خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (2/ 489).
1 - وفي حديث صخر بن العيلة دليل على أن من أسلم من الكفار حرم دمه وماله، وللعلماء تفصيل في ذلك؛ قالوا: من أسلم طوعًا من دون قتال: ملك ماله وأرضه؛ وذلك كأرض اليمن. وإن أسلموا بعد القتال: فالإسلام قد عصم دماءهم، وأما أموالهم فالمنقول منها غنيمة، وغير المنقول فيء.
2- اختلف العلماء في الأرض التي صارت فيئًا للمسلمين على أقوال، فقال مالك ونصره ابن القيم: إنها تكون وقفًا يقسم خراجها في مصالح المسلمين، وأرزاق المقاتلة، وبناء القناطر، والمساجد، وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة في قسمتها كان له ذلك.
3 - وأما في كيفية بقائها بلا قسمة: فظاهر مذهب أحمد وأكثر نصوصه على أن الإمام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة؛ فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على المسلمين وقفها عليهم، وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض فعله؛ فإن رسول الله ﷺ فعل الأقسام الثلاثة؛ فإنه قسم أرض قريظة والنضير، وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين.
شرح السنة للبغوي (11/ 88)
قَالَ الإِمامُ: فِي هَذَا الْحدِيث من الْفِقْه جوازُ سبي الْعَرَب، واسترقاقهم كالعجم، واخْتلف فِيهِ أهْل الْعِلْمِ، وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ، إِن من جَاءَ وَأسلم بعد مَا غُنم مَاله، لَا يجب رد مَاله عليْهِ، ويستدل بِهذا من يقبل إِقْرَار الْوَكِيل على الموكِّل، لِأَن العرفاء بِمَنْزِلَة الوكلاء، وقدْ أطْلق النّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السبايا بِقوْلِ العُرفاء مِنْ غيْرِ أنْ يرْجِع على المُوكّلين، وجوّز أبُو حنِيفة إِقْرَار الْوَكِيل على الْمُوكل فِي مجْلِس الحكم، ولمْ يجوِّز جمَاعَة مِنْهُم ابْن أبِي ليلى، والشّافِعِي، أما من أسلم قبل أَن وَقع فِي الْأسر، فقدْ أحرز أَمْوَاله وَأَوْلَاده، قَالَ النّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصخر بْن الغيلة: «إِنّ القوْم إِذا أسْلمُوا أحْرزُوا أمْوالهُمْ ودِماءهُمْ».
سبل السلام (2/ 481)
وفي الحديث دليل على أن من أسلم من الكفار حرم دمه وماله وللعلماء تفصيل في ذلك، قالوا: من أسلم طوعا من دون قتال ملك ماله وأرضه وذلك كأرض اليمن، وإن أسلموا بعد القتال فالإسلام قد عصم دماءهم وأما أموالهم فالمنقول غنيمة وغير المنقول فيء ثم اختلف العلماء في هذه الأرض التي صارت فيئا للمسلمين على أقوال (الأول) لمالك ونصره ابن القيم أنها تكون وقفا يقسم خراجها في مصالح المسلمين وأرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة في قسمتها كان له ذلك، قال ابن القيم: وبه قال جمهور العلماء وكانت عليه سيرة الخلفاء الراشدين ونازع في ذلك بلال وأصحابه وقالوا لعمر: اقسم الأرض التي فتحوها في الشام. وقالوا له: خذ خمسها واقسمها. فقال عمر: هذا غير المال ولكن أحبسه فيئا يجري عليكم وعلى المسلمين ثم وافق سائر الصحابة عمر - رضي الله عنه -.
وكذلك جرى في فتوح مصر وأرض العراق وأرض فارس وسائر البلاد التي فتحوها عنوة فلم يقسم منها الخلفاء الراشدون قرية واحدة. ثم قال ووافقه على ذلك جمهور الأئمة وإن اختلفوا في كيفية بقائها بلا قسمة فظاهر مذهب الإمام أحمد وأكثر نصوصه على أن الإمام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة، فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على المسلمين وقفها عليهم، وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض فعله. فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل الأقسام الثلاثة فإنه قسم أرض قريظة والنضير وترك قسمة مكة وقسم بعض خيبر وترك بعضها لما ينوبه من
مصالح المسلمين
. وذهب الهادوية إلى أن
الإمام مخير فيها بين الأصلح
من الأربعة الأشياء إما القسم بين الغانمين أو يتركها لأهلها على خراج أو يتركها على معاملة من غلتها أو يمن بها عليهم. قالوا: وقد فعل مثل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (5/ 487- 488)
الأدلة تدل على أنها تحتاج إلى تفصيل على النحو التالي:
أولاً: إذا أسلموا قبل قتالهم أحرزوا دماءهم وأحرزوا أموالهم أيضًا ولا يجوز أن نأخذ من أموالهم شيئًا، لا من الأموال المنقولة ولا من الأموال غير المنقولة، لأنهم أسلموا وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى فهؤلاء الذين أسلموا بمجرد أن أسلموا لا يجوز أن نتعرض لهم قد أحرزوا دماءهم وأموالهم.
الحال الثانية: أن يسملوا بعد القتال، فما أخذ من أموالهم حال القتال وقبل الإسلام فهو غنيمة للمسلمين وما لم يؤخذ فهو لهم ومنه غير المنقول كالأراضي فإذا أسلموا على أراضيهم فلا يجوز أن نقسمها بين الغانمين، لأنهم أسلموا عليهم فتكون لهم ويحرزون بذلك أموالهم التي لا تنقل وكذلك الأموال التي كانت بأيديهم بعد أن أسلموا، لأنهم صاروا محترمين معصومين أما إذا أسلموا بعد المقاتلة وبعد أن غنمنا أموالهم فما غنمناه من الأموال فهو غنيمة وكذلك لو اسلموا بعد أن فتحنا أرضهم عنوة وملكناها فإن هذه الأرض للإمام أن يصالحهم فيها على ما يريد مما تقتضيه المصلحة.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (6/ 395)
1 - في معنى هذا الحديث ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقها، وحسابه على الله عز وجل".
2 - فحديث الباب وشواهده تدل على أن من أسلم من الكفار، حرم دمه وماله؛ لأنه أصبح في عداد المسلمين.
3 - ومفهوم الحديث، وشواهده تدل على أن من أبى الإسلام، فإنه يجب قتاله حتى يسلم؛ تنفيذا لأمر الله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } [البقرة: 193].
أي: شرك، ويكون الدين لله، قاله ابن عباس وغيره.
وهذا مما يؤيد القول الراجح؛ أن قتال الكفار ليس هو مجرد دفاع، وإنما هو قتال لأجل سير الدعوة وإبلاغها، وإزاحة من يقوم في وجه تبليغها.
4- قال في "شرح الإقناع": وتوبة كل كافر موحدا كان كاليهودي، أو غير موحد كالنصراني، وعبدة الأوثان -إسلامه بأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله كان مسلما، وإن لم يأت بلفظ: "أشهد".
5 - وفي الحديث وأمثاله دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، وجماهير السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادا جازما، كفاه ذلك عن تعلم أدلة المتكلمين، ومعرفة الله تعالى بها، خلافا لمن أوجب ذلك، وجعله شرطا في كونه من أهل القبلة، وهذا خطأ ظاهر، فإن المراد: التصديق الجازم، وقد حصل، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- اكتفى بالتصديق بما جاء به، ولم يشترط المعرفة بالدليل.
وقد تظاهرت بهذا الأحاديث التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، والله أعلم.