سبل السلام للصنعاني (1/ 601)
«وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك» أَيْ: مِنْ تَرْكِهَا وَالْأَخْيَرِيَّةُ فِي الْأَجْرِ تَدُلُّ عَلَى نَدْبِهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ حَتَّى تَكُونَ مِنْ الْمُبَاحِ وَالْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَجِبْ تَرَدَّدَتْ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ بَلْ كَانَ ظَاهِرًا فِي الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فَأَبَانَ بِهَا نَدْبَهَا".
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (3/ 328)
فنستفيد من هذا الحديث -إن صح مرفوعًا- عدة فوائد:
أولًا: أن العمرة ليست واجبة.
ثانيًا: قد يقال: أن هذا الأعرابي - يعني: لو صح الحديث - علم النبي صلى الله عليه وسلم من حاله أنها لا تجب عليه لكن العمرة خير له إلا أن هذا يعكر عليه قوله: "أواجبة هي؟ " ولم يقل: عليِّ، ومن ثمَّ اختلف العلماء بناء على اختلاف الحديثين، فقال بعض العلماء: أن العمرة واجبة كالحجِّ، وقال آخرون: إنها لا تجب؛ لأن الله إنما أوجب الحج فقال: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } [آل عمران: 97]. وأما قوله: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } [البقرة: 196]، فقد سبق أنه ليس فيها دليل على الفرضية، وقال بعض العلماء: إنها تجب على غير المكي، وهذا منصوص الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أي: أنها لا تجب على المكي، إنما تجب على من كان من غير أهل مكة، ولا يرد على هذا حديث ابن عباس: "هنّ لهنّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة"، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة؛ لأننا نقول: أن أهل مكة لهم أن يعتمروا، لكن لا تجب عليهم العمرة.
والراجح عندي: أن العمرة واجبة كالحج؛ لحديث عائشة، وحديث جابر لا يعارضه؛ لأنه قد روي موقوفًا وهو الراجح كما قال المؤلف؛ ولأن العمرة تسمَّى حجًّا أصغر؛ لحديث عمرو بن حزم المشهور، وفيه: "وأن العمرة الحج الأصغر"، فتكون داخلة في لفظ العموم: (حج البيت)، وتكون هذه الكلمة -حج- مشتركة بين العمرة والحج بينتها السُّنة.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 12)
1- يدل على أنَّ العمرة ليست واجبة، وإنما هي مستحبة.
2- الحديثان ليسا بحجة، لا على الوجوب، ولا على الاستحباب لضعفهما، ولذا نقل الترمذي عن الشافعي أنَّه قال: "ليس في العمرة شيء ثابت، إنما هي تطوع، وفي إيجابها أحاديث لا تقوم بها الحجة".
3- قال الوزير: أجمعوا على أن الحج والعمرة لا يَجِبَان في العمر إلاَّ مرَّة واحدةً، وأنَّ المرأة في ذلك كالرجل، وأنَّ شرائط الوجوب في حقها كالرجل.
قلتُ: وتزيد المرأة بشرط المَحْرَم.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية العمرة، وأنَّها من شعائر الله تعالى، ولكنهم اختلفوا في حكمها، فأهل الحديث، والإمامان الشافعي وأحمد، يرون وجوبها مرَّة واحدة في العمر على المستطيع كالحج.
كما روي وجوبها عن جماعة من الصحابة والتابعين، منهم عُمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وطاوس، والحسن البصري، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء.
أما الإمامان: أبو حنيفة ومالك وأتباعهما فيرون استحبابها فقط، وقد روي ذلك عن ابن مسعود ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وقال شيخ الإسلام في الاختيارات: "والقول بوجوب العمرة على أهل مكة قول ضعيف جدًا، مخالف للسنة الثابتة، ولهذا كان أصح الطريقين عن أحمد أنَّ أهل مكة لا عمرةً عليهم روايةً واحدةً وفي غيرهم روايتان".
وقد ذكر هذه الرواية في المغني فقال: "وليس على أهل مكة عمرة" نصَّ عليه أحمد، وقال: كان ابن عباس لا يرى العمرة واجبة، ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنّما عمرتكم طوافكم بالبيت، ووجه ذلك أنَّ ركن العمرة ومظهرها الطواف بالبيت، وهم يفعلونه فأجزأ عنهم" اهـ.
فأما دليل الموجبين مطلقًا فمثل قوله تعالى: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } [البقرة: 196]، والأمر يقتضي الوجوب، وقد قرنها بالحج، والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه، ولما رواه الترمذي (852) وصححه أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لسائل: "حُجَّ عن أبيك واعتمر" وبما أخرجه الدارقطني (2/ 284) عن زيد بن ثابت بلفظ "الحج والعمرة فريضتان".
وأما القائلون بعدم وجوبها، فيقولون إنَّ الأصل البراعة من الوجوب، ولا ينتقل عنها إِلاَّ بدليل ثابت، فأمّا الآية فلفظ الأمر بالإتمام يشعر بأنَّه إنما يجب بعد الإحرام لا قبله، والحديث التصحيح "بني الإسلام على خمس" اقتصر على الحج، والله تعالى يقول: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } [آل عمران: 97].
قلتُ: قد وردت أحاديث ضعيفة تفيد عدم وجوب العمرة، مثل: "يا رسول الله، أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا وأن تعتمر خير لك" رواه أحمد (13877) وحديث: "الحج جهاد، والعمرة تطوع" رواه ابن ماجه (2980).
قال الحافظ ابن حجر: ولا يصح من ذلك شيء.
قال في سبل السلام: "والأدلة لا تنهض -عند التحقيق- على الإيجاب الذي الأصل عدمه".
قُلْتُ: والذي يترجح عدم الوجوب لاسيَّما للمكيين، ولكن الأفضل والأحوط هو الإتيان بها، وهو أمر سهل وميسر، ولله الحمد والمنة.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 612).
- استدل الشافعية والحنابلة بحديث عائشة وحديث جابر برواية ابن عدي على أن العمرة واجبة مرة واحدة في العمر، ولكن لفظة (العمرة) في الحديث ضعيفة، واستدلوا بأدلة أخـرى منها أن الله تعــالى جعلها قرينة الحـج في أكثر من آية، ومن ذلك قوله تعــالى: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } [البقرة: 196] بينما دل حديث جابر بروايته الأولى على أن العمرة ليست بواجبة، وهو قول الحنفية، والمالكية، ورجَّحه شيخ الإسلام، والأدلة لا تنهض عند التحقيق على الإيجاب الذي الأصل عدمه.