سبل السلام للصنعاني (1/ 601)
وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ نَاهِضًا عَلَى إيجَابِ الْعُمْرَةِ
وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ الْأَدِلَّةُ فِي إيجَابِ الْعُمْرَةِ وَعَدَمِهِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ سَلَفًا وَخَلْفًا فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إلَى وُجُوبِهَا رَوَاهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَوَصَلَهُ عَنْهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَعَلَّقَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا لِقَرِينَتِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: 196] وَوَصَلَهُ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَرَّحَ الْبُخَارِيُّ بِالْوُجُوبِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (بَابُ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ وَفَضْلِهَا) وَسَاقَ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ لِلْوُجُوبِ بِحَدِيثِ «حُجَّ عَنْ أَبِيك وَاعْتَمِرْ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أَعْلَمُ فِي إيجَابِ الْعُمْرَةِ أَجْوَدَ مِنْهُ.
وَإِلَى الْإِيجَابِ ذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: 196] فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا وُجُوبَ الْإِتْمَامِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَلَوْ تَطَوُّعًا.
وَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ فَرْضٌ فِي الْأَظْهَرِ.
وَالْأَدِلَّةُ لَا تَنْهَضُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ عَلَى الْإِيجَابِ الَّذِي الْأَصْلُ عَدَمُهُ.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 12-13، 15)
1 - الحديث يدل على وجوب العمرة وفرضيتها. أما الحج فأمره معروف، ويعارض هذا الحديث الحديث السابق.
2 - الحديثان ليسا بحجة، لا على الوجوب، ولا على الاستحباب لضعفهما، ولذا نقل الترمذي عن الشافعي أنَّه قال: "ليس في العمرة شيء ثابت، إنما هي تطوع، وفي إيجابها أحاديث لا تقوم بها الحجة".
3 - يدل الحديثان على مشروعية العمرة، إما وجوبًا كما في حديثنا، وإما استحبابًا كالحديث الأول.
4 - قال الوزير: أجمعوا على أن الحج والعمرة لا يَجِبَان في العمر إلاَّ مرَّة واحدةً، وأنَّ المرأة في ذلك كالرجل، وأنَّ شرائط الوجوب في حقها كالرجل.
قلتُ: وتزيد المرأة بشرط المَحْرَم.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية العمرة، وأنَّها من شعائر الله تعالى، ولكنهم اختلفوا في حكمها، فأهل الحديث، والإمامان الشافعي وأحمد، يرون وجوبها مرَّة واحدة في العمر على المستطيع كالحج.
كما روي وجوبها عن جماعة من الصحابة والتابعين، منهم عُمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وطاوس، والحسن البصري، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء.
أما الإمامان: أبو حنيفة ومالك وأتباعهما فيرون استحبابها فقط، وقد روي ذلك عن ابن مسعود ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وقال شيخ الإسلام في الاختيارات: "والقول بوجوب العمرة على أهل مكة قول ضعيف جدًا، مخالف للسنة الثابتة، ولهذا كان أصح الطريقين عن أحمد أنَّ أهل مكة لا عمرةً عليهم روايةً واحدةً وفي غيرهم روايتان".
وقد ذكر هذه الرواية في المغني فقال: "وليس على أهل مكة عمرة" نصَّ عليه أحمد، وقال: كان ابن عباس لا يرى العمرة واجبة، ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنّما عمرتكم طوافكم بالبيت، ووجه ذلك أنَّ ركن العمرة ومظهرها الطواف بالبيت، وهم يفعلونه فأجزأ عنهم" اهـ.
فأما دليل الموجبين مطلقًا فمثل قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: 196]، والأمر يقتضي الوجوب، وقد قرنها بالحج، والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه، ولما رواه الترمذي (852) وصححه أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لسائل: "حُجَّ عن أبيك واعتمر" وبما أخرجه الدارقطني (2/ 284) عن زيد بن ثابت بلفظ "الحج والعمرة فريضتان".
وأما القائلون بعدم وجوبها، فيقولون إنَّ الأصل البراعة من الوجوب، ولا
ينتقل عنها إِلاَّ بدليل ثابت، فأمّا الآية فلفظ الأمر بالإتمام يشعر بأنَّه إنما يجب بعد الإحرام لا قبله، والحديث التصحيح "بني الإسلام على خمس" اقتصر على الحج، والله تعالى يقول: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران: 97].
قلتُ: قد وردت أحاديث ضعيفة تفيد عدم وجوب العمرة، مثل: "يا رسول الله، أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا وأن تعتمر خير لك" رواه أحمد (13877) وحديث: "الحج جهاد، والعمرة تطوع" رواه ابن ماجه (2980).
قال الحافظ ابن حجر: ولا يصح من ذلك شيء.
قال في سبل السلام: "والأدلة لا تنهض -عند التحقيق- على الإيجاب الذي الأصل عدمه".
قُلْتُ: والذي يترجح عدم الوجوب لاسيَّما للمكيين، ولكن الأفضل والأحوط هو الإتيان بها، وهو أمر سهل وميسر، ولله الحمد والمنة.
فتح المنعم شرح صحيح مسلم (5/ 412)
حكم العمرة فقد قال النووي اختلف العلماء في وجوب العمرة، فمذهب الشافعي والجمهور أنها واجبة، وممن قال به عمر وابن عباس وطاووس وعطاء وابن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري ومسروق وابن سيرين والشعبي وأبو بردة بن أبي موسى وعبد الله بن شداد والثوري وأحمد وإسحق وأبو عبيد وداود. وقال مالك وأبو حنيفة وأبو ثور هي سنة وليست واجبة.
وقال في المجموع شرح المهذب قال الشافعي في الجديد هي فرض، وقال في القديم ليست بفرض والصحيح الأول. واستدل البيهقي لوجوب العمرة بحديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وفيه في رواية البيهقي "وأن تحج البيت وتعتمر" ورجاله رجال مسلم، ورواه هكذا الدارقطني، ثم قال: هذا إسناد صحيح ثابت، واحتج البيهقي أيضاً بما رواه بإسناده عن أبي زرين العقيلي الصحابي رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج والعمرة ولا الطعن؟ "قال حج عن أبيك واعتمر"، قال البيهقي قال مسلم بن الحجاج سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا أعلم في إيجاب العمرة حديث أجود من حديث أبي زرين هذا، ولا أصح منه.
قال الحافظ ابن حجر وحديث أبي زرين هذا صحيح، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. كما استدل القائلون بوجوبها بقوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) [البقرة: 196] أي أقيموها قال ابن عباس: والله إنها لقرينة الحج في كتاب الله. وللحاكم عن ابن عباس "الحج والعمرة فريضتان" وقال ابن عمر: ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع سبيلاً، فمن زاد شيئاً فهو خير له وتطوع.
واستدل القائلون بأنها سنة بحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة. أهي واجبة؟ قال لا. وأن تعتمر خير لك. رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
وقال الترمذي قال الشافعي: العمرة سنة لا نعلم أحداً رخص في تركها، وليس فيها شيء ثابت بأنها واجبة. ورد الجمهور حديث جابر بأنه ضعيف، بل موقوف على جابر غير مرفوع.
ثم قال النووي: فإن قلنا هي فرض فهي في شرط صحتها وصحة مباشرتها ووجوبها وإحرامها عن عمرة الإسلام كالحج. والله أعلم.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 612).
- استدل الشافعية والحنابلة بحديث عائشة وحديث جابر برواية ابن عدي على أن العمرة واجبة مرة واحدة في العمر، ولكن لفظة (العمرة) في الحديث ضعيفة، واستدلوا بأدلة أخـرى منها أن الله تعــالى جعلها قرينة الحـج في أكثر من آية، ومن ذلك قوله تعــالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: 196]، بينما دل حديث جابر بروايته الأولى على أن العمرة ليست بواجبة، وهو قول الحنفية، والمالكية، ورجَّحه شيخ الإسلام، والأدلة لا تنهض عند التحقيق على الإيجاب الذي الأصل عدمه.