فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (3/ 309)
في هذا الحديث أولًا: أن ليلة القدر يمكن العلم بها لقولها: "إن علمت ليلة القدر"، وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقرها على ذلك ولم يقل: إنها لا تعلم.
ومن فوائده: حرص عائشة رضي الله عنها على اغتنام هذه الليلة المباركة حيث قالت: "أرأيت ... " إلخ لتغتنم هذه الفرصة التي قد لا تعود على الإنسان بعد عامه.
ومن فوائد ألحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل العالم عما يخفى عليه؛ لأن عائشة سألت النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومن فوائد الحديث: احتقار الإنسان نفسه؛ لأنه في هذه الليلة، يعني: الذي كان من المتوقع أن يسأل الإنسان خيرًا وفضلًا ذهب يسأل العفو سؤال المسرف الجاني على نفسه، يقول: "اللهم إنك عفو ... " إلخ، ليحتقر الإنسان ما عمله في جانب حق الله عز وجل حتى لا تمنَّ على ربك أو تدلَّ عليه بالعمل وتقول: أنا عملت، من أنت حتى تقول ذلك، والرب عز وجل هو الذي منَّ عليك بالعمل، لو شاء لأضلك كما أضل غيرك، فإذا منّ عليك بالهداية فلا تمنَّ عليه أنت بالعمل، فأحمده على هذه النعمة واشكره، وقل: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (3/ 592)
1- هذا الدعاء سأله عنه -صلى الله عليه وسلم- أحب الناس إليه، وأرشده إليه بطريق إعطاء النصح في المشورة، والذي اختاره هو أعلم الناس بمعناه، فيكون لهذا الدعاء مزايا القبول كلها.
2- الدعاء المذكور هو أفضل مسؤول من الله تعالى، فعفو الله عن عباده معناه الصفح عن الذنوب، ومحو السيئات، وترك المجازاة عن الهفوات الكبيرة والصغيرة، وليس بعد هذا إلاَّ الرضا عن المعفو عنه، وإحلاله دار كرامته، وهذا هو غاية المطلوب.
3- هذا الدعاء جَمَع آداب الدعاء، فقد ابتدىء بلفظ: "اللهمَّ"، وهي عوض عن "يا الله"، فالميم بدل من الياء.
ففي هذه الجمل التوسل إِلى الله بصفته المناسبة للمطلوب، ومحبته للعفو، وقربه منه بأن يعفو عن الداعي، فإذا صادف هذا الاسترحام والتذلل من قلب خاشعٍ، وفي ليلةٍ مباركةٍ، ومن عبدٍ مخلصٍ منيبٍ، فهو حري ألَّا يُرد، وأن يستجاب لصاحبه؛ لأنَّ قبول الدعاء له أسباب وآداب، هذه من أهمها.
4- من فقه عائشة -رضي الله عنها- أنَّها اختارت لهذا الوقت الفاضل الدعاء بأفضل مطلوب، حتى إذا حصلت الإجابة، وإذا الهبة والعطية جزلة.
5- وللنسائي من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "سلوا الله العفو،والعافية، والمعافاة الدائمة، فما أوتي أحد بعد يقين خيرًا من معافاة".
قال في "الروض وحاشيته": فالشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة؛ لتضمنها دوام العافية، فهذا من أجمع الدعاء.
وينبغي الإكثار في ليلة القدر من الدعاء والاستغفار؛ لأنَّ الدعاء فيها مستجاب، ويذكر حاجته في دعائه، الذي يدعو به تلك الليلة.