الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (6/ 23)
قوله: "ممن أراد الحج والعمرة" استنبط منه بعضهم أن الحج على التراخي لقوله: "ممن أراد" لأن من مر بهذه المواقيت لا يريد حجاً ولا عمرة يدخل تحته من لم يحج فيقتضي اللفظ أنه لا يلزمه الإِحرام من حيث المفهوم ولو وجب على الفور للزمه أراد الحج أو لم يرده،
ومذهب الشافعي: أنه على التراخي عند الاستطاعة إلاَّ أن ينتهي إلى حال يظن فواته لو أخره عنها، ووافقه أبو يوسف وطائفة وهو مذهب المغاربة.
ومذهب أبي حنيفة وأحمد: أنه على الفور وهو مذهب العراقيين من المالكية.
ومن قال بالفورية قال: معنى الإِرادة هنا النية لا التخيير وأنها قد تأتي للوجوب.
واستدل من قال بالتراخي: بأن فريضة الحج كانت سنة خمس أو ست أو ثمان من الهجرة على أقوال في ذلك ولم يحج -صلى الله عليه وسلم- إلاَّ في سنة عشر فلو كان واجباً على الفور لم يؤخره وأبعد من قال إنه فرض سنة عشر حكاه القرطبي وحكى قولاً آخر: أنه فرض سنة سبع ونقل أن قوله تعالى: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } [آل عمران: 97] نزلت سنة ثلاث عام أحُد وقوله تعالى: { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } [الحج: 27] مكية.
قوله: "حتى أهل مكة من مكة" مقتضاه أن أهل مكة يحرمون منها وهو مخصوص بالإِحرام بالحج وميقاته نفس مكة على الصحيح عند الشافعية.
وقيل: كل الحرم وظاهر الحديث يخالفه والأفضل أن يحرم من باب داره.
وقيل: من المسجد تحت الميزاب.
وعبارة ابن الحاجب من المالكية: في تعيين المسجد الحرام قولان.
قال بعض شيوخ المالكية: ممن أدركناه وأظن هذا على الأولوية لا على الوجوب إذ لا دليل عليه.
أما الإِحرام بالعمرة فإنه من أدنى الحل كما فعل -عليه الصلاة والسلام- بعائشة -رضي الله عنها- ليلة النفر فإنه بعثها مع أخيها عبد الرحمن ليحرما من التنعيم ويدخل في أهل مكة من بمكة ممن ليس من أهلها.
- في الحديث دلالة أيضاً على جواز إطلاق الميقات على الأمكنة وإن كان أصله في الأزمنة ولهذا قال الفقهاء: للحج والعمرة ميقاتان زماني ومكاني وبينوا كل واحد منهما.
سبل السلام للصنعاني (1/ 612)
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قَوْلُهُ «وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ» يَشْمَلُ مَنْ مَرَّ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَنْ لَمْ يَمُرَّ.
وَقَوْلُهُ: "وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ" يَشْمَلُ الشَّامِيَّ إذَا مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَغَيْرَهُ فَهَاهُنَا عُمُومَانِ قَدْ تَعَارَضَا انْتَهَى مُلَخَّصًا، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَحْصُلُ الِانْفِكَاكُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: "هُنَّ لَهُنَّ" مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ: مَثَلًا: وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ سَاكِنُوهَا وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَ مِيقَاتِهِمْ فَمَرَّ عَلَى مِيقَاتِهِمْ انْتَهَى.
قُلْت: وَإِنْ صَحَّ مَا قَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ «أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ مَرَّ بِهِمْ ذَا الْحُلَيْفَةِ» تَبَيَّنَ أَنَّ الْجُحْفَةَ إنَّمَا هِيَ مِيقَاتٌ لِلشَّامِيِّ إذَا لَمْ يَأْتِ الْمَدِينَةَ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ مُحِيطَةٌ بِالْبَيْتِ كَإِحَاطَةِ جَوَانِبِ الْحَرَمِ فَكُلُّ مَنْ مَرَّ بِجَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِهِ لَزِمَهُ تَعْظِيمُ حُرْمَتِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ جَوَانِبِهِ أَبْعَدَ مِنْ بَعْضٍ.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 47- 55)
1- تحديد هذه الأمكنة المذكورة مواقيت مكانية للنسك، فلا يحل تجاوزها بدون إحرام، لمن يريد الحج أو العمرة.
2- أنَّ ميقات مَن دون هذه المواقيت من مكانه الذي هو ساكنٌ، أو مقيمٌ فيه.
3- أنَّ من تجاوزها بلا نية النسك، ثم طرأ له العزم على أداء النسك، يُحْرِم من حيث أراد النسك.
4- أنَّ ميقات أهل مكة منها، وهذا في الحج، أما العمرة فلابد من الخروج إلى الحل، وهو قول جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة.
بل قال المحب الطبري: "ما أعلم أحدًا ما جعل مكة ميقاتًا للعمرة".
قلت: إِلا أنَّ الصنعاني جعله قولًا له، ونصره بما لا ينهض فيه دليل؛ فإنَّ مفهوم هذا الحديث لا يقاوم صريح أمره عائشة بالخروج لعمرتها إلى التنعيم في ذلك الوقت الضيق، وكذلك عضده آثار قوية، وعمل المسلمين جميعًا في القديم، والحديث على هذا.
5- مفهوم قوله: "ممن أراد الحج أو العمرة": إنَّ من أراد دخول مكة لغير حج أو عمرة، بل لتجارة أو غيرها، فلا يجب عليه الإحرام، وفي المسألة خلاف يأتي إن شاء الله.
6- قال الفقهاء -رحمهم الله-: وكُرِه إحرامٌ قبل الميقات، الذي وقَّته الشارع؛ لموافقته الأحاديث الصحيحة، ولفعله -صلى الله عليه وسلم-، روى الحسن أنَّ عمران بن حصين أحرم من مصر، فبلغ عمر خَبَرَهُ فغضب، وقال: يتسامع الناس أنَّ رجلًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحرم في مصره.
7- يكره أن يحرم قبل أشهر الحج، قال في الشرح: بغير خلاف علمناه؛ لقوله تعالى: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } [البقرة: 197].
ولقول ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلاَّ في أشهر الحج، رواه البخاري معلقًا، وينعقد الإحرام قبل الميقات الزماني والمكاني.
* خلاف العلماء:
ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى وجوب الإحرام على كل من قصد مكة، سواء قصد النسك أو لا، مستدلين بما رواه البيهقي عن ابن عباس: "لا يدخل أحد مكة إلاَّ محرمًا"، قال ابن حجر: إسناده جيد.
وذهب الإمام الشافعي إلى عدم وجوب الإحرام، لمن لم يرد الحج أو العمرة، وهو مذهب الظاهرية، ونصره ابن حزم في المحلى، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
قال في الفروع: وهي ظاهرة.
مستدلين بقوله في حديث الباب: "ممن أراد الحج والعمرة" فمفهومه أنَّ من لم يُرِد النسك لا يجب عليه، على أنَّ عامة العلماء الموجبين للإحرام يقيدون الإيجاب في غير المترددين على الحرم، بحالة مستمرة، كصاحب البريد، والمكاري، ونحو ذلك، فلا يوجبون عليهم الإحرام، وعلى هذا العمل الجماعي.
فتح المنعم شرح صحيح مسلم (5/ 102- 105)
1- أما من سلك طريقاً لا ميقات فيه من بر أو بحر فميقاته إذا حاذى ميقاته الأصلي كالمصري مثلاً يمر ببدر، وهي تحاذي ذا الحليفة، فليس عليه أن يحرم منها، بل له التأخير حتى يحاذي الجحفة، فإن كان الطريق لا يحاذي ميقاته الأصلي ويحاذي ميقاتاً آخر أو ميقاتين أحرم عند محاذاة أقربها إليه، فإن جهل المحاذاة أحرم قبل مكة بنحو مائة وعشرين كيلو متراً. ذكره النووي في المجموع.
2- استدل ابن حزم بقوله في الرواية الأولى: "فمن كان دونهن فمن أهله" وقوله في الرواية الثانية: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" استدل به على أن من ليس له ميقات فميقاته من حيث شاء، وكأنه أراد من قوله "دونهن" أي غيرهن، وليس المراد منه الأقرب إلى مكة منهن، لذا قال الحافظ ابن حجر: ولا دلالة فيه لأنه يختص بمن كان دون الميقات، أي إلى جهة مكة.
3- قال الحافظ: ويؤخذ منه أن من سافر غير قاصد للنسك، فجاوز الميقات، ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يحرم من حيث جد له القصد، ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات لقوله "فمن حيث أنشأ".
4- استدل به على أن من كان مسكنه بين مكة والميقات فميقاته مسكنه ولا يلزمه الذهاب إلى الميقات، ولا يجوز له مجاوزة مسكنه بغير إحرام. قال النووي هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا مجاهداً فقال ميقاته مكة نفسها.
5- وظاهر قوله: "حتى أهل مكة يهلون منها" أن أهل مكة يهلون من مكة للحج والعمرة، ولكن هذا الظاهر غير مراد، بل هو خاص بالحاج، وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، قال المحب الطبري لا أعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة.
واختلف في القارن من أهل مكة، فذهب الجمهور: إلى أن حكمه حكم الحاج في الإهلال من مكة، وقال ابن الماجشون: يجب عليه الخروج إلى أدنى الحل، لأن العمرة إنما تندرج في الحج فيما محله واحد، كالطواف والسعي، أما الإحرام فمحله فيها مختلف.
واختلف في الأماكن التي يحرم منها أهل مكة [والمراد من أهل مكة هنا -كما قال النووي- من كان بمكة عند إرادة الإحرام بالحج، سواء أكان مستوطناً أم عابر سبيل.
قال النووي: ميقاته نفس مكة، ولا يجوز له ترك مكة والإحرام بالحج من خارجها سواء من الحرم أو من الحل. ثم قال: هذا هو الصحيح عند أصحابنا وقال بعض أصحابنا: يجوز له أن يحرم بالحج من الحرم، كما يجوز من مكة، لأن حكم الحرم حكم مكة، قال: والصحيح الأول، لهذا الحديث، ثم قال: قال أصحابنا: ويجوز أن يحرم من جميع نواحي مكة بحيث لا يخرج عن نفس المدينة وسورها، وفي الأفضل قولان: أصحهما من باب داره والثاني من المسجد الحرام تحت الميزاب.
6- استدل بقوله -صلى الله عليه وسلم- في الرواية الأولى والثانية "وقت" وقوله في الرواية السادسة: "أمر" وقول ابن عمر في رواية البخاري: "فرضها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهل نجد قرناً .... إلخ" على: أنه لا يجوز الإحرام بالحج والعمرة من قبل الميقات، وهذا ظاهر صنيع البخاري حيث قال: "باب فرض مواقيت الحج والعمرة"، ثم قال: "باب ميقات أهل المدينة ولا يهلوا قبل ذي الحليفة".
قال الحافظ ابن حجر: وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز، وفيه نظر، فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه وفرق الجمهور بين الزماني والمكاني، فلم يجيزوا التقدم على الزماني وأجازوا في المكاني، وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدم -أي أفضليته- وقال مالك: يكره، ويروى أن عبد الله بن عامر لما فتح خراسان قال: لأجعلن شكري لله أن أخرج من موضعي هذا محرماً، فأحرم من نيسابور، فلما قدم على عثمان بن عفان رضي الله عنه لامه على ما صنع. فاستدل به من كره الإحرام قبل الميقات المكاني، أما من أجاز فيحمل هذا الأثر على أنه ربما فهم منه أنه قدم إحرامه على الميقات الزماني، لأن بين خراسان ومكة مسافة يزيد قطعها على أشهر الحج حسب سفرهم حينئذ.
7- استدل بقوله في الرواية الثانية وما بعدها "يهل، مهل" على استحباب رفع الصوت بالتلبية، لأن الإهلال هنا -كما يقول الطبري-: رفع الصوت بالتلبية.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 621).
1- المواقيت المكانية يحرم أن يتجاوزها المسلم دون إحرام إذا كان قاصدًا مكة يريد حجًّا أو عمرة، سواء كان مروره عليها عن طريق البر، أو البحر، أو الجو.
2- هذا التوقيت متفق عليه لأرباب هذه الأماكن، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على وجوب الدم على مجاوزها، ودليل الجمهور مأخوذ من غير هذا الحديث إذ ليس في لفظه ما يشعر به.
3- ودلَّ حديث ابن عباس على أن المواقيت هي لأهل هذه البلدان ولمن مر بها، لا يتجاوزها بغير إحرام، ويجوز الإحرام قبل الميقات إجماعًا، والأفضل الإحرام من الميقات، وهو ما داوم عليه النبي ﷺ، ولو كان في الإحرام قبل الميقات فضل لفعله النبي ﷺ.
4- قوله: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» مقتضاه أنه إذا مر بهن من ليس هن ميقاته أن يحرم منهن ولا يجاوزهن غير محرم، كالشامي يمر بميقات المدني فيلزمه الإحرام منه ولا يتجاوزه إلى الجحفة التي هي ميقاته، وكذا الباقي، وهذا لا خلاف فيه عند الشافعية، وأما المالكية: فإنهم نصوا على أن له مجاوزته إلى الجحفة.
5- وفيه أن من كان مسكنه دون الميقات، كأن يكون ساكنًا بين الميقات وبين مكة، فمسكنه هو ميقاته، فيحرم منه بما أراد من حج أو عمرة، أما أهل مكة فيحرمون بالحج وحده من مكة.