فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (3/ 357) .
في هذا الحديث فوائد: منها: إعلان الأحكام الشرعية عن طريق الخطابة، والخطابة أحد المجالات التي بها تنشر الدعوة، فإن الدعوة تنشر بطرق متعددة منها: الخطابة، والكتابة والمشافهة، وغير ذلك من الأشياء التي تكون مجالًا للدعوة، ومنها: حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على تبليغ أمته، فإنه كان لا يخفي تبليغ الأحكام، بل جعلها إعلانًا بواسطة الخطابة.
ومن فوائد الحديث: أن في المسائل ما لا ينبغي أن يسأل عنه كما في هذا الحديث، فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال فيما رواه أبو هريرة: "ذروني ما تركتكم"، وفي قصة عويمر العجلاني مع امرأته أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سأله على الذي وصاه عويمر كره المسائل وعابها فيما لو وجد الإنسان مع امرأته رجلًا.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أنه يجوز أن يقاطع الخاطب فيسأل؛ لأن الأقرع بن حابس قاطع النبي -صلى الله عليه وسلم- فسأله في أثناء الخطبة ولم ينكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومن فوائد الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحكم بغير وحي لقوله: "لو قلتها لوجبت"، وهذا محل خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يحكم من عند نفسه، وإنما يحكم من عند نفسه في مسائل الاجتهاد، وأما مسائل التشريع قلا، والصحيح: أنه يحكم من عند نفسه في المسائل الاجتهادية كتدبير الحروب وغيرها وفي المسائل الشرعية، لكن إقرار الله له تشريع، ولهذا يعتبر وحيًا.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 40)
1- تعاهد النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بالمواعظ والتعليم، والتفقه في الدين.
2- أنَّ الأفضل السكوت وعدم البحث عن الأمور التي لم يأت لها الشرع بذكر، فلقد قال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا } [المائدة: 101].
وقد جاء في البخاري (6845) ومسلم (4349): "أعظم المسلمين جرمًا من يسأل الله عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته".
وجاء في سنن الدارقطني (4/ 184) عن أبي ثعلبة مرفوعًا: "وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها".
3- فيه أنَّ التشريع الرباني جاء إلى الخلق من ربهم بقدْر طاقاتهم واستطاعتهم، فلم يكلف جلَّ وعلا خلقه إِلَّا بما يطيقون، قال تعالى: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [البقرة: 286].
4- فيه رأفة النبي -صلى الله عليه وسلم- بأمته، فإنَّه كره مسألة هذا الرجل لبحثه أمرًا مسكوتًا عنه، يخشى أن يبحث فيفرض، فتحصل بفرضه المشقة.
5- المفهوم من تشريع الحج في هذا الحديث، وكما جاء في بعض رواياته: "لو قلتُ نعم لوجبت، وما استطعتم" الإشارة إلى أنَّ الأمر على اليُسر والسهولة، لا على العسر والصعوبة، كما يظن السائل.