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِالْغَبْنِ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الْبَيْعِ وَنُفُوذِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الْغَبْنِ أَوَّلًا قَالُوا: وَحَدِيثُ الْبَابِ إنَّمَا كَانَ الْخِيَارُ فِيهِ لِضَعْفِ عَقْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ إلَّا أَنَّهُ ضَعْفٌ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ حَدِّ التَّمْيِيزِ فَتَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ مَعَ الْغَبْنِ قُلْتُ: وَيَدُلُّ لِضَعْفِ عَقْلِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ " أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُبَايِعُ وَكَانَ فِي عَقْلِهِ " أَيْ أَدْرَكَهُ " ضَعْفٌ " وَلِأَنَّهُ لَقَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ لَا خِلَابَةَ اشْتِرَاطَ عَدَمِ الْخِدَاعِ فَكَانَ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْخِدَاعِ لِيَكُونَ مِنْ بَابِ خِيَارِ الشَّرْطِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّ الْخَدِيعَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِي الْغَيْبِ أَوْ فِي الْمِلْكِ أَوْ فِي الثَّمَنِ أَوْ فِي الْغَبْنِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا فِي الْغَبْنِ بِخُصُوصِهِ، وَهِيَ قِصَّةٌ خَاصَّةٌ لَا عُمُومَ فِيهَا.
قُلْت فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ إنَّهُ شَكَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْقَى مِنْ الْغَبْنِ وَهِيَ تَرُدُّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ إذَا قَالَ الرَّجُلُ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي لَا خِلَابَةَ ثَبَتَ الْخِيَارُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَبْنٌ وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ كَانَ يُغْبَنُ وَأَثْبَتَ الْهَادَوِيَّةُ الْخِيَارَ بِالْغَبْنِ فِي صُورَتَيْنِ الْأُولَى مَنْ تَصَرَّفَ عَنْ الْغَيْرِ، وَالثَّانِيَةُ فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ مُحْتَجِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ دَلِيلٌ لَهُمْ عَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ فِي عَقْلِهِ ضَعْفٌ دُونَ الْأُولَى.
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (4/ 8)
ومن فوائد الحديث: أنه لا يثبت خيار الغبن إلا بشرط؛ لأنه لو كان يثبت بلا شرط ما احتيج أن يقال لا خلابة.
في هذا الحديث فوائد منها: أنه يجوز تصرف الإنسان الذي يخدع في البيع، ولكن يشترط لنفسه أنه لا خلابة.
ومن فوائد هذا الحديث- على هذا التقدير الذي قررنا-: ثبوت خيار الغبن لكل مغبون، فكل من غبن بتغرير في الثمن أو في المثمن فإن له الخيار.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا خيار في الغبن إلا إذا شرط؛ يعني: إذا شرط المغبون بأن له الخيار، ووجه ذلك: أنه لو كان يثبت الخيار بالغبن ما احتيج إلى اشتراطه، وسبق لنا الجواب على ذلك، وقلنا: إن هذا إنما ذكر من اجل التوكيد وقطع النزاع؛ لأن هناك أحاديث تدل على ثبوت الغبن مثل النهي عن تلقي الجلب والمصراة، فإن هذا يدل على خيار الغبن وهذا هو الصحيح.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 366)
1 - الحديث فيه إثبات خيار الغبن لمن كان لا يُحسن المماكسة، ولا يعرف القيمة، إذا غبن في البيع أو الشراء، فله حق إرجاع المبيع على صاحبه، والرجوع بثمنه، ومثله إذا باع سلعته، وغبن فيها.
2 - ثبوت خيار الغبن، والمراد بالغبن الذي يخرج عن العادة، أما الغبن بالشيء اليسير الذي يجري عادة بين المتبايعين، فليس له اعتبار.
3 - جمهور العلماء -ومنهم الحنفية والشافعية- ذهبوا إلى عدم ثبوت الخيار بالغبن، لعموم أدلة نفوذ البيع من غير تفرقة بين الغبن وعدمه، وأجابوا عن الحديث بأنَّ الرجل في عقله ضعف، فتصرفه كتصرف الصبي المأذون له، فهي قصة خاصة، لا عموم لها.
وذهب الإمامان: مالك وأحمد إلى ثبوت الخيار إذا غبن في البيع. أو الشراء، غبنًا يخرج عن العادة.
أما الغبن اليسير الذي جرت العادة بالسماح به بين الناس، وهو يقع بين الناس كثيرًا في بيوعهم: فلا يثبت به خيارة فإنه لا عبرة به.
4 - الغبن محرَّم لما فيه من التغرير والغش المنهي عنه، ويحرم تعاطي أسبابه.
5 - عقد الغبن صحيح، فإن أمضى المغبون العقد فليس له أرش مع الإمساك، لأنَّ الشارع لم يجعل له ذلك، ولأنَّه لم يفته من جزء من المبيع.
فتح المنعم شرح صحيح مسلم (6/ 225)
1 - واستدل بهذا الحديث على: أنه يرد بالغبن الفاحش، لمن لم يعرف قيمة السلعة. وهو مذهب أحمد وأحد قولي مالك. وتعقب: بأنه صلى الله عليه وسلم إنما جعل له الخيار لضعف عقله، ولو كان الغبن في نفسه يؤدي إلى الفسخ لما احتاج إلى شرط الخيار. وقال ابن العربي: قصة هذا الرجل ليست قصة عامة، وإنما هي خاصة، في واقعة عين، فيحتج بها في حق من كان بصفة الرجل، فلا يحتج بها في مسألة الغبن مطلقًا.
2 - واستدل به على أن من قال عند العقد: لا خلابة. أنه يصير في تلك الصفقة بالخيار سواء وجد فيه عيبًا أو غبنًا أم لا، وبالغ ابن حزم في جموده، فقال: لو قال: لا خديعة أو لا غش، أو ما أشبه ذلك لم يكن له الخيار، حتى يقول: لا خلابة. قال الحافظ ابن حجر: ومن أسهل ما يرد به عليه ما ثبت في صحيح مسلم من أن الرجل كان يقول "لا خيابة" بالياء بدل اللام، ومع ذلك لم يتغير الحكم في حقه عند أحد من الصحابة الذين كانوا يشهدون له بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله بالخيار، فدل على أنهم اكتفوا في ذلك بالمعنى.
3 - واستدل به على أن الكبير لا يحجر عليه ولو تبين سفهه، لما في بعض طرق الحديث أن أهله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله احجر عليه. فدعاه، فنهاه عن البيع، فقال: لا أصبر عنه فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة.
ورد هذا الاستدلال بأنه لو كان الحجر على الكبير لا يصح لأنكر عليهم، أما كونه لم يحجر عليه فلا يدل على منع الحجر على السفيه.
4 - واستدل به على جواز البيع بشرط الخيار.
5 - وعلى جواز شرط الخيار للمشتري وحده.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (2/ 53).
1- ودل حديث ابن عمر على إثبات الخيار في حالة الغبن، وقد قال بمشروعية خيار الغبن الحنابلة، والظاهرية، ومالك في أحد قوليه، ويثبت خيار الغبن عند الحنابلة في ثلاث صور: تلقي الركبان، النجش -وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها- المسترسل الجاهل بالقيمة من بائع ومشتر ولا يحسن أن يماكس فله الخيار إذا غبن الغبن المذكور. واشترط الحنابلة لصحة هذا الخيار شرطين:
الأول: أن يكون الغبن فاحشًا خارجًا عن العادة، فالغبن اليسير لا يؤثر؛ لأنه نادرًا ما تسلم منه العقود.
والثاني: أن يكون المغبون جاهلًا غير عالم بالغبن ووقوعه فيه عند التعاقد، لأنه إذا كان عالمًا بالغبن، ومع هذا أمضى العقد، فإنه يدل على رضاه به.
2- لا يتطلب ثبوت الخيار التعبير بصيغة معينة، فكما يحصل بلفظ اشتراط (الخيار) يحصل بكل لفظ يدل على ذلك المراد، قال النووي: (اشتهر في الشـرع أن قوله: «لا خلابة» عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثة أيام، فإذا أطلق المتعاقدان هذه اللفظة، وهما عالمان بمعناها كان كالتصريح بالاشتراط، وإن كانا جاهلين لم يثبت الخيار).
3 - وفيه دليل كذلك على إثبات خيار الشرط، وجواز اشتراط الخيار هو قول الجمهور خلافًا للظاهرية، والراجح قول الجماهير، فقد جعل النبي ﷺ للمشتري اشتراط الخيار في بيعه، وأن وجود مثل هذا الشـرط لا ينافي العقد، فدل ذلك على صحته، وجوازه.