شرح صحيح البخاري - ابن بطال (5/ 439).
عند الكوفيين النهى فى ذلك على العموم، فلا يحل عندهم أكل شيء من سباع الوحش كلها ولا الهر الوحشى ولا الأهلى؛ لأنه سبع، ولا الضبع ولا الثعلب؛ لعموم نهيه (صلى الله عليه وسلم) عن أكل كل ذى ناب من السباع. قالوا: فما دخل عليه اسم (سبع) فهو داخل تحت النهي. قالوا: وليس حديث الضبع مما يعارض به حديث النهى؛ لأنه انفرد به عبد الرحمن بن أبى عمار عن جابر، وليس بمشهور بنقل العلم ولا هو حجة إذا انفراد فكيف إذا خالفه من هو أثبت منه؟ وقد قال سعيد بن المسيب: إن الضبع لا يصلح أكلها. وهو قول الليث. وقال ابن شهاب: الثعلب سبع لا يؤكل. ومالك يكره أكل ما يعدو من السباع وما لا يعدو من غير تحريم. ومن أجاز من السلف أكل الضبع والثعلب، روى عن ابن عمر بن الخطاب أنه كان لا يرى بأسًا بأكل الضبع ويجعلها صيدًا. وعن على بن أبى طالب، وسعد بن أبى وقاص، وجابر، وأبى هريرة مثله. وقال عكرمة: لقد رأيتها على مائدة ابن عباس. وبه قال عطاء، ومالك، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأجاز الثعلب: طاوس وقتادة واحتجا بأنه يؤذى، وقالا: كل شيء يؤذى فهو صيد.
شرح السنة (7/ 271).
قَالَ الإِمَامُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي إِبَاحَةِ لَحْمِ الضَّبُعِ، فَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِبَاحَةُ لَحْمِ الضَّبُعِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»، وَهَذَا عِنْدَ الْآخَرِينَ عَامٌّ خَصَّهُ حَدِيثُ جَابِرٍ.
سبل السلام (2/ 511).
الحديث فيه دليل على حل أكل الضبع. وإليه ذهب الشافعي فهو مخصص من حديث تحريم كل ذي ناب من السباع وأخرج أبو داود من حديث جابر مرفوعا «الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل» وأخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. قال الشافعي: وما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير. وحرمه الهادوية والحنفية عملا بالحديث العام كما أشرنا إليه، ولكن أحاديث التحليل تخصصه وأما استدلالهم على التحريم.
توضيح الأحكام (7/ 18).
- حديث الباب يدل على حل أكل لحمها، وأنه صيد، والصيد مباح، وقد اختلف العلماء في حلها:
فذهب الإمامان الشَّافعي وأحمد: إلى حلّها؛ مستدلين بهذا الحديث، وبما رواه الحاكم وصحَّح إسناده من حديث جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الضبع صيد، وجزاؤه كبش مسن".
قال الترمذي: "سألت البخاري عنه؟ فقال: إنَّه حديثٌ صحيح".
أمَّا أبو حنيفة: فقال: يحرم.
وأمَّا مالك: فقال: يكره.
ودليل أبي حنيفة على تحريمها حديث: "كل ذي نابٍ من السباع فأكله حرام"، والضبع ذو ناب.
قال الأوزاعي: "كان العلماء بالشام يعدونها من السباع، ويكرهون أكلها".
قال في المغني: "وهو القياس، إلَاّ أنَّ اتباع السنَّة أولى".
والصحيح حل أكلها، فقد قال الشافعي: "ما زال النَّاس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير".
- قال شيخ الإِسلام: "مباحة عند جماهير العلماء، ومنهم مالك، والشَّافعي، وأحمد، وغيرهم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّها صيدٌ"، وأمر بأكلها، ولأنَّ العرب تستطيبه وتمدحه".
- قال الدميري في حياة الحيوان: "الضبع لا يغتذي بالعدو فهو يعيش بغير أنيابه".
قال ابن القيم: "إنَّما حُرِّم ما له نابٌ من السباع العادية بطبعها، كالأَسد وأمَّا الضبع فإنَّما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات نابٍ، وليست من السباع العادية، والسبع إنَّما حرم؛ لِما فيه من القوَّة السبعية التي تورث المتغذي بها شبهًا، ولا تعد الضبع من السباع لا لغةً ولا عرفًا".
قلت: وبهذا فحديث "كل ذي نابٍ من السباع" لا يصلح دليلاً على تحريمها