خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 679)
السر في النزول بمنى أنها كانت سوقًا عظيمًا من أسواق الجاهلية مثل عكاظ، والمجنة، وذي المجاز، وغيرها، وإنما اصطلحوا عليه؛ لأن الحج يجمع أقوامًا كثيرة من أقطار متباعدة، ولا أحسن للتجارة ولا أرفق بها من أن يكون موسمها عند هذا الاجتماع.
ولأن مكة تضيق عن تلك الجنود المجندة، فلو لم يصطلح حاضرهم وباديهم وخاملهم ونبيههم على النزول في فضاء مثل منى لحرجوا، وإن اختص بعضهم بالنزول لوجدوا في أنفسهم.
ولما جرت العادة بنزولها اقتضى ديدن العرب وحميتهم أن يجتهد كل حي في التفاخر والتكاثر، وذكر مآثر الآباء، وإراءة جلَدهم، وكثرة أعوانهم؛ ليرى ذلك الأقاصي والأداني، ويبعد به الذكر في الأقطار، وكان للإسلام حاجة إلى اجتماع مثله يظهر به شوكة المسلمين وعددهم وعدتهم؛ ليظهر دين الله، ويبعد صيته، ويغلب على كل قطر من الأقطار، فأبقاه النبي ﷺ، وحث عليه وندب إليه، ونسخ التفاخر، وذكر الآباء، وأبدله بذكر الله، بمنزلة ما أبقى من ضيافاتهم وولائمهم؛ وليمة النكاح، وعقيقة المولود؛ لما رأى فيها من فوائد جليلة في تدبير المنازل.