فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (3/ 434).
العلماء اختلفوا في هذا، ولكن إذا جاء مثل هذا الخلاف والأدلة فيه محتملة أن يكون ذلك على سبيل التعبد أو على سبيل الراحة والتيسير فأيهما نأخذ
به؟ قد يقول قائل: إن الأصل المشروعية، وأن النزول في هذا سنَّة، وقد يقول قائل: لا، الأصل عدم المشروعية؛ لأن العبادة لابد أن نعلم أن الشارع شرعه، وهنا ليس عندنا علم؛ لأن الحج بالاتفاق انتهى بعد رمي جمرة العقبة، وهذا المنزل لا نعلم أنه مكان نسك حتى نقول: إن النزول به سنة، وما نزوله في هذا المنزل إلا كنزوله قبل أن يخرج إلى الحج بالأبطح، فهل أنتم تقولون مثلًا: إن نزوله في الأبطح قبل الخروج إلى منى سنة، أو لأنه منزل اختاره لا على سبيل التعبد؟ ليس بسنة، لكن فعل على سبيل أنه نزح عن مكة للتوسعة على من أتى حاجّاً أو معتمرًا في ذلك الوقت.
على كل حال: المسألة محتملة أن يكون سنة وألا يكون سنة، والمسألة الآن إنما الخلاف فيها خلاف نظري، لماذا؟ لأنه الآن لا يمكن النزول في الأبطح انتهى الموضوع، لكن لو فرض أن مكة عادت إلى حالتها الأولى يكون النزاع حينئذ له فائدة عملية أما الآن فإن النزاع ما هو إلا مسألة نظرية.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 197).
خلاف العلماء:
أجمع العلماء على أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- حينما رمى الجمار بعد الزوال من اليوم الثالث لأيام التشريق دفع من منى، ونزل الأبطح، وصلَّى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم نام نومة خفيفة، ثم ركب راحلته ومرَّ بالبيت، فطاف فيه طواف الوداع، ثم سافر عائدًا إلى المدينة.
والخلاف بينهم هل نزوله الأبطح -صلى الله عليه وسلم- على وجه القُربة والعبادة، فيتبع فيه، أم أنَّه فعله على أنه منزل واقع في طريقه، فارتاح فيه هذا الوقت، فيكون نزوله غير متعبد به، وليس فيه فضيلة؟
فذهب إلى القول بفضيلته الجمهور، قال في طرح التثريب: "هو قول الأئمة الأربعة، وتقدم أنَّ في صحيح مسلم، "عن أبي بكر، وعمر، وابنه أنَّهم كانوا يفعلون ذلك"، وحكى في شرح المهذب عن القاضي عياض أنَّه قال: النزول بالمحصب مستحب عند جميع العلماء، وأجمعوا على أنَّه ليس بواجب، وأجمعوا على أنَّه من تركه لا شيء عليه".
وذهب بعض العلماء إلى أنَّه ليس بسنة، قال في طرح التثريب: وأنكر التحصيب جماعة من السلف، فروى الشيخان عن ابن عباس قال: "ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
ومنهم عائشة كما في حديث الباب، ومن الذين لا يحصبون إذا حجوا طاووس، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير.
استدل الأولون بما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة "أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال حين أراد، أن ينفر من منى: "نحن نازلون غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر" وهذا المكان هو الذي تحالفت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، حتى يسلموا لهم رسلو الله -صلى الله عليه وسلم-، فقصد عليه الصلاة والسلام إظهار شعائر الإسلام، حيث أظهرت شعائر الكفر.
واستدل الآخرون بما جاء في صحيح مسلم عن أبي رافع قال: "لم يأمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أنزل بمن معي بالأبطح، ولكن أنا ضربت قبته، ثم جاء فنزل".
قال ابن القيم: فأنزل الله فيه تصديقًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة".
والقصد أنَّه ليس من واجبات الحج، وليس على تاركه شيء بإجماع العلماء، وله الحمد والمنة.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 682).
1 - ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب للحاج إذا فرغ من الرمي ونفر من منى أن يأتي المحصب، وينزل به، ويصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به ليلة الرابع عشر .
2 - ودلَّ حديث عائشة على عدم استحباب نزول المحصب والأبطح، وأن النبي ﷺ إنما فعل ذلك اتفاقًا، قال الحافظ: (لكن لما نزله النبي ﷺ كان النزول به مستحبًا اتباعًا له، ولتقريره على ذلك، وفعله الخلفاء بعده كما رواه مسلم عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح).