شرح صحيح البخارى لابن بطال (4/ 199)
اختلف العلماء فى ميقات أهل العراق، فقال مالك والكوفيون، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: ميقاتهم ذات عرق، وقالت طائفة: ميقاتهم العقيق، روى ذلك عن أنس بن مالك، واستحبه الشافعى. قال ابن المنذر: والإحرام من العقيق أفضل، ومن ذات عرق يجزئ، وكان القاسم بن عبد الرحمن، وخصيف يحرمان من الربذة، وهو قول الحسن بن صالح، ولولا سنة عمر لكان هذا أشبه بالنظر؛ لأن المعنى عندهم فى ذات عرق أنه بإزاء قرن، والربذة بإزاء ذى الحليفة، غير أن عمر لما سن ذات عرق وتبعه عليه من حج من أهل العراق، فمر بذلك العمل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتابعين وعوام أهل العلم إلى اليوم كان أولى بالاتباع.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 47- 55)
1- تحديد هذه الأمكنة المذكورة مواقيت مكانية للنسك، فلا يحل تجاوزها بدون إحرام، لمن يريد الحج أو العمرة.
2- قال الفقهاء -رحمهم الله-: وكُرِه إحرامٌ قبل الميقات، الذي وقَّته الشارع؛ لموافقته الأحاديث الصحيحة، ولفعله -صلى الله عليه وسلم-. روى الحسن أنَّ عمران بن حصين أحرم من مصر، فبلغ عمر خَبَرَهُ فغضب، وقال: يتسامع الناس أنَّ رجلًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحرم في مصره.
3- يكره أن يحرم قبل أشهر الحج، قال في الشرح: بغير خلاف علمناه؛ لقوله تعالى: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } [البقرة: 197].
ولقول ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلاَّ في أشهر الحج، [رواه البخاري معلقًا]. وينعقد الإحرام قبل الميقات الزماني والمكاني.
4 - أنَّ ذات عِرق مَهل أهل المشرق، ومن جاء معه، قال الإمام الشافعي في "الأم": "أجمع عليه الناس".
5- الذي لا يمر من ميقات يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، واعتبار المحاذاة أصلٌ بنى عليه عمر -رضي الله عنه- حين قرَّر ذات عرق ميقاتًا لأهل العراق، والعلماء اتَّفقوا على هذا الأصل.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن ميقات "ذات عرق": رقم (177):
توصلت اللجنة إلى الحقائق التالية:
1 - أنَّ "عرقا" قمة جبل مرتفع، ولونه متميز عن بقية الجبل، بلون إلى السواد أقرب، واقع على كامل قمة الجبل، وهذا الجبل مرتفع عما حوله، ممتد من الشرق إلى الغرب بطول ألفي متر تقريبًا، يحده من الشرق وادي "الحنو"، ومن الغرب وادي "العصلاء الشرقية" وهذا الجبل هو الحد الجنوبي للميقات.
2 - أن ميقات "ذات عرق" ريع بين جبلين، فيه مجرى سيل كبير، متجه من الشرق إِلى الغرب، يدعى "وادي الضريبة" يتسع هذا الريع في بعض نواحيه، ويضيق في نواحي أخرى، بين مائتي متر، وخمسمائة متر، وطوله من الشرق إِلى الغرب ألفا متر تقريبًا.
ويطلق عليه اسم "الطرفاء"، وفي منتصفه بئر قديمة فيها ماء تسمى "الخضراء"، يحرم عندها من يريد الإحرام من أهل البلد، أو من يمر بها ممن هم حولها، حسب إفادة المرافقين للجنة من أهل المنطقة، وفي هذا المحدود توجد آثار خرائب، وأساسات مباني قديمة، لم يبق منها إلاَّ ما هو ملاصق للأرض، وفي غربيه شمال مجرى الوادي آثار مقبرة قديمة، وتغطي أشجار السلم والطلح والسمر عامة أرض الميقات.
حدود الميقات: أما حدود هذا الميقات كما وَضُحَ للجنة:
فيحده من الشرق ملتقا وادي "الحنو"، مع وادي "أنخل" عند مصبهما، ليتكون منهما وادي "الضريبة"، وعند ملتقى هذين الواديين يبتديء العرق المنسوب إليه هذا الميقات، ويوجد في هذا الحد ثلاث نصائب:
إحداها في جنوبيه في سفح العرق المذكور عند ابتدائه من الشرق، حيث مجرى وادي "الحنو".
والثانية: فوق ملتقى وادي الحنو، ووادي أنخل، في المثلث الفاصل بينهما قبيل التقائهما.
والثالثة: في سفح الجبل الشمالي المقابل لجبل "عرق" من الشمال.
وهذه العلامات الثلاث ذكر المرافقون من أهل تلك الجهة أنَّها وضعت منذ حوالي ثلاثين سنة، من قبل لجنة خرجت من مكة بقصد تحديد الميقات، ومَنْع التعدي عليه.
ويحده من الغرب وادي "العصلاء الشرقية"، المتجه من الجنوب إلى الشمال حيث يصب سيله في وادي الضريبة، ويمتد الحد الغربي شمالًا على مسامته وادي العصلاء، حتى يصل إلى الجبل المقابل، من الناحية الشمالية، ويوجد مجرى سيل متجه من الجنوب إلى الشمال، موازٍ للعصلاء الشرقية من الغرب، يدعي "العصلاء الغربية" وبينهما حوالي خمسمائة متر، ويصب سيله في وادي الضريبة، وقد وضعت نصائب من قبل اللجنة السابقة في الضفة الشرقية للعصلاء الغربية، وقال المرافقون: إنَّ هذا متجاوز للحد، وإنما وضعت هذه الأنصاب لتكون حمى للميقات، إذ أنَّ حد الميقات من الغرب هو العصلاء الشرقية، كما أوضحناه آنفًا، لوجود الآثار شرقيها، ولأنَّ العرق المنسوب إليه هذا الميقات ينتهي عند هذا الحد، ونوصي بأن يبقى ما بين العصلاء الشرقية والعصلاء الغربية حمى للميقات، كما وضعته اللجنة السابقة، ولا يسمح لأحد بإحيائه أو تملكه، لئلا يضيق الميقات بالتعدي على حدوده.
ويحد الميقات من الجنوب قمة جبل عرق، ابتداءً من طرفه الشرقي عند مجرى واد الحنو إلى طرفه الغربي حيث ينتهي بمجرى العصلاء الشرقية.
ويحده من الشمال الجبال المتصلة الواقعة شمال وادي الضريبة، من مصب وادي أنخل في وادي الضريبة شرقًا، حتى ملتقى وادي الضريبة بوادي العصلاء الشرقية غربًا.
وطول الميقات شرقًا وغربًا ألفا متر، تقريبًا، وهو طول العرق المذكور، وعرض الميقات يختلف باختلاف ما بين الجبلين ضيقًا واتِّساعًا، ويتراوح ذلك ما بين مائتي متر وخمسمائة متر، كما سبقت الإشارة إليه.
أما موقع إقامة مسجد الميقات ومرافقه، فترى اللجنة أن يقام في المتسع الواقع شمال شرق بئر "الخضراء" لتوسطه، ولأن جميع من سألناهم أجمعوا على أنَّ الإحرام في الماضي والحاضر هو قرب هذه البئر، التي يوجد حولها بقية الآبار المندفنة، والغرف المتهدمة، والمقابر في سفوح الجبال الشمالية الغربية مما يلي وادي الضريبة.
هذا ما توصلت إليه اللجنة فيما يتعلَّق بميقات "ذات عرق"، ونسأل الله إصابة الحق في القول والعمل، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 621- 622).
1- المواقيت المكانية يحرم أن يتجاوزها المسلم دون إحرام إذا كان قاصدًا مكة يريد حجًّا أو عمرة، سواء كان مروره عليها عن طريق البر، أو البحر، أو الجو.
2- هذا التوقيت متفق عليه لأرباب هذه الأماكن، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على وجوب الدم على مجاوزها، ودليل الجمهور مأخوذ من غير هذا الحديث إذ ليس في لفظه ما يشعر به.