سبل السلام للصنعاني (1/ 595).
فيه دلالة أنه لا يخرج المعتكف لشيء مما عينته هذه الرواية وأنه أيضا لا يخرج لشهود الجمعة وأنه إن فعل -أي ذلك- بطل اعتكافه، وفي المسألة خلاف كبير ولكن الدليل قائم على ما ذكرناه.
وأما اشتراط الصوم فيه خلاف أيضا وهذا الحديث الموقوف دال على اشتراطه وفيه أحاديث منها في نفي شرطيته ومنها في إثباته والكل لا ينهض حجة إلا أن الاعتكاف عرف من فعله -صلى الله عليه وسلم- ولم يعتكف إلا صائما. واعتكافه في العشر الأول من شوال الظاهر أنه صامها ولم يعتكف إلا من ثاني شوال؛ لأن يوم العيد يوم شغله بالصلاة والخطبة والخروج إلى الجبانة إلا أنه لا يقوم بمجرد الفعل حجة على الشرطية، وأما اشتراط المسجد فالأكثر على شرطيته إلا عن بعض العلماء والمراد من كونه جامعا أن تقام فيه الصلوات وإلى هذا ذهب أحمد وأبو حنيفة وقال الجمهور: يجوز في كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي الجامع وفيه مثل ما في الصوم من أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يعتكف إلا في مسجده وهو مسجد جامع ومن الأحاديث الدالة على عدم شرطية الصيام.
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (3/ 436).
عَنْ عَلِيٍّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِنْ شَهِدَ الْمُعْتَكِفُ جَنَازَةً أَوْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ وبن الْمُنْذِرِ إِلَّا فيِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّ الْكُوفِييِّنَ يَقُولُونَ إِذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِلْجُمُعَةِ لَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ أَوْ عَادَ مَرِيضًا يَبْطُلْ.
قَالَ صَاحَبُ شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ أَوْ لِلْجُمُعَةِ وَقْتَ الزَّوَالِ انْتَهَى.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (3/ 584).
لا يجوز للمعتكف أن يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يزور قريبًا، ولا يخرج لأية قُربة لا تتعيَّن عليه، وذلك بإجماع العلماء.
- قال أصحابنا: إذا شرط في ابتداء الاعتكاف الخروج إلى مثل هذه القرب من عيادة المريض، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، فله شرطه، وهو مروي عن جماعة من الصحابة، ولأنَّ الاشتراط يصير المشتَرط كالمستثنى، قال ابن هبيرة: وهو التصحيح عندي، قال إبراهيم النَّخعي: كانوا يستحبون للمعتكف هذه الخصال، وجزم بذلك الموفق، وهو المشهور من المذهب.
- يدل الحديث على أنَّه يشترط أن يكون الاعتكاف في مسجد تصلى فيه الجماعة، ولقوله تعالى: { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } [البقرة: 187].
- قوله: "ولا اعتكاف إلَاّ بصوم" هذا دليل الحنفية والمالكية، أما جمهور العلماء والمشهور عن الإمام الشافعي، والإمام أحمد-: فلا يشترط الصوم، وقد تقدم دليله، وهذا الحديث الموقوف لا يعارض ما تقدّم من الأدلة من عدم اشتراط الصوم.
- الحديث صريح بعدم اشتراط الصوم، وهو مؤيد للأدلة السابقة.
- إذا نذر المسلم الصوم مع الاعتكاف، وجب الوفاء من أجل النذر، لا من أجل لزوم الصوم مع الاعتكاف، فمن نذر أن يطيع الله فليُطعه.
- قال العلماء: يستحب اشتغال المعتكف بالقُرب؛ من صلاةٍ، وقراءةٍ، وذكرٍ، وصدقةٍ، وصيامٍ، وليس له ذكرٌ مخصوص، ولا فعلٌ، سوى اللبث في المسجد، وأفضل الذكر تلاوة القران بتدبر، فهذا لا يعدله شيء.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 602).
- في الحديث دليل على جواز الخروج لأمر لا بدَّ منه، وهذا مجمع عليه؛ وذلك كالخروج للبول والغائط، وللأكل والشرب إذا لم يكن له من يأتيه بهما.
- وفيه أيضًا دليل على عدم مشروعية الخروج من المسجد لطاعة لم تجب، وذلك ما لم يشترط ذلك الشيء، كأن يخرج لعيادة مريض وصلاة جنازة وحضور مجلس علم، والجمهور قالوا بجواز الاشتراط خلافًا للمالكية.
- خروج المعتكف بناء على ما سبق على ثلاثة أقسام:
الأول: الخروج لأمر لا بد منه طبعًا وشرعًا: كقضاء حاجة البول والغائط، والوضوء الواجب، والغسل الواجب لجنابة أو غيرها، والأكل والشرب، فهذا جائز، فإن أمكن الأكل والشرب في المسجد فلا؛ مثل أن يكون له من يأتيه بالأكل والشرب، فلا يخرج حينئذ؛ لعدم الحاجة إليه.
الثاني: الخروج لأمر طاعة لا تجب عليه: كعيادة مريض وشهود جنازة ونحو ذلك، فلا يجوز له أن يفعل مثل هذا إلا أن يشترط ذلك في ابتداء اعتكافه، مثل: أن يكون عنده مريض يحب أن يعوده، أو يخشى من موته، فيشترط في ابتداء اعتكافه خروجه لذلك، فلا بأس به.
الثالث: الخروج لأمر ينافي الاعتكاف: كالخروج للبيع والشراء وجماع أهله ومباشرتهم ونحو ذلك، وهو غير جائز سواء فعله بشرط أو بغير شرط؛ لأنه يناقض الاعتكاف وينافي المقصود منه.
- وفي الحديث دليل على أنّ الصوم شرط لصحة الاعتكاف، وهو قولٌ لأبي حنفية ومذهب المالكية ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وابن القيم، بينما دلَّ حديث ابن عباس على أن الصوم ليس شرطًا لصحة الاعتكاف، وهو قول الشافعية والحنابلة والمعتمد عند الحنفية ورجَّحه ابن عثيمين، ودليله ما رواه الشيخان أنَّ عمر قال للنبي ﷺ: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له: «أوف بنذرك»، ففيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن الليل ليس محلًا للصوم.
- أجمع الفقهاء على أنه لا يصح اعتكاف الرجل إلا في مسجد، لقوله تعالى: { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } [البقرة:187]. وللاتباع؛ لأن النبي ﷺ لم يعتكف إلا في المسجد.
- ودلَّ آخر حديث عائشة على أنه يشترط للاعتكاف أن يكون المسجد جامعًا، وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك وقول الشافعي في القديم، ومذهب الحنفية والحنابلة أنه لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه، ويجوز عندهم للمعتكف الخروج لصلاة الجمعة، والمشهور من مذهب المالكية والأظهر عند الشافعية: أن الاعتكاف عام في كل مسجد، فإن اعتكف في غير الجامع ثم خرج إلى الجمعة فسد اعتكافه.