شرح صحيح البخاري لابن بطال (5/ 451- 453)
وفى قوله صلى الله عليه وسلم: (ألقوها وما حولها) دليل أن السمن كان جامدًا؛ لأنه لا يتمكن طرح ما حولها في الذائب المائع؛ لأن في الحركة يسرح بعضه بعضًا. والعلماء مجمعون أن هذا حكم السمن الجامد تقع فيه الميتة أنها تُلقَى وما حولها ويؤكل سائره؛ لأن رسول الله حكم للسمن الملاصق للفأرة بحكم الفأرة، لتحريم الله الميتة، فأمر بإلقاء ما مسها منه. وأما السمن المائع والزيت والخل والمري والعسل وسائر المائعات تقع فيها الميتة، فلا خلاف أيضًا بين أئمة الفتوى أنه لا يؤكل منها شيء. واختلفوا في بيعه والانتفاع به، فقالت طائفة: لا يباع ولا ينتفع بشيء منه، كما لا يؤكل. هذا قول الحسن بن صالح وأحمد بن حنبل، واحتجوا بما رواه معمر، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن كان مائعًا فلا تقربوه). وبقوله: (لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا ثمنها). وقال آخرون: يجوز الاستصباح به، والانتفاع في الصابون وغيره، ولا يجوز بيعه وأكله. هذا قول مالك والثوري والشافعي. واحتجوا برواية عبد الواحد بن زياد، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإن كان مائعًا فاستصبحوا به) قالوا: وقد روى عن على بن أبى طالب وابن عمر وعمران بن حصين أنهم أجازوا الاستصباح به، وأمر ابن عمر أن تُدهَن به الأدم. وذكر الطبري عن ابن عباس مثله، وذكر ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري وعطاء مثله. واحتجوا في منع بيعه بقوله صلى الله عليه وسلم في الخمر: (إن الذى حرَّم شربها حرَّم بيعها) وبحديث النبي عن بيع الشحوم، وأيضًا فإنه قد ينتفع بما لا يجوز بيعه؛ ألا ترى أنا ننتفع بأم الولد ولا يجوز بيعها، وينتفع بكلب الصيد ويمنع من بيعه، ونطفئ الحريق بالماء النجس والخمر ولا يجوز بيعه، وهذا كله انتفاع، ذكره ابن القصار. وقال آخرون: ينتفع بالزيت الذي تقع فيه الميتة بالبيع وبكل شيء ما عدا الأكل. قالوا: يجوز أن يبيعه ويبين؛ لأن كل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، والابتياع من الانتفاع. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والليث. وروي عن أبي موسى أنه قال: بيعوه وبينوا لمن تبيعونه منه، ولا تبيعونه من مسلم. وروى ابن وهب عن القاسم وسالم أنهما أجازا بيعه وأكل ثمنه بعد البيان. قال الكوفيون: ويحتمل ما قال معمر من قوله صلى الله عليه وسلم : (وإن كان مائعًا فلا تقربوه أو فلا تقربوه) للأكل، وليس في تحريم الشحوم على اليهود تحريم ثمنها حجة لمن منع بيع الزيت تقع فيه الميتة؛ لأن الحديث خرج على تحريم شحوم الميتة وهى نجسة الذات، ولا يجوز بيعها ولا أكلها ولا الانتفاع بها، والزيت والسمن الذى تقع فيه الميتة إنما تنجس بالجوار، ولا ينجس بالذات، كالثوب الذى يصيبه الدم، ولذلك رأى بعض العلماء غسله، ويجوز عندهم الاستصباح به، ولا يجوز بشحوم الميتة. قال ابن القصار: وقال أهل الظاهر: لا يجوز بيع السمن ولا الانتفاع به إذا وقعت فيه الفأرة، ويجوز بيع الزيت والخل والمرى وجميع المائعات تقع فيه الفأرة؛ لأن النهى إنما ورد في السمن لا في الزيت وغيره. وهذ إبطال للمعقول؛ لأن الرسول نص على السمن وهو مما يؤكل ويشرب، وهو من المائعات الطاهرات، كان فيه تنبيه على ما هو مثله؛ لأنه يثقل صلى الله عليه وسلم أن يقول: السمن والزيت والشيرج والخل والمرى والدهن والمرق والعصير وكل مائع؛ لأنه أوتى جميع الكلم، وهذا كما قال تعالى: { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } فنبَّه بذلك على أن كل ما كان في معناه من الانتهار والسب فما فوقه مثله في التحريم. وكذلك كل مائع وقعت فيه نجاسة هو مثل السمن. قال المؤلف: ومما يبطل به مذهب أهل الظاهر أن يقال لهم: ما تقولون في السمن تموت فيه وزغة أو حية أو سائر الحيوان؟ فإن طردوا أصلهم وقالوا: لا ينجس السمن بموت سائر الحيوان، غير الفأرة التي ورد النص فيها، خرجوا من قول الأمة ومن المعقول، وإن سووا بين جميع ما يموت في السمن من سائر الحيوان، لزمهم ترك مذهبهم.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 242)
1 - يدل الحديثان على نجاسة الفأرة، وأنها من الخبائث، فلقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتلها، وسماها فاسقة.
2- أن الفأرة إذا وقعت في سمن أو مائع، وماتت فيه نجست ما حولها مما وقعت فيه، فيجب إلقاؤها وإلقاء ما حولها.
قال الحافظ: لم يأت تحديد ما يلقى، لكن أخرج ابن أبي شيبة من مرسل عطاء: أن يكون قدر الكف، وسنده جيد لولا أنه مرسل.
3- أن بقية السمن أو اللبن أو نحوهما مما ليس حولها طاهر، يجوز أكله واستعماله، فلا تسري النجاسة إلى كل أجزائه.
4- أن ذكر السمن إنما هو واقعة عين لميمونة، وإلا فالحكم عام في كل المائعات من دهن، وزيت، ولبن، وعصير، وغير ذلك.
قال الحافظ: وإلحاق غير السمن به في القياس واضح.
5- قال الخطابي: في الحديث دليل على أن المائعات لا تزال بها النجاسة، وذلك أنها إذا لم تدفع عن نفسها النجاسات، فلأن لا تدفع عن غيرها أولى.
6- في الحديث دلالة على تحريم الأعيان النجسة، وأنه لا يجوز الاستفادة منها ولا استعمالها، وتقدم مثله في حديث جابر.
7- قوله: «كلوه» ليس أمرًا، وإنما هو إباحة، وبيان حكم طهارته.
8- هذا الحكم ما لم يتغير السمن بالنجاسة في ريحه، أو طعمه، أو لونه، فإن تغيَّر فإنه نجس لا يجوز استعماله ولا قربه، فإن الماء وهو الطهور إذا تغير طعمه أو ريحه أو لونه بالنجاسة نجس، فكيف بالمائعات التي لا تدفع عن نفسها نجاسة.
9- الحديث عام في السمن: قليله وكثيره، فليس فيه تقييد، فيبقى على عمومه أن الفأرة إذا وقعت فيه وماتت ولم تغيره أنها تلقى، ويؤكل السمن، كثر أو قل.
10- وفي الحديث: دلالة على جواز ملامسة النجاسة لإزالتها، وتطهير المكان منها، ومن أدلة هذه المسألة مشروعية الاستنجاء، وغسل النجاسات.
11- رواية البخاري مُطلَقة تعم السمن المائع والجامد، ورواية أحمد والنسائي تقيد ذلك في السمن الجامد، ولكن محققي المحدثين كالبخاري وأبي حاتم حكموا على رواية "في سمن جامد"، بالوهم.
قال الترمذي: سمعت البخاري يقول: هو خطأ، والصواب: ما رواه الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة رضي الله عنهم.
وقال الترمذي: هو حديث غير محفوظ.
قال ابن القيم: اختلف العلماء في هذا الحديث إسنادًا ومتنًا، ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه، ولم يروه صحيحًا، بل رأوه خطأ محضًا، فكثير من أهل الحديث جعلوا هذه الرواية: "إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان ذائبًا فلا تقربوه" موهومة معلولة، فإن الناس إنما رووه عن سفيان عن الزهري من غير تفصيل، كما رواه البخاري وغيره».