شرح مشكل الآثار (11/ 237-251).
باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان منه في الجمل الذي ابتاعه من جابر بن عبد الله في إطلاقه له ركوبه إلى المدينة: هل كان ذلك بشرط وقع البيع بينه وبينه عليه أم بخلاف ذلك؟.
حدثنا علي بن شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله: أنه كان يسير على جمل له فأعيى، فأدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما شأنك يا جابر؟» فقال: أعيى ناضحي يا رسول الله، قال: «أمعك شيء؟» فأعطاه عودًا أو قضيبا فنخسه به، أو قال: ضربه به، فسار سيرة لم يكن يسير مثلها، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبيعنيه بأوقية؟» فقلت: يا رسول الله، هو ناضحك، قال: فبعته بأوقية، واستثنيت حملانه حتى أقدم المدينة، فلما قدمت أتيته بالبعير، فقلت: هذا بعيرك يا رسول الله، قال: «لعلك ترى أني إنما ماكستك لأذهب ببعيرك، يا بلال أعطه من الغنيمة أوقية» وقال: «انطلق ببعيرك فهو لك»..
حدثنا إبراهيم بن أبي داود، حدثنا عمرو بن عون الواسطي، حدثنا هشيم، عن سيار، حدثنا يحيى بن عباد الأنصاري، عن جابر، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فتعجلت على بعير لي، فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم، فنخس بعيري، ثم ساومني فبعته إياه بسبع أواق أو تسع أواق ولي ظهره حتى أقدم، فلما قدمت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبعير، فدفعته إليه فنقدني، فلما خرجت إذا رسوله قد دعاني من خلفي، فقلت في نفسي: أراد أن أقيله، فلما دخلت عليه قال: «أظننتَ أنِّي أستَقِيلُكَ؟» ثم قال: «لك البعير انطَلِقْ به» فلما خرجت من عنده، استقبلني رجل من اليهود، فأخبرته، فقال: وزن لك السبع أواق، ورد عليك البعير؟ فعجب.
وحدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أتى علي نبي الله صلى الله عليه وسلم وأنا على بعير أعجف فأخذ بخِطامه، وبيده عود، فنخسه ودعا، أو قال: فدعا ونخسه، وقال: «اركبه» فركبته، فكنت أحبسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسمع حديثه، فأتى علي فقال: «أَتَبِيعُنِي جَمَلَكَ يا جابِرُ؟» قلت: نعم يا رسول الله، ولي ظهره، فقال: «وَلَكَ ظَهْرُهُ» فاشتراه مني بخمس أواق، فلما قدمت المدينة، أتيت عليه، فأعطاني الأواقي وزادني.
وحدثنا فهد، حدثنا عاصم بن علي بن عاصم، حدثنا شريك بن عبد الله، عن المغيرة، عن عامر، عن جابر، وابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «اشترى النبي صلى الله عليه وسلم مني بعيرًا».
قال أبو جعفر: سقط من كتابي «مني» «على أن لي ظهره سفره، أو سفري ذلك، ثم حملني عليه» فقال قائل: ففي هذا الحديث اشتراط رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر ركوب ذلك البعير الذي ابتاعه منه إلى أهله، وعقد البيع بينه وبينه على ذلك، فأجاز بذلك، وفرع البيع على مثل هذا الشرط، واحتج فيه بهذه الآثار. فتأملنا هذا الحديث لنقف على إيجابه ذلك كما قال أم لا.
فوجدنا فهدا قد حدثنا، قال: حدثنا معلى بن أسد، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فتخلف ناضحي، فجعلت أركبه، لا يكاد يتحرك، فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفي، وقال: «مَنْ هذا المُتخَلِّف عن الناس؟» فقلت: جابر، قال: «ما خَلَّفَكَ؟» قلت: ناضحي هذا أركبه لا يكاد يتحرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَمَعَكَ شَيء؟» قلت: نعم، فناولته عودًا كان معي، فنخَسَه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «اركب، فسم الله» فركبته، فوالذي بعثه بالحق، لقد رأيتني أكفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «يا جابر، أتبيعني ناضحك هذا إذا قدمنا المدينة بدينار، والله يغفر لك؟» قلت: يا رسول الله، إذا قدمنا المدينة فهو ناضحك قال: «فبِعْنِيه بدينارَينِ، والله يغفر لك»، فما زال يزيدني ويقول مع كل دينار: «يَغفِرُ الله لك» حتى بلغ عشرين دينارًا، فلما قدمنا المدينة، جئت بالناضح أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: هذا ناضحك يا رسول الله، فقال: «يا بلال، أعطه عشرين دينارًا».
ووجدنا يزيد بن سنان حدثنا، قال: حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعيي جملي، فتخلَّفتُ عليه أسوقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلَّف لحاجة له، فلحقني، فقال: «مَا لَكَ مُتَخَلِّفًا؟» قلت: لا يا رسول الله، إلا أن جملي ظلع علي، فأردت أن ألحقه بالقوم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنبه، فضربه، ثم زجره، وقال: «اركب» قال: فلقد رأيتني يعدو بي، قال: ثم قال لي: «بِعْنِي جملَكَ» قلت: لا، بل هو لك، قال: «لا، بل بِعْنِيه» قلت: لا، بل هو لك، قال: «لا، بَلْ بِعْنِيه» قلت: فإن لرجل علي أوقية من ذهب، فهو لك بها، قال: «قد أخذته» قال: «فتبَلَّغ عليه إلى المدينة»، فلما قدمت المدينة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: «أعطه أوقية من ذهب، وزده» فأعطاني أوقية من ذهب، وأعطاني قيراطين، قلت: لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرة.
قال أبو جعفر: ففي هذين الحديثين غير ما في الأحاديث الأول، وفي الأول منهما من قول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: «أتبِيعُني ناضحك هذا إذا قدمنا المدينة؟» وفي الثاني ابتياعه إياه منه بلا شرط كان بينهما في ذلك الابتياع، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لجابر: «تبلَّغ عليه إلى المدينة» تفضُّلًا منه عليه، وهذان المعنيان خلاف المعاني الأول التي في الأحاديث التي ذكرناها في هذا الباب، وليس رواة هذين الحديثين بدون رواة الأحاديث الأول في المقدار في العلم، ولا في الضبط ولا في المقادير عند أهله، فإذا تكافأت الروايات في ذلك ارتفعت، ولم يكن بعضها أولى أن يحمل عليه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بما روي عنه في غيرها، فخرج بحمد الله أن يكون في هذا الحديث ما يوجب جواز البيع بهذا الشرط، ووافق ما قد رويناه، عن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وزينب زوجة عبد الله بن مسعود في النهي عن البيع بالشرط فيه ما ليس منه، وقد وافق ذلك أيضًا ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نهيه عن بيع وسلف.
كما حدثنا نصر بن مرزوق، حدثنا الخصيب، أخبرنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وسلَف، وعن شَرْطَينِ في بيعة».
وكما حدثنا إبراهيم بن أبي داود، حدثنا مسدد، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَحِلُّ سلَفٌ وبَيعٌ، ولا شرطان في بيع»..
وكما حدثنا يونس، أخبرني عبد الله بن نافع المديني، عن داود بن قيس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وسلف».
قال أبو جعفر: فدلَّ ذلك على أن هذه الأشياء التي ليست من البياعات إذا كانت فيها أفسدتها، والله الموفق.