شرح السنة للبغوي (7/ 23)
قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ لَهُ حَجٌّ مِنْ نَاحِيَةِ الْفَضِيلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُحْسَبْ عَنِ الْفَرْضِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّهُ لَا حَجَّ لِلصَّبِيِّ، وَالسُّنَّةُ أَوْلَى مَا اتُّبِعَ.
وَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: حُجَّ بِي مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ عَقْلَ مِثْلِهِ يُحْرِمُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْقِلُ عَقْلَ مثْلِهِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَيُجَرَّدُ، وَيُمْنَعُ الطِّيبُ، وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْكَبِيرُ.
ثُمَّ إِنْ لَمْ يَطِقِ الْمَشْيَ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولا، وَكَذَلِكَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيَرْمِي عَنْهُ وَلِيُّهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بِنَفْسِهِ.
وَحُكْمُ الْمَجْنُونِ حُكْمُ الصَّبِيِّ.
وَإِذَا ارْتَكَبَ الصَّبِيُّ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ، تَجِبُ الْفِدْيَةُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ أَحْرَمَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ وَلِيُّهُ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّهَا تَجِبُ فِي مَالِ الْوَلِيِّ، أَوْ فِي مَالِ الصَّبِيِّ.
وَلَوْ حَجَّ صَبِيٌّ، ثُمَّ بَلَغَ، لَا يَكُونُ حَجُّهُ مَحْسُوبًا عَنْ فَرْضِ الإِسْلامِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إِذَا حَجَّ، ثُمَّ عُتِقَ، فَلَوْ بَلَغَ، أَوْ عُتِقَ بَعْدَ الإِحْرَامِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ، يُحْسَبُ عَنْ فَرْضِ الإِسْلامِ.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 20- 22)
1- صحة حج الصغير والصغيرة، سواء كانا مميزين، أو دون سن التمييز.
2- أنَّ ثواب الحج للصغير لا لوليه، ولا لغيره من أقاربه، لكن لوليه الذي تسبب في نسكه أجر على ذلك.
3- حجة من دون البلوغ لا تجزيه عن حجة الإسلام، فإنَّ معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للمرأة: نعم، أي: يصح منه الحج. وإن كان طفلًا لا يميز، كما هو ظاهر السياق بقوله: "فرفعت إليه امرأة صبيًا"، وهذا الإجمال في كلمة "حج" مبيَّن بحديث "أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى" [رواه البيهقي (9629)]. أي له الأجر في التطوع بالحج قبل البلوغ، وعليه ركن الحج -وجوبًا- بعد البلوغ.
فقد أجمع العلماء على أنَّه لا يجزئه -إذا بلغ- عن حجة الإسلام.
قال الطحاوي: "لا حُجة في قوله "نعم" على أنَّه يجزئه عن حجة الإسلام، بل فيه حُجة على من زعم أنّه لا حجَّ له".
4- ما دام أنَّ الشارع أجاز حج الصغير فإنَّه يريد منه أن يأتي به على الوجه المشروع، فتشمله أحكام حج الكبير إلاَّ ما أخرجه الدّليل، فحيئذٍ يكون على وليه أن يتبع ما يأتي:
أ- إن كان دون التمييز أن ينوي عنه الإحرام، ويصير -بذلك- الصغير محرمًا.
ب- إن كان مميزًا أمره وليه أن يحرم، لأنه لا ينعقد الإحرام من الصغير المميز إلاَّ بإذن وليه؛ لأنَّه تصرف فيه شائبة مالية، فلا يكون إلاَّ بإذن الولي.
ج- إنَّ كان ذكرًا تجنب ما يتجنبه الذكور في الإحرام، وإن كان أنثى تجنبت ما يجتنبه النساء في الإحرام.
د- إن كانا مميزين فعليهما الطهارة من الحدث والنجاسة للطواف، وإن كانا دون التمييز، فينبغي لوليهما أن يطهر أبدانهما وثيابهما من النجاسة حين الطواف.
5- ولي الصغيرين هو القائم بشؤونهما ومصالحهما، من أب أو أم، أو غيرهما، فلا تُخص الولاية بالرجال، كما هو ظاهر الحديث.
6- يفعل الولي عنهما ما يعجزان عنه كالرمي ونحوه، لما روى الترمذي (849) عن جابر قال: "كنَّا حججنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكنَّا نرمي عن الصغار".
أما ما يقدر عليه الصغير فيأتي به بنفسه، كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والطواف والسعي.
7- إذا كان الصغير المحمول في الطواف والسعي مميزًا، فإنَّه ينوي عن نفسه وحامله الطائف أو الساعي ينوي عن نفسه، ولكل منهما نية خاصة بنفسه، وأما إذا كان دون التمييز والناوي عنه حامله، فظاهر هذا الحديث إجزاء ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر المرأة التي سألته أن تطوف له وحده ولها وحدها، ولو كان واجبًا لبيَّنه، ولكن خروجًا من الخلاف، ومن باب الاحتياط، ولحديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" [رواه الترمذي (2442)]، فالأفضل أن يكون حامله قد طاف وسعى لنفسه، حين حمل من هو دون التمييز.
8 - فيه قبول العبادة من الصغار وإثابتهم عليها، وفيه تدريب وتمرين على طاعة الله تعالى، التي هي سعادة الدنيا والآخرة، ولله في أمره أسرار.
9 - استحباب التعارف والتآلف بين المسلمين، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من القوم؟ " فقالوا: فمن أنت؟ قال: "رسول الله".
والتعارف والتواصل من أهداف الحج ومقاصده، التي أشار إليه القرآن الكريم بقوله: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) [الحج: 28].
10- فيه أنَّ صوت المرأة ليس بعورة، ما لم تلينه وترققه، كما قال تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32)) [الأحزاب] وإنَّ سماعه من الرجال جائز للحاجة إذا لم يقصد الرجل التلذذ بسماع صوتها.
11- حج الفرض عن الميت يجزيء عنه، ولو بغير إذن وارث؛ لأنَّ النَبيَّ -صلى الله عليه وسلم- شبَّهه بالدين.
أما الحي فلا يسقط عنه الحج إلاَّ بإذنه، ولو معذورًا، كدفع الزَّكاة عنه؛ لأنَّ هذه عبادات لا تصح إلاَّ بنيَّة.
بخلاف الدَّين فإنَّه يصح القضاء عنه بلا إذنه، لأنَّه ليس عبادة، ولو حجَّ أو اعتمر نفلًا، ونوى ثوابه لميت أو حي صحَّ، وأجزأ، ولو بلا إذن المحجوج عنه، والمعتمر عنه.
فتح المنعم شرح صحيح مسلم (5/ 385)
احتج بظاهر هذا الحديث داود وأصحابه من الظاهرية وطائفة من أهل الحديث على أن الصبي إذا حج قبل بلوغه كفى ذلك عن حجة الإسلام وليس عليه أن يحج حجة أخرى وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وعامة العلماء وحجة الصبي لا تجزئ عن حجة الإسلام، وعليه بعد بلوغه حجة أخرى، ويستدل لهم بحديث رفع القلم عن ثلاثة ... وفيه وعن الصبي حتى يبلغ فإذا ثبت أن القلم مرفوع عنه كان الحج غير مكتوب عليه، ويكتب عليه بعد بلوغه، كما أنه إذا صلى فرضاً ثم بلغ بعد ذلك لا يسقط هذا الذي أداه عن الفروض التي تجب عليه بالبلوغ، ثم إن هذا الحديث ليس فيه إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن له حجاً، وليس فيه ما يدل على أن حجه يسقط حج الفريضة.
ثم اختلف العلماء: هل ينعقد حج الصبي أولاً؟ فقال مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء حجه منعقد صحيح يثاب عليه، ويقع تطوعاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له حجاً، وقال أبو حنيفة لا يصح حجه، قال أصحابه إنما فعلوه تمريناً له ليعتاده فيفعله إذا بلغ.
قال النووي: وهذا الحديث يرد عليهم. قال القاضي: لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من أهل البدع، ولا يلتفت إلى قولهم، بل هو مردود بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإجماع الأمة، وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه، وتجري عليه أحكام الحج؟ وتجب فيه الفدية ودم الجبران وسائر أحكام البالغ؟ فأبو حنيفة يمنع ذلك كله، ويقول إنما يجب ذلك تمريناً على سبيل التعليم، والجمهور يقولون تجري عليه أحكام الحج في ذلك، ويقولون حجه منعقد.
قال النووي: وأما الولي الذي يحرم عن الصبي فالصحيح عند أصحابنا أنه الذي يلي ماله، وهو أبوه أو جده، أو الوصي، أو القيم من جهة القاضي، أو القاضي، أو الإمام، وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه إلا أن تكون وصية أو قيمة من جهة القاضي، وقيل إنه يصح إحرامها وإحرام العصبة، وإن لم يكن لهم ولاية المال. هذا كله إذا كان صغيراً لا يميز، فإن كان مميزاً أذن له الولي فأحرم، فلو أحرم بغير إذن الولي، أو أحرم الولي عنه لم ينعقد على الأصح، وصفة إحرام الولي عن غير المميز أن يقول بقلبه جعلته محرماً.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 615، 617).
1 - تنقسم شروط وجوب الحج بحسب الأحاديث السابقة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شروط وجوب وصحة، وهما شرطان: الإسلام، والعقل، فلا يجب أداء الحج على كافر -مع أنه مخاطب به ومحاسب عليه- ولا على مجنون، ولا يصح منهما.
القسم الثاني: شروط وجوب وإجزاء، وهما شرطان أيضا: البلوغ، والحرية، وليسا شرطين للصحة، فلو حج الصبي والعبد صَحَّ حجهما، ولكن لم يجزئهما عن حجة الإسلام.
القسم الثالث: شرط وجوب فقط، يعني ليس شرطًا في الصحة، ولا شرطًا في الإجزاء، ويندرج تحته:
أ - الزوج أو المحرم للمرأة: يشترط أن يصحب المرأة في سفر الحج زوجها أو محرم منها، إذا كانت المسافة بينها وبين مكة ثلاثة أيام، وهي مسيرة القصر في السفر، وإلى هذا ذهب الحنفية والحنابلة، وتوسع الشافعية والمالكية فسوغوا الاستبدال بالمحرم، إن وجدت المرأة نسوة ثقات، أو رفقة مأمونة، واختار شيخ الإسلام جواز سفر المرأة لحج الفريضة دون محرم -إن عُدم- إذا أمنت على نفسها، وقال: وهذا متوجه في سفر كل طاعة.
ب - الاستطاعة وهي أربع خصال: القدرة على الزاد وآلة الركوب، وصحة البدن، وأمن الطريق، وإمكان السير فغير المستطيع لا يجب عليه الحج، وإذا تكلف الحج، فإنه يصح منه، ويجزئ عنه.
2- وفي حديثه الخامس دليل على أنه لا يجب الحج على الصبي، ولكنه يصح منه، ولا يجزئه عن حجة الإسلام، ولا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان.