شرح صحيح البخارى لابن بطال (4/ 524)
اختلف العلماء فى الرجل يموت وعليه حجة الإسلام أو حجةُ نذرٍ؛ فقالت طائفة: يجوز أن يُحج عنه وإن لم يُوصِ بذلك، ويُجزئه.
روى ذلك عن ابن عباس وأبى هريرة، وهو قول عطاء وابن سيرين ومكحول وسعيد بن المسيب وطاوس، وبه قال الأوزاعى وأبو حنيفة والشافعى وأبو ثور. وقالت طائفة: لا يَحج أحد عن أحدٍ، روى ذلك عن ابن عمر والقاسم بن محمد والنخعى. وقال مالك والليث: لا يَحج أحد عن أحدٍ إلا عن ميت لم يحج الإسلام ولا ينوب عن فرضه، فإن أوصى بذلك الميت؛ فعند مالك وأبى حنيفة يُخرج من ثلثه، وهو قول النخعى. وعند الشافعى يخرج من رأس ماله. وحجة أهل المقالة الأولى حديث ابن عباس قالوا: ألا ترى أن النبى -عليه السلام- شبه الحج بالدَّيْن، يجوز أن يقضيه عنه غيرهُ، أوصى بذلك أو لم يُوص؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يشترط فى إجازته ذلك، إن كان من أمها لها فذلك أمرها، ولو كان ذلك غير قاض عن أمها لكان عليه السلام قد أعلمها أن ذلك غير جائز، إلا أن تحج عنها بأمرها فلما أعلمها -عليه السلام- أن ذلك قضاء عنها صح أن ذلك مجزئ عمن حج عنه ممن عجز عن أدائه فى حياته، وسبيل ذلك قضاء دين على رجل أن ذلك براءة للمقضى عنه بأمر الله، كان عليه أو بغير أمره، وتشبيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك بالدَّيْن يدل أن ذلك عليه من جميع ماله ثلثه كسائر الديون، قاله الطبرى، وذكر ابن المنذر أن عائشة اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته. وحجة من منع الحج عن غيره أن الحج عمل الإنسان ببدنه، وقد أجمعوا أنه لا يُصلِّى أحد عن أحدٍ فكذلك الحج. قال ابن القصار: والدليل على أنه لا يَحجُّ أحد عن أحدٍ قوله -عليه السلام-: "أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟" إنما سألها: "هل كنت تفعلين ذلك تطوعًا؟" لأنه لا يجب عليها أن تقضى دين أمها إذا لم يكن لها تَركَة؛ لأن الحج من عمل الأبدان وهى عبادة لا تصح النيابة مع القدرة ولا مع العجز فى حال الحياة فلم يصح بعد الممات، دليله الصلاة.
وأما قول البخارى فى الترجمة: والرجل يحج عن المرأة، وأدخل حديث المرأة التى سألت النبى -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فكان ينبغى أن يقول: والمرأة تحج عن المرأة، فالجواب عن ذلك أن النبى -صلى الله عليه وسلم- خاطب المرأة بخطاب دخل فيه الرجال والنساء. وهو قوله: "اقضوا الله"، وهذا يصح للمذكر والمؤنث، ولا خلاف فى حج الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل، إلا الحسن ابن صالح.
فتح الباري لابن حجر (4/ 65- 66)
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ نَذْرِ الْحَجِّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ، فَإِذَا حَجَّ أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ عَنِ النَّذْرِ، وَقِيلَ يُجْزِئُ عَنِ النَّذْرِ ثُمَّ يَحُجُّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَقِيلَ يُجْزِئُ عَنْهُمَا.
وفِيهِ: مَشْرُوعِيَّةُ الْقِيَاسِ وَضَرْبُ الْمَثَلِ لِيَكُونَ أَوْضَحَ وَأَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ وَأَقْرَبَ إِلَى سُرْعَةِ فَهْمِهِ.
وَفِيهِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُفْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى وَجْهِ الدَّلِيلِ إِذَا تَرَتَّبَتْ عَلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ وَهُوَ أَطْيَبُ لِنَفْسِ الْمُسْتَفْتِي وَأَدْعَى لِإِذْعَانِهِ.
وَفِيهِ: إِجْزَاءُ الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ.
وَفِيهِ: أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجٌّ وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُجَهِّزَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ دُيُونِهِ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ دَيْنَ الْآدَمِيِّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَكَذَلِكَ مَا شُبِّهَ بِهِ فِي الْقَضَاءِ، وَيَلْتَحِقُ بِالْحَجِّ كُلُّ حَقٍّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِي قَوْلِهِ: "فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ خَلَّفَ مَالًا فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ حَقَّ اللَّهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْعِبَادِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَجَّ عَنْهُ، وَالْجَامِعُ عِلَّةُ الْمَالِيَّةِ، قُلْتُ وَلَمْ يَتَحَتَّمْ فِي الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونَ خَلَّفَ مَالًا كَمَا زَعَمَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: "أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ" أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِمَّا خَلَّفَهُ أَوْ تَبَرُّعًا.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 27)
1- انعقاد النذر في العبادات، والنذر هو إلزام المكلف نفسه شيئًا لله تعالى بالقول غير لازم بأصل الشرع.
2- وجوب الوفاء بالنذر إذا أوجبه الإنسان على نفسه؛ لقوله: "حجي عنها، واقضوا الله، فالله أحق بالوفاء".
لكن أصل عقد النذر مكروه، لما جاء في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أنَّه نهى عن النذر، وقال: إنَّه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل".
3- في الحديث دليلٌ على أنَّ ناذر الحج إذا مات قبل أداء نذره يؤدى عنه، وجوبًا إن كان ترك مالًا، واستحبابًا إنَّ لم يترك مالًا، وأنه تعلق بذمته، وذلك مستفاد من تشبيهه بالدين، فإنَّ من مات وعليه دين، وله تركة وجب إيفاء الدِّين، وإلاَّ فلا يجب على الورثة، وإنما يستحب في حقهم.
4- إنَّ الوفاء واجب عن الميت، ولو لم يوصِ به، لأنَّه دين، فوجب إبراء ذمته منه.
5- في الحديث دليل على أنَّ القياس أصل من أصول التشريع، فإنَّه -صلى الله عليه وسلم- قاس الحج على الدين، وقاس حق الله على حق غيره في وجوب الوفاء.
6- في الحديث دليل على وصول ثواب عبادة الحج من الحي إلى الميت، وهو في الحج، والصدقة، والدعاء، والاستغفار مجمع عليه بين العلماء، وفي الصوم، والصلاة وتلاوة القرآن. موضع خلاف، والصّحيح عمومه، وتقدم بيان الخلاف في كتاب الجنائز، والله أعلم.
7- وجوب قضاء حقوق الله تعالى على الميت كالزكاة، والنذر، والكفارة، وحجة الإسلام، وأنها تزاحم الحقوق التي عليه للخلق، فتُقدَّم هذه الديون على حق الوثة في التركة، فإن لم تفِ التركة، وزَّعت على الديون كلها، كلٌ بنسبته.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 617).
1- وفي حديث ابن عباس الثالث دليل على جواز قضاء الحجة المنذورة عن الميت، وتجوز النيابة عن الميت في هذه الحالة، ويدل على أن النذر يبقى في الذمة، ولا يسقط بالموت؛ كالدَّين، وإذا كان قضاء دين الآدمي يجزئ عنه بعد الموت، فدين الله أحق أن يجزئ؛ لأن الله أكرم بقبول القضاء.
2- تجوز النيابة في الحج أيضًا في حالة المتوفى الذي كان قد وجب عليه الحج، فمن أخَّر الحج حتى مات جاز أن يُخرج عنه من ماله ما يُحج به عنه، سواء أوصى بذلك أم لم يوصِ، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، ومذهب الحنفية والمالكية أنه يسقط عنه بموته، إلا أن يوصي بأدائه عنه، فإن أوصى به حج عنه من ثلث ماله.