الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (5/ 428).
فيه استحباب الاعتكاف وتأكده حيث واظب عليه حتى توفي -صلى الله عليه وسلم-، والإِجماع قائم على استحبابه، وأنه غير واجب، وأنه متأكد في العشر الأواخر من رمضان، لأنه خاتمة الصيام، ولعله يصادف ليلة القدر، وقد أشعر تأكداً استحبابه بقولها: "ثم اعتكف أزواجه، بعده"، وبقولها في: "كل رمضان".
الثاني: فيه استواء الرجل والمرأة في شرعية الاعتكاف، نعم إن كانت مزوجة فلا يجوز إلَاّ بإذن الزوج بالإِجماع، فلو أذن لها ثم منعها.
فقال الشافعي وأحمد وداود: له ذلك في زوجته وأمته في اعتكاف التطوع وإخراجهما منه. ومنعها مالك إذا دخلا فيه، وجوزه أبو حنيفة في الأمة دون الزوجة.
الثالث: فيه أن الاعتكاف لا يصح إلَاّ في المسجد، وأن كونه فيه شرط لصحته حيث اعتكف -عليه الصلاة والسلام- وأزواجه فيه مع المشقة في ملازمته، ومخالفة العادة في الاختلاط بالناس لا سيما النساء، فلو جاز الاعتكاف في البيوت لما خولف المقتضى لعدم الاختلاط بالناس في المسجد، وتحمل المشقة في الخروج لعوارض الخلقة، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود والجمهور.
وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيىء للصلاة دون الرجل. وهو قول قديم للشافعي، ونقله البندينجي عن الجديد، وجوزه بعض أصحاب مالك وأصحاب الشافعي للرجل أيضاً، الاعتكاف تطوع، وتطوعه في البيت أفضل، والآية الآتية رادة لذلك ونقل أبو عمر: عن أبي حنيفة أن لها أن تعتكف مع زوجها في المسجد كما تسافر معه.
وقال ابن علية: لا يجوز اعتكافها في المسجد لقوله -عليه الصلاة والسلام- لأزواجه لما أردن الاعتكاف فيه: "آلبر تردن" أي ليس هذا ببر ثم اختلف المشترطون للمسجد العام.
فقال مالك والشافعي وجمهورهم: يصح الاعتكاف في كل مسجد لظاهر قوله -تعالى-: .
وقال أحمد: يختص بالمسجد الذي تقام فيه الجماعة الراتبة.
وقال أبو حنيفة: يختص بمسجد تصلي فيه الصلوات كلها.
وقال الزهري: يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة، وأومأ الشافعي في القديم إلى اشتراطه.
وشذ سعيد بن المسيب فقال: لا يصح الاعتكاف إلَاّ في مسجد المدينة.
وقال حذيفة بن اليمان الصحابي: لا تصح إلَاّ في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والأقصى.
الرابع: فيه أن الاعتكاف لا يكره في وقت من الأوقات، وأجمع العلماء على أن لا حد لأكثره [نعم قال القاضى: استحب أن يكون أكثره عشرة أيام اقتداء به -صلى الله عليه وسلم- قلت، واختلفوا في أقله.
فقال الشافعي وجمهور أصحابه وموافقوهم: أقله لبث قدر يسمى عكوفاً في المسجد، وهو زائد على الطمأنينة في أركان الصلاة، ولأصحابنا أوجه أُخر في قدره، وقد أوضحتها في شرح المنهاج وغيره، فإنه محله.
وفي"تهذيب المالكية" قال ابن القاسم: بلغني أن مالكاً قال: أقل الاعتكاف يوم وليلة، فسألته فقال: أقله عشرة أيام، وذلك رأي لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينقص من هذا.
وقال مالك: في "العتبية" في اعتكاف يومين ما أعرف هذا، من اعتكاف الناس.
قال ابن القاسم: وسئل عنه قبل ذلك فلم ير به بأساً وأنا لست أرى به بأساً، لأن الحديث جاء أقل الاعتكاف يوم وليلة.
قلت: هذا الحديث لا يعرف.
قال أبو عمر، وروى ابن وهب عن مالك أن أقله ثلاثة أيام.
وقال القاضي عن مالك: في أقله روايتان يوم وليلة وعشرة أيام، وذلك فيمن نذر اعتكافاً مبهماً.
عمدة القاري للعيني (11/ 143).
فِيه: اسْتِحْبَاب الِاعْتِكَاف فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من شهر رَمَضَان، وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ اسْتِحْبَابا مؤكدا فِي حق الرِّجَال، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي النِّسَاء، قَالَ النَّوَوِيّ: وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل لصِحَّة اعْتِكَاف النِّسَاء، لِأَنَّهُ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- كَانَ أذن لَهُنَّ، وَلَكِن عِنْد أبي حنيفَة: إِنَّمَا يَصح اعْتِكَاف الْمَرْأَة فِي مَسْجِد بَيتهَا، وَهُوَ الْموضع المهيأ لَهَا فِي بَيتهَا لصلاتها. قَالَ: وَلَا يجوز للرجل فِي مَسْجِد بَيته، وَمذهب أبي حنيفَة قَول قديم للشَّافِعِيّ ضَعِيف عِنْد أَصْحَابه.
سبل السلام للصنعاني (1/ 593).
كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (4/ 53).
في هذا الحديث: دليلٌ على استحباب الاعتكاف، وأنه لم يُنسخ، ولا سيما في رمضان، وخصوصًا في العشر الأواخر.
وفيه: تأكيدُ الاستحباب بما أشعر به اللفظُ من المداومة، وبما صرَّحَ به في الرواية الأخرى من قولها: في كل رمضان. وبما دل عليه من عمل أزواجه من بعده: قولها: ثم اعتكف أزواجُه -صلى اللَّه عليه وسلم- من بعده.
وكان -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أَذِنَ لأزواجه في الاعتكاف، وأما إنكارُه عليهنَّ الاعتكاف بعدَ الإذن؛ كما في الصحيح، فلمعنى آخر؛ قيل: خاف أن يَكُنَّ غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردنَ القربَ منه؛ لغيرتهنَّ عليه، أو ذهابَ المقصود من الاعتكاف بكونهنَّ معه في المعتَكَف، أو لتضييقهنَّ المسجدَ بأبنيتهنَّ.
وعند الإمام أبي حنيفة: إنما يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو الموضع المهيأ في بيتها لصلاتها.
وكان -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أَذِنَ لأزواجه في الاعتكاف، وأما إنكارُه عليهنَّ الاعتكاف بعدَ الإذن؛ كما في الصحيح، فلمعنى آخر؛ قيل: خاف أن يَكُنَّ غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردنَ القربَ منه؛ لغيرتهنَّ عليه، أو ذهابَ المقصود من الاعتكاف بكونهنَّ معه في المعتَكَف، أو لتضييقهنَّ المسجدَ بأبنيتهنَّ.
وعند الإمام أبي حنيفة: إنما يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو الموضع المهيأ في بيتها لصلاتها.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (3/ 575).
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 600)
1- في حديث عائشة وغيره استحباب الاعتكاف وتأكُّده؛ حيث واظب عليه حتى توفي ﷺ، والإجماع قائم على استحبابه، وأنه غير واجب، وأنه متأكد في العشـر الأواخر من رمضان، لأنه خاتمة الصيام، ولعله يصادف ليلة القدر.
2- وفيه دليل على مشروعية الاعتكاف للنساء، سواء العجوز منهن والشابة، وهو قول الجمهور.
3- إن كانت المرأة متزوجة فلا يجوز لها الاعتكاف إلا بإذن الزوج بالإجماع.
4- لا يكره الاعتكاف في وقت من الأوقات، وأجمع العلماء على أن لا حد لأكثره، واختلفوا في أقله، فقال الشافعي وجمهور أصحابه: أقله لبث قدر يسمى عكوفًا في المسجد، وقال الحنفية والحنابلة: أقله ساعة من ليل أو نهار، واختلف المالكية في أقل المكث في المسجد فقال بعضهم: أقله يوم وليلة، وقال آخرون: أقله يوم فما فوقه إذا كان دخوله في الاعتكاف مع الفجر.