فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 114).
- فيه: أن الحجر على الإنسان في ماله وبيعه بغير رضاه، ووجه الدلالة: أن ذلك وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن متى يكون الحجر؟
نقول: المدين له أربع حالات:
أ- إما أن يكون ماله أكثر من دينه، أو يكون دينه أكثر من مله، أو يتساوى دينه وماله أو لا يكون عنده مال أصلاً، إذا لم يكن عنده مال حرم التعرض له ولا يجوز طلبه ولا مطالبته، ولا حسبه بل يجب تركه، ودليل ذلك قوله تعالى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } [البقرة: 280].
ب- إذا كان ماله أكثر من دينه فإن لا يحجر عليه أيضًا، ولكن «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»، يعني: أننا نعاقبه حتى يوفي نأمر بالوفاء، فإن أبي حبسناه، فإن أبي ضربناه حتى يوفي، فإن أبي بالكلية أوفينا من ماله قهراً عليه بدون حجر.
ج- أن يكون ماله ودينه سواء، فهذا أيضًا لا يحجر عليه ولكن يؤمر أولًا بالوفاء فإن أبي حبس، فإن أبي ضرب، فإن أبي بيع.
د- أن يكون دينه أكثر من ماله، يعني: عنده مال لكن الدين أكثر من المال، فماله عشرة ودينه عشرون، هذا لا يترك ولا يحبس ولا يضرب، ولكن يحجر عليه؛ أي: أننا نمنعه من التصرف في ماله، ويتولى الحاكم الشرعي بيع ماله ويفرقه على الغرماء كل بقدر دينه بالقسط، وفي هذه الحال بأي شيء نبدأ؟ نبدأ أولاً بالرهن، فإذا كان لأحد رهن في المال فهو أحق به، ثم بمن وجد عين ماله، وقال.
- هل يحجر عليه في ماله وذمته أو في ماله فقط؟
نقول: يحجر عليه في ماله فقط، فلا يتصرف في ماله لا في بيع ولا شراء ولا غير ذلك، أما في ذمته فلا يحجر عليه، فمثلًا هذا الرجل الذي وجدنا أن دينه عشرة وماله خمسة حجرنا عليه إذا باع شيئًا من ماله فالبيع غير صحيح، وأما إذا اشترى شيئًا في ذمته فالشراء صحيح؛ لأن ذمته قابلة للتحمل والتصرف بخلاف أعيان ماله، فإنه قد حجر عليه فيها، ولهذا حديث معاذ: «حجر عليه ماله»، أما ذمته فإنها طليقة يتصرف فيها إن شاء استأجر وإن شاء اقترض وإن شاء اشترى بثمن مؤجل.
- إثبات الحجر على من استحقه، وسبق لنا أن الحجر لا يكون إلا في صورة واحدة وهي ما إذا كان الدين أكثر من المال ولا حجر في ثلاث صور: إذا كان المال أكثر من الدين، أو كان مساويًا، أو لم يكن له مال، الحجر إنما يكون فيمن عنده مال لكن دينه أكثر من ماله.
- جواز بيع الإنسان وإن لم يرض بالبيع إذا كان بحق لقوله: «وباعه في دين كان علي» وعلى هذا فقوله تعالى: { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [النساء:29] يستثنى منها هذه المسألة، فإن المحجور عليه يباع ماله قهراً لأن ذلك بحق.
- أنه إذا كان يباع المال الموجود في قضاء الدين فما بالك بالشخص يشتري شيئًا دينًا عليه وهو ليس له حاجة فيه؛ لأن بعض الناس الآن يذهب يستدين من أجل أن يشتري الكماليات ليس بحاجة ولا بضرورة إليها، وهذا لا شك أنه من السفه من سفه الإنسان أن يذهب ويستدين من أجل مسائل كمالية، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرشد الذي أراد أن يزوجه وليس عنده شيء وقال: «التمس ولو خاتمًا من حديد» قال: لا أجد، لم يرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يستدين مع أنه محتاج إلى الزواج، وإنما زوجه بما معه من القرآن.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 489).
- الحَجْر شرعًا: هو منع المفلس من التصرف في ماله الموجود الحادث بإرث أو غيره، وهو مشروع بشرطه؛ لحفظ حقوق الغرماء، ونتيجة الحجر أنَّه لا يصح، ولا ينفذ تصرفه في ماله المذكور، ولا إقراره عليه.
- لا يصح الحجر إلَاّ من الحاكم بطلب كل غرماء المفلس، أو طلب بعضهم؛ لأنَّ الحجر يحتاج إلى اجتهاد في الحكم به، كما أنَّه إلى وجود ولاية تشريعية وتنفيذية، ولا يقوم بذلك إلَاّ الحاكم.
- لا يحجر على المدين حتى تكون ديونه أكثر من موجوداته.
- المفلس قبل حجر الحاكم صحيح التصرف في ماله؛ لأنَّه رشيد، لكن يحرم عليه التصرف بما يضر غرماءه، هذا المذهب.
أمَّا ابن القيم فقال: إذا استغرقت الديون ماله، لم يصح تصرفه وتبرعه بما يضر أرباب الديون، سواءٌ حَجَر عليه الحاكم، أو لم يحجر عليه.
هذا مذهب مالك واختيار شيخنا، وهو الصحيح الذي يليق بأصول المذهب، بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ لأنَّ حق الغرماء قد تعلق بماله، والشريعة جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق، وسد الطريق المفضية إلى إضاعتها.
قلتُ: ونصر هذا القول غير واحد من أهل التحقيق، وجزم به ابن رجب وغيره، وصوَّبه في الإنصاف.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: عند الشيخ تقي الدين لا ينفذ تصرف المفلس التصرف المضر بالغريم، ولو لم يحجر عليه، وهو أرجح وأقرب إلى العدل، لأنَّ تصرفه ظلم محرَّم، فكيف ينفذ الظلم المحرَّم وحجر الحاكم ما هو إلَاّ إظهار لحاله، لإيجاب شيء لم يجب إلَاّ بحجره.
- على الحاكم أن يبيع مال المفلس، ويقسم ثمن ما باعه بين الغرماء بالمحاصَّة بقدر الديون.
وطريق المحاصَّة أن تجمع الديون، وتنسب إلى مال المفلس، وَيُعطى كل غريم من دينه بتلك النسبة.
- الحجر لا ينفك عن المفلس إلَاّ بوفائه دينه، أو حكم حاكم، ولو مع بقاء بعض الدين؛ لأنَّ حكمه مع بقاء بعض الدين، لا يكون إلَاّ بعد البحث عن نفاد ماله، والنظر في الأصلح من بقاء الحجر، أو فكِّه.
- يجوز إعطاؤه من الزكاة لوفاء دينه.
قال فقهاء الحنابلة، واللفظ لصاحب نيل المآرب: من تَديَّن لنفسه في شراء مباح أو محرَّم، وتاب منه مع فقره، فإنَّه يُعطي ما يقضي به دينه، وكذا لو كان الدين لله تعالى.
- إذا وزعَّ الحاكم ماله الموجود انقطعت المطالبة عنه، فلا يجوز ملازمته، ولا طلبه، ولا حبسه بهذا الدين بل يخلى سبيله، ويمهل إلى أن يحصل له مال فيأخذه الغرماء، وليس معناه: أنَّه ليس لكم إلَاّ ما وجدتم، وبطل ما بقي لكم من الديون، وهذا ما يفهم من الحديث مع قوله تعالي: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } [البقرة: 280] [البقرة: 280].
فالإفلاس لا يسقط حقوق أصحاب الديون، لكن يمنع من الملازمة والمطالبة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- لغرماء معاذ: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلَاّ ذلك".
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (2/ 91).
– فيه: دليل على أنه يحجر الحاكم على المدين التصـرف في ماله، ويبيعه عنه لقضاء غرمائه.
- وظاهر الحديث أن ماله كان مستغرقًا بالدين، فهل يلحق به من لم يستغرق ماله في الحجر والبيع عنه؛ وذلك كالواجد إذا مطل؟
اختلف العلماء في ذلك، فقال الشافعية: إنه يلحق به فيحجر عليه ويباع ماله؛ لأنه قد حصل المقتضي لذلك، وهو عدم المسارعة بقضاء الدين.
وقال الحنفية: إنه لا يلحق به، فلا يحجر عليه، ولا يباع عنه، بل يجب حبسه حتى يقضـي دينه؛ لحديث إنه «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» ولقوله تعالى { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } ، ومقتضـى الحجر والبيع إخراج المال من غير طيبة من نفسه، ولا رضاه. ورجَّح قول الشافعية حديث: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»؛ ففيه دليل على أنه يحجر عليه، ويباع عنه ماله؛ فإنه داخل تحت مفهوم العقوبة، وتفسيرها بالحبس فقط مجرد رأي من قائله.