«فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام» (4/ 247)
في هذا الحديث النهي عن المزارعة، وقلنا: إن الأصل في النهي التحريم، واختلف العلماء - رحمهم الله - في الجمع بين هذا الحديث وبين حديث رافع بن خديج؛ فإن حديث رافع يدل على جواز المزارعة، وهذا يدل عل النهي عن المزارعة، فكيف نجمع؟ اختلف العلماء في هذا، فقال بعض العلماء: إن هذا النهي كان قبل الإذن بالمزارعة فيكون النهي على هذا القول منسوخًا وعللوا ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة كان المهاجرون لا مال عندهم فكانوا يحتاجون إلى الزرع ليعيشوا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المزارعة من أجل أن يبقى الباب مفتوحًا للمهاجرين يزرعون ويغنمون، وهذا القول فيه نظر؛ لأن من شروط النسخ: العلم بتأخر الناسخ، وهذا ليس بعلم بل مجرد الاستنتاج ولا يسمى علمًا، وقال بعض أهل العلم: إن المزارعة المنهي عنها هي المزارعة التي كان الناس يفعلونها، والتي أشار إليها رافع بن خديج بقوله: "على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع"، فتكون "أل" في المزارعة ليست للعموم لكنها للعهد الذهني، يعني: المزارعة المعروفة المعهودة عندكم وهي المبنية على الغرر والجهالة، وقال بعض العلماء: إن النهي هنا للكراهة فلا يدل على التحريم، وقال آخرون: بل النهي في المزارعة لمن عنده فضل أرض لا يحتاجها فلا يزارع عليها بل يمنحها لأخيه بلا مزارعة، وأصح الأقوال في ذلك: أن المزارعة يراد بها المزارعة المعهودة عندهم المبنية على الغرر، وهي التي ذكرت في حديث رافع بن خديج بان يقول لك: أزارعك في ارض هذا لك الشرقي ولي الغربي، أو لك الشعير ولي البر مثلاً، أو لك الذي على مجاري الماء ولي الباقي، فهذا كله حرام؛ لأنه مبني على الغرر، وهو الذي ورد النهي عنه.
«توضيح الأحكام من بلوغ المرام» (5/ 45- 48)
اختلف العلماء في حكم المزارعة:
فذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم جوازها.
ودليلهم على ذلك أحاديث رافع بن خديج منها:
1 - "كنا نخابر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنهى رسول الله عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنفع".
2 - حديث حنظلة بن قيس، وهو حديث الباب السابق.
3 - ما في البخاري (2343) ومسلم (1547) عن ابن عمر: "ما كنَّا نرى بالمزارعة بأسًا، حتما سمعنا رافع بن خديج يقول: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنها".
4 - ما جاء في صحيح البخاري (2340) ومسلم (1566) عن جابر أنَّ النَّبىَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "من كانت له أرض فليزرعها إن لم يزرعها أخاه".
فهذه الأحاديث حجة الذين يذهبون إلى عدم جواز المزارعة، ويرون أنَّها محرَّمة باطلة، وللأئمة على التحريم دليلٌ آخر، هو أنَّهم يعتبرون المزارعة إجارة، والإجارة لابد أن تكون الأجرة فيها معلومة، وهنا العوض مجهول معدوم، فتحرم ولا تصح.
وذهب الإمام أحمد وأتباعه إلى جوازها، وأنَّها عقدٌ صحيحٌ ثابتٌ، كما ذهب إلى جوازها طوائفٌ من الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث، المتقدمين والمتأخرين، وكثير من الفقهاء.فممَّن يرى جوازها علي بن أبي طالب، وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وطاووس، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن سيرين، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وابن أبي شيبة، والثوري، والبخاري، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن سريج، والخطابي، والظاهرية.
قال النووي: هو الراجح المختار، والمسلمون في جميع الأمصار والأعصار جارون على العمل بالمزراعة.
أدلة المجوِّزين:
1 - الأصل في العقود الجواز والصحة، فلا يمنع منها إلاَّ ما وجد فيه محذورٌ شرعيٌّ من جهالةٍ، أو غررٍ، أومخاطرةٍ، أو ظلمٍ لأحد الجانبين، أما العقود الواضحة السالمة من تلك المحاذير، فإنَّ الشرع يجيزها، ولا يمنع منها شيئًا.
2 - معاملة النبي -صلى الله عليه وسلم- ليهود خيبر منذ أن استولى عليها حتى توفي، ثم مِن بعده أقرَّهم أبو بكر، وصدرًا من خلافة عمر، حتى أجلاهم منها، بمشهد من عموم الصحابة، وهذا دليلٌ على جوازها، وأنَّها لم تنسخ.
ومن تلك الأحاديث ما في الصحيحين عن ابن عمر: "أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمرٍ أو زرعٍ، وقال نقركم بها على ذلك ما شئنا، فقروا بها حتى أجلاهم عمر".
2 - أجابوا عن أحاديث رافع بن خديج بأنَّها مضطربة السند، فإنَّه تارةً يروي عن عمومته، وتارةً أخرى روى عن رافع بن ظهير، وثالثةً يحدث عن سماعه هو، وهي أيضًا مضطربة المتن، فإنَّه تارةً يروي النَّهي عن "كراء الأرض"، وتارةً "ينهي عن الجعل" وثالثةً "من الثلث والربع والطعام المسمى".وبهذا حصل الاضطراب في المتن والسند، وحصل فيها الشك، حتى قال الإمام أحمد: حديث رافع ألوان وضروب، وقد أنكره الصحابة، ولم يعلم به عبد الله بن عمر إلاَّ في خلافة معاوية، فكيف مثل هذا الحكم يخفى عليهم، وهم يتعاطونها، وسيأتي قريبًا معنا آخر لهذا الاضطراب.
وعلى فرض صحة أحاديث رافع، فقد أجاب العلماء عنها، وعن حديث جابر بأجوبةٍ مقنعةٍ.
وأحسن تلك الأجوبة الجمع بين أحاديث رافع، وأحاديث خيبر، وذلك بحمل النَّهي عن المزارعة في أحاديث رافع على المزارعة الفاسدة التي دخلها شيءٌ من الغرر والجهالة، وصار فيها شبه من الميسر والقمار والمغالبات المحرَّمة.
وهو حملٌ وجيهٌ، بل قد صرَّح رافع بذلك في بعض طرق أحاديثه.
قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أمرٌ إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال، والحرام علم أنَّه لا يجوز؛ لما فيه من المخاطرة.
وقال ابن المنذر: قد جاءت أخبار رافع بعللٍ تدل على أنَّ النَّهي لتلك العلل.
وقال الخطابي: قد أعلمك رافع أنَّ المنهي عنه هو المجهول، دون المعلوم، وأنَّه كان من عادتهم أن يشترطوا شروطًا فاسدة، وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقي والجداول، فيكون خاصًّا لربِّ المال، وقد يسلم ما على السواقي، ويهلك سائر الزرع، فيبقى المُزارع لا شيء له، وهذا غررٌ وخطرٌ.
والمزارعة شركة، وحصة الشريك لا يجوز أن تكون مجهولة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: المقصود أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المشاركة التي هي كراء الأرض بالمعنى العام، إذا اشترط لرب الأرض منها زرعُ مكانٍ بعينه، والأمر في ذلك كما قال الليث بن سعد، فقد بيَّن أنَّ الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علِمَ أنَّه حرام.
وقال ابن القيم: إنَّ من تأمل حديث رافع بن خذيج وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مُجمَلها على مفسّرها، ومُطْلَقها ومقيّدها، علِمَ أنَّ الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك أمر بين الفساد، وهو المزارعة الظالمة الجائرة، فإنَّه قال: "كنا نكري الأرض على أنَّ لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه".
وفي لفظ له: "كان الناس يؤاجرون على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بما على الماذِيَانَات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلاَّ هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلومٌ مضمونٌ فلا بأس به".
وهذا من أبين ما في حديث رافع وأوضحه، وما فيها من مجملٍ أو مطلقٍ أو مختصر فيُحمل على هذا المفسَّر المبيَّن المتَّفق عليه لفظًا وحكمًا. اهـ كلامه -رحمه الله-.
قال الطيبي في شرح المشكاة: أحاديث النَّهي عن المزارعة في ظاهرها تباينٌ واختلاف، وجملة القول في الجمع بينها أنَّ رافع بن خديج سمع أحاديث في النَّهي عن المزارعة متنوعة، فنظمها في سلك واحدٍ، ولهذا تارةً يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتارةً يقول: حدَّثني عمومتي، وتارةً يقول: أخبرني عماي، والعلة في بعض الأحاديث أنَّهم يشترطون شروطًا فاسدة، وفي بعضها أنَّهم كانوا يتنازعون في الكراء، وفي بعضها أنَّه كره لهم الافتتان بالحراثة، فيقعدوا عن الجهاد.
وعلى هذا المعنى يجب أن يحمل الاضطراب المروي عن الإمام أحمد، لا على الاضطراب المصطلح عليه عند أهل الحديث، فإنَّه نوعٌ من أنواع الضعف، وحاشا لصاحبي الصحيح البخاري ومسلم أن يوردا شيئًا من هذا النوع.