توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 219).
1- الحديث دليل على ما في الإسلام من حثٍّ؛ على الحركة والعمل، وطلب المكاسب الطيبة، وأنَّه دين ودولة، فكما يأمر العبد بالقيام بحق الله تعالى عليه، يأمره أيضًا بطلب الرزق والسعي في الأرض؛ لعمارتها واستثمارها، قال تعالى: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ } [الملك: 15].
2- يدل على أنَّ التجارة من أطيب المكاسب، إذا سلمت من العقود المحرَّمة، كالربا، والغرر، والخداع، والتدليس، ونحو ذلك من أكل أموال الناس بالباطل.
3- يدل الحديث على أنَّ البر كما يكون في العبادات، يكونُ أيضًا في المعاملات، فإذا نصَحَ المسلم في بيعه، وشرائه، وصناعته، وعمله، وحرفته، فإنَّ عمله هذا من البر والإحسان، الذي يُثاب عليه في الدنيا والآخرة.
4- يدل على أنَّ أي عمل يقوم به المسلم ليعِفَّ به نفسه، ويستغني به عمَّا في أيدي النَّاس أنَّه من المكاسب الطيبة، وكل إنسانٍ مُهَيَّأ لِمَا يناسبه من الأعمال، والحِرَف، والصناعات.
5- عدم تخصيص الشارع وتعيينه عملًا بعينه دليل على قصد تنفيذ الإرادة الكونية في عمَارة هذا الكون، وذلك بأن يقوم كل إنسان، وكل طائفة بالعمل الذي لا تقوم به الطائفة الأخرى، فالله تبارك وتعالى: { أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } [طه: 50].
6- الرجل في الحديث ليس مقصودًا، وإنما سِيقَ مساق الغالب، فإنَّ الرجال غالبًا هم أصحاب الكسب والإنفاق.
7- خلاف العلماء:
اختلف العلماء في تعيين أطيب المكاسب وأحسنها.
فقال الماوردي: أطيبها الزراعة؛ لأنَّها أقرب إلى التوكل.
وقال النووي: أطيب المكاسب عمل الإنسان بيده، فإن كان زراعة فهو أطيب المكاسب؛ لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي والدواب والطير.
وقال الحافظ ابن حجر: أفضل المكاسب من أموال الكفار بالجهاد، فهو مكسب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: اختلف العلماء: أيُّ المكاسب الدنيوية أولى، فمنهم من فضَّل الزراعة، ومنهم من فضَّل التجارة، ومنهم من فضَّل العمل باليد من الصنائع والحِرف.
وأحسن ما يقال في هذا الباب: أنَّ الأفضل لكل أحد ما يناسب حاله، ولابدَّ في جميع المكاسب من النصح وعدم الغش، والقيام بالواجب من جميع الوجوه.
قال ابن مفلح في "الأداب الشرعية" ما خلاصته:
يُسَنُّ التكسُّب حتى مع الكفاية، كما يباح كسب الحلال لزيادة المال والجاه، والترفه، والتنعم، والتوسعة على العيال، مع سلامة الدين، والعرض، والمروءة، وبراءة الذمة.
ويجب ذلك على من لا قوت له، ولمن تلزمه نفقته، ويقدم الكسب العياله لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كفى بالمَرءِ إثمًا أن يَحبِسَ عمن يملك قُوتَه». [رواه مسلم (996)].
قال القاضي: الكسب الذي لا يُقصَد به التكاثر، وإنما يُقصَد به التوسل إلى طاعة الله، من صلة الإخوان، أو التعفُّف عن وجوه الناس، فهو أفضل لما فيه من منفعة غيره ومنفعة نفسه، وهو أفضل من التفرغ لنوافل العبادات، لما فيه من منافع الناس، وخيرُ الناس أنفعهم للناس.
وجوازه أمر مجمع عليه، و جاء التنصيص في القرآن على ذلك، فقال الله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } [البقرة: 275].
2- ودل الحديث على أن أفضل المكاسب عمل الرجل بيده والبيع المبرور، وكذا جاء في صحيح البخاري (2072) أنّ النبي ﷺ قال: «ما أكَلَ أحَدٌ طعامًا قَطُّ خَيْرٌ مِن أنْ يأكُلَ مِنْ عمَلِ يَدِهِ».
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام(2/ 7).
1 - في الحديث دليل على جواز البيع، وجوازه أمر مجمع عليه، و جاء التنصيص في القرآن على ذلك، فقال الله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275].
2- ودل الحديث على أن أفضل المكاسب عمل الرجل بيده والبيع المبرور، وكذا جاء في صحيح البخاري (2072) أنّ النبي ﷺ قال: «ما أكَلَ أحَدٌ طعامًا قَطُّ خَيْرٌ مِن أنْ يأكُلَ مِنْ عمَلِ يَدِهِ».