شرح مشكل الآثار (14/ 496 - 501)
فقال قائل: فقد رويتم في هذه الآثار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رفع الأصوات بالتلبية، وقد رويتم ما يخالف ذلك ... عن أبي موسى، قال: كنت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر، فهبطنا في وهدة من الأرض، فرفع الناس أصواتهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم، ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا" ...
قال: ففي هذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإرباع على أنفسهم في رفع الأصوات بالتكبير فيما كانوا رفعوها به، وإعلامهم مع ذلك أنهم لا يدعون أصم، ولا غائبا، فكانت التلبية كذلك إنما يراد بها ذكر الله، وليس بأصم ولا غائب، فيحتاج إلى رفع الأصوات بها، وهذان الحديثان فيهما من التضاد لما رويتموه من رفع الأصوات بالتلبية في هذا الباب ما لا خفاء به.
فكان جوابنا له في ذلك: أن الأمر في ذلك ليس كما ذكر مما يوجب التضاد، ولكن الوجه في ذلك: أن التلبية من شعائر الحج، ورفع الأصوات بها على ما في الآثار المروية فيها ... فكان العج المذكور في هذا الحديث: هو العج بالتلبية، ... فكان من شعائر الحج رفع الأصوات بالتلبية، وكان الحج بائنا بذلك كما بان به في سوى التلبية من شعائر الحج من حلق الرءوس عند حل المحرمين به، ومن اجتناب ما يجتنبونه فيه من حلق الشعر، وقص الأظفار، ومما سوى ذلك، ولم يكن في رفع الأصوات بالتكبير ... هذان الوجهان اللذان ذكرناهما في هذين الأمرين، فانتفى أن يكون لأحدهما ما يوجب تضاد الآخر منهما.