توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 6) .
1- فضل العمرة وأنَّها، تكفر الذنوب، كسائر العبادات، قال تعالى: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [هود: 114].
لكن قيَّد العلماء التكفير للصغائر دون الكبائر.
فال النووي: "مذهب أهل السنة أنَّ الكبائر إنما تكفرها التوبة، أو رحمة الله وفضله".
قال ابن عبد البر: "المراد تكفير الصغائر دون الكبائر".
2- أنَّ العمرة ليس لها وقت مخصوص، ولا زمن معيَّن لغير متلبس بالحج، وهو إجماع العلماء.
خلاف العلماء:
ذهب جمهور العلماء إِلى استحباب العمرة في السنة الواحدة مرارًا، وقالت المالكية: تكره في السنة أكثر من عمرة واحدة.
ودليلهم: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يفعلها إلاَّ من سنة إلى سنة.
أما الجمهور: فدليلهم حديث الباب، وما أخرجه الترمذي (738) وغيره من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنَّ المتابعة بينهما تنفي الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد"، وغيرهما من الأحاديث، وقد اعتمرت عائشة في شهر واحد مرَّتين، وذلك في حجتها مع النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع.
والعلماء المحققون يريدون من العمرة ما يأتي بها الإنسان من بلده، لا ما يخرج من أجلها من مكة إلى أدنى الحل.
قال ابن القيم في زاد المعاد: ولم يكن في عُمَرِهِ -صلى الله عليه وسلم- عمرة واحدة خارجًا من مكة، كما يفعل كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عُمَرُه كلها وهو داخل إلى مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أنَّه أحرم خارجًا من مكة، تلك المدة أصلًا فالعمرة التي فعلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشرعها عمرة الداخل إِلى مكة، لا عمرة من كان بها فخرج إلى الحل ليعتمر، ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلاَّ عائشة وحدها، من بين سائر من كان معه؛ لأنَّها كانت أحرمت بالعمرة فحاضت، فأمرها فأدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة، فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وبعمرة مستقلة، وترجع هي بعمرة ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم.
وأما الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله-: فقال: وأما ما يفعله بعض الناس من الإكثار من العمرة بعد الحج من التنعيم، أو الجعرانة، أو غيرهما، وقد سبق أن اعتمر قبل الحج، فلا دليل على مشروعيته، بل الأدلة تدل على أنَّ الأفضل تركه، لأنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لم يعتمروا بعد فراغهم من الحج، وإنما أعمر عائشة من التنعيم لكونها لم تعتمر مع الناس حين دخول مكة بسبب الحيض، فطلبت من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تعتمر بدلًا من عمرتها التي أحرمت بها من الميقات، فأجابها -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك، وقد حصلت لها عمرتان، فمن كان مثل عائشة فلا بأس أن يعتمر بعد فراغه من الحج، عملًا بالأدلة كلها.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فقال: وأما الاعتمار بخروجه إلى الحل، فهذا لم يفعله أحد على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قط، إِلَّا عائشة في حجة الودل، مع أنَّ النَّبىَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يأمرها به، بل أذن فيه بعد مراجعتها، أما أصحابه -الذين حجوا معه حجة الوداع، كلهم من أولهم إلى آخرهم- فلم يخرج منهم أحد، لا قبل الحجة ولا بعدها، وكذلك أهل مكة المستوطنون لم يخرج منهم إلى الحل لعمرة، وهذا متفق عليه، معلوم لجميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته.
شرح صحيح البخارى لابن بطال (4/ 434)
اختلف الناس فى وجوب العمرة، فكان ابن عباس وابن عمر يقولان: هى واجبة فرضًا، وهو قول عطاء وطاوس والحسن وابن سيرين والشعبى، وإليه ذهب الثورى والشافعى وأحمد وإسحاق، وقال ابن مسعود: العمرة تطوع، وهو قول أبى حنيفة وأبى ثور، وقال النخعى: هى سنة، وهو قول مالك، قال: ولا يعلم لأحد الرخصة فى تركها. واحتج الذين أوجبوها فرضًا بقول الله تعالى: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } [البقرة: 196] ومعنى أتموا عندهم: أقيموا، قالوا: فإذا كان الإتمام واجبًا، فالابتداء واجب. قال ابن القصار: فيقال لهم: هذا غلط؛ لأن من أراد أن يفعل السنة فواجب أن يفعلها تامة، كمن أراد أن يصلى تطوعًا فيجب أن يكون على طهارة، وكذلك إذا أراد أن يصوم، فيلزمه التبييت، وكذلك من نذر صلاة وصومًا فقد أوجب على نفسه وإن لم تجب فى الأصل، فإذا دخل فى ذلك انحتم عليه تمامه حتى يصير بمنزلة ما ابتدأه لله، وما قالوه يبطل بالدخول فى عمرة ثانية وثالثة لأنه يجب المضى فيها، فلما أجمعنا أنه يجب عليه تمامها وإن لم يكن ابتداء الدخول فيها واجبًا سقط قولهم، واحتجوا بحديث ابن عمر أن النبى -عليه السلام- قال: (ليس أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان) فالجواب: أن البخارى أوقفه على ابن عمر من قوله، فلا حجة فيه، ولو صح عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لكان ذكره للعمرة مقارنة الحج لا يدل على وجوبها، وإنما معناه الحض على هذا الجنس من العبادات، كما قال -عليه السلام-: (قال تعالى: الصوم لى، وأنا أجزى به) . وقال: (تابعوا بين الحج والعمرة) لما لم يدل على وجوب المتابعة، لم يدل على وجوب العمرة، وإنما أراد عليه السلام أن لهذا الجنس من العبادات فضلا على غيره،وقال الطحاوى: ليس فى قول ابن عمر أنها واجبة ما يدل أنها فريضة؛ لأنه قد يجوز أن يقول أنها واجبة على المسلمين وجوبًا عامًا يقوم به البعض، كوجوب الجهاد، أنه واجب على المسلمين وجوبًا، من قام به أجزأ عنهم، وكوجوب الجنائز وغسل الموتى، ويدل على هذا قول ابن عمر: إذا حللتم فشدوا الرحال للحج والعمرة؛ فإنهما أحد الجهادين؛ ألا ترى أنه شبههما بالجهاد الذى يقوم بفرضه بعضهم. وقوله عليه السلام: (بنى الإسلام على خمس) فذكر الحج ولم يذكر العمرة، فدل أنها ليست بفريضة؛ لأنها لو كانت فريضة ما وسعه عليه السلام السكوت عن ذكرها مع جملة الفرائض.
سبل السلام للصنعاني (1/ 599)
وَفِي قَوْلِهِ «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ» دَلِيلٌ عَلَى تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَحْدِيدَ بِوَقْتٍ (وَقَالَتْ) الْمَالِكِيَّةُ يُكْرَهُ فِي السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ عُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَفْعَلْهَا إلَّا مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ وَأَفْعَالُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تُحْمَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ أَحْوَالِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ الشَّيْءَ وَهُوَ يَسْتَحِبُّ فِعْلَهُ لِيَرْفَعَ الْمَشَقَّةَ عَنْ الْأُمَّةِ وَقَدْ نَدَبَ إلَى ذَلِكَ بِالْقَوْلِ.
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ عُمُومُ الْأَوْقَاتِ فِي شَرْعِيَّتِهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَقِيلَ: إلَّا لِلْمُتَلَبِّسِ بِالْحَجِّ وَقِيلَ إلَّا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقِيلَ: وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَقِيلَ: إلَّا أَشْهُرَ الْحَجِّ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ مُطْلَقًا وَفِعْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِكَرَاهَتِهَا فِيهَا فَإِنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَعْتَمِرْ عُمْرَةَ الْأَرْبَعِ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَإِنْ كَانَتْ الْعُمْرَةُ الرَّابِعَةُ فِي حَجِّهِ فَإِنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَجَّ قَارِنًا كَمَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَجِلَّةُ.