شرح صحيح البخاري لابن بطال (4/ 121)
«قال المهلب: فيه من الفقه أن التألى على الله فى أمر لا يجد منه سعة ولا إلى غيره سبيلا منهى عنه، كما نهى النبى، عليه السلام، عبد الله بن عمرو عن ما تألى فيه من قيام الليل وصيام النهار، وكذلك من حلف ألا يتزوج ولا يأكل ولا يشرب، فهذا كله غير لازم عند أهل العلم لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } [التحريم: 1] وللذى حلف ألا ينكح أن ينكح، وكذلك سائر المحرجات الشاملة مباح له إتيان ما حلف عليه وعليه كفارة اليمين بالله. وفيه: أن التعمق فى العبادة والإجهاد للنفس مكروه لقلة صبر الشر على التزامها لا سيما فى الصيام الذى هو إضعاف للجسم، وقد رخص الله فيه فى السفر، لإدخال الضعف على من تكلف مشقة الحل والترحال، فكيف إذا انضاف ذلك إلى من كلفه الله قتال أعدائه الكافرين حتى تكون كلمة الله هى العليا، ألا ترى أن النبى، عليه السلام، قال ذلك فى هذا الحديث عن داود: (وكان لا يفر إذا لاقى)، فإنه أبقى لنفسه قوة، لئلا تضعف نفسه عند المدافعة واللقاء. وقد كره قوم من السلف صوم الدهر، روى ذلك عن عمر، وابن مسعود، وأبى ذر، وسلمان، وعن مسروق، وابن أبى ليلى، وعبد الله بن شداد، وعمرو بن ميمون، واعتلوا بقوله عليه السلام فى صيام داود: (لا أفضل من ذلك). وقوله: (لا صام من صام الأبد، مرتين)، وقالوا: إنما نهى عن صيام الأبد لما فى ذلك من الإضرار بالنفس، والحمل عليها، ومنعها من الغذاء الذى هو قوامها وقوتها على ما هو أفضل من الصوم كالصلاة النافلة وقراءة القرآن والجهاد وقضاء حق الزور والضعيف، وقد أخبر عليه السلام بقوله فى صوم داود: (وكان لا يفر إذا لاقى)، أن من فضل صومه على غيره إنما كان من أجل أنه كان لا يضعف عن القيام بالأعمال التى هى الأفضل من الصوم، وذلك ثبوته لحرب أعداء الله عند التقاء الزحوف، وتركه الفرار منهم، فكان عليه السلام إذ قضى بصوم داود بالفضل على غيره من معانى الصيام قد بين أن كل من كان صومه لا يورثه ضعفا عن أداء فرائض الله، وعن ما هو أفضل من صومه، وذلك من نفل الأعمال، وهو صحيح الجسم، فغير مكروه له صومه ذلك. وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شىء من فرائض الله فغير جائز له صومه، بل هو محظور عليه، فإن لم يضعفه عن الفرائض، وأضعفه عما هو أفضل منه من النوافل فإن صومه مكروه، وإن كان غير آثم، وكان ابن مسعود يقل الصوم فقيل له فى ذلك، فقال: إنى إذا صمت ضعفت عن الصلاة، والصلاة أحب إلى من الصوم، وكان أبو طلحة لا يكاد يصوم على عهد النبى من أجل الغزو، فلما توفى النبى، عليه السلام، ما رأيته يفطر إلا يوم فطر أو أضحى، وقد سرد ابن عمر الصيام قبل موته بسنتين، وسرد الصيام أيضا أبو الدرداء، وأبو أمامة الباهلى، وعبد الله بن عمرو، وحمزة بن عمرو، وعائشة، وأم سلمة زوجا النبى، وأسماء بنت أبى بكر، وعبد الله وعروة ابنا الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابن سيرين وقالوا: من أفطر الأيام التبى نهى رسول الله عن صيامها، فليس بداخل فى ما نهى عنه من صوم الدهر، وقال مالك فى (المجموعة): لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام منى، وقد قيل: إن رسول الله إنما قال إذ سئل عن صوم الدهر: (لا صام ولا أفطر)، لمن صام حتى هلك من صومه، حدثنى بذلك يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن خالد الحذاء، عن أبى قلابة: أن امرأة صامت حتى ماتت فقال النبى، عليه السلام: (لا صامت ولا أفطرت)، ومن صام حتى بلغ به الصوم هذا الحد فلا شك أنه بصومه ذلك آثم، قاله الطبرى».
إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (1/ 284)
1 - صوم الدهر ذهب جماعة إلى جوازه منهم مالك والشافعي ومنعه الظاهرية للأحاديث التي وردت فيه كقوله عليه السلام: "لا صام من صام الأبد" 3 وغير ذلك وتأول مخالفوهم هذا على من صام الدهر وأدخل فيه الأيام المنهي عن صومها كيومي العيدين وأيام التشريق وكأن هذا محافظة على حقيقة صوم الأبد فإن من صام هذه الأيام مع غيرها: هو الصائم للأبد ومن أفطر فيها لم يصم الأبد إلا أن في هذا خروجا عن الحقيقة الشرعية وهو مدلول لفظة صام فإن هذه الأيام غير قابلة للصوم شرعا إذ لا يتصور فيها حقيقة الصوم فلا يحصل حقيقة صام شرعا لمن أمسك في هذه الأيام فإن وقعت المحافظة على حقيقة لفظ الأبد فقد وقع الإخلال بحقيقة لفظ صام شرعا فيجب أن يحمل ذلك على الصوم اللغوي وإذا تعارض مدلول اللغة ومدلول الشرع في ألفاظ صاحب الشرع حمل على الحقيقة الشرعية.
ووجه آخر: وهو أن يتعلق الحكم بصوم الأبد يقتضي ظاهره أن الأبد متعلق الحكم من حيث هو أبد فإذا وقع الصوم في هذه الأيام فعلة الحكم: وقوع الصوم في الوقت المنهي عنه وعليه ترتب الحكم ويبقى ترتيبه على مسمى الأبد غير واقع فإنه إذا صام هذه الأيام تعلق به الذم سواء صام غيرها أو أفطر ولا يبقى متعلق الذم عليه صوم الأبد بل هو صوم هذه الأيام إلا أنه لما كان صوم الأبد يلزم منه صوم هذه الأيام: تعلق به الذم لتعلقه بلازمه الذي لا ينفك عنه فمن ههنا نظر المتأولون بهذا التأويل فتركوا التعليل بخصوص صوم الأبد.2 - كره جماعة قيام كل الليل لرد النبي صلى الله عليه وسلم على من أراده ولما يتعلق به من الإجحاف بوظائف عديدة وفعله جماعة من المتعبدين من السلف وغيرهم ولعلهم حملوا الرد على طلب الرفق بالمكلف وهذا الاستدلال على الكراهة بالرد المذكور عليه سؤال وهو أن يقال: إن الرد لمجموع الأمرين وهو صيام النهار وقيام الليل فلا يلزمه ترتبه على أحدهما.
3 - فيه دليل على استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وعلته مذكورة في الحديث واختلف الناس في تعيينها من الشهر اختلافا في تعيين الأحب والأفضل لا غير وليس في الحديث ما يدل على شيء من ذلك فأضرنا عن ذكره.
كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (3/ 593)
ربما استدل بظاهر هذا الحديث على كراهة صيام الدهر، وربما استدل به على عدم الكراهة، ومعتمد المذهب: جوازه، ولم يكره إذا لم يترك به حقا، ولا خاف منه ضررا، ولم يصم الأيام المنهي عن صيامها؛ يعني: العيدين، وأيام التشريق، فإن أدخل فيه يومي العيدين، وأيام التشريق، أو يوما منها، حرم، وإن أفطر أيام النهي، جاز؛ خلافا للظاهرية.
نقل حنبل عن الإمام أحمد رضي الله عنه: إذا أفطر أيام النهي، فليس ذلك صوم الدهر.
ونقل صالح: إذا أفطرها، رجوت أن لا بأس به، وهذا اختيار القاضي وأصحابه، وصاحب "المحرر"، والأكثر؛ وفاقا لمالك، والشافعي.
وذكر الإمام مالك: أنه سمع أهل العلم يقولونه؛ لقول حمزة بن عمرو: يا رسول الله! إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: "إن شئت فصم" متفق عليه، وتقدم، ولأن أبا طلحة وغيره من الصحابة وغيرهم فعلوه، وأجابوا عن حديث عبد الله بن عمرو، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا صام من صام الدهر" رواه البخاري؛ بأنه خشي عليه ما سبق.
وقال صاحب "المغني" من أئمة علمائنا: يكره صيام الدهر، وهو ظاهر رواية الأثرم عن الإمام أحمد، وللحنفية قولان».
«خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام» (1/ 585)
1- في حديث عبد الله بن عمرو دليل على أن أفضل أنواع صيام التطوع صيام نبي الله داود عليه السلام؛ وهو أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وذلك لمن قدر عليه، وكانت له القوة على ذلك.
2- وفيه جواز الحلف من غير استحلاف.
3- وفيه أن الكبير العالم إذا بلغه عن بعض أصحابه أمرًا يخالف الأولى في حقه أو مطلقًا أن ينبهه ويبينه له.
4- وفيه أن التزام الطاعة الشاقة التي لا يستطيع القيام بها والدوام عليها غير لازمة.
5- وفيه التفدية بالآباء والأمهات لكبار العلماء وصدقهم وجوابهم بأحسن العبارات.
6- وفيه جواز صوم الدهر غير الأيام المنهي عنها، وهو مذهب الجمهور.
7- وفيه استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقد اختلف العلماء في تعيينها اختلافًا كثيرًا.
8- وفيه كراهة قيام كل الليل دائما، لرده -عليه الصلاة والسلام- ذلك عليه، ولما يتعلق بفعله من الإجحاف بوظائف عديدة من الدين وغيره.