أعلام الحديث للخطابي (2/ 900)
كان عادة أكثر العرب اتخاذ الشعر على الرءوس وتوفيرها وتزييتها، وكان التسبيد والحلق فيهم قليلا، وكانوا يرون ذلك نوعا من الشهرة، وكان يشق عليهم الحلاق، فمالوا إلى القص والتقصير، فلما أمر صلى الله عليه وسلم من لا هدي معه بالإحلال في الحديث الذي تقدم ذكره، وجدوا من ذلك في أنفسهم، فقالوا: كيف نحل وقد سمينا الحج؟ وإنما الحلق بعد أن يبلغ الهدي محله، واستبطأهم في ذلك، وقال لهم: افعلوا ما آمركم به، وقال: لولا أني لبدت رأسي وسقت معي الهدي لأحللت وحلقت، فلما أحلوا كان منهم من حلق ومنهم من قصر ولم يحلق لما يجد في نفسه منه، فمن أجل ذلك سمح لهم بالدعاء بالرحمة والمغفرة، وقصر بالآخرين إلى أن استعطف عليهم وسئل في أمرهم فعمهم بالدعاء بعد. وقد كان جرى منهم يوم الحديبية نوع من هذا الصنيع، إلى أن قالت له بعض نسائه ورأته غضبان: ما لك يا رسول الله؟ فقال: كيف لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أطاع، أو كما قال. فقالت له: ابدأ أنت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحلق رأسك، فلما رأوه فعل ذلك تبادروا فاحتلق عامتهم إلا من قصر منهم، فاستحق من احتلق من الثناء أكثر ممن قصر، وقد قيل: إن هذا القول إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلق في حجته. وقد قيل: إنما جاء هذا فيمن كان لبد رأسه، فإن من لبد رأسه وجب عليه الحلق، ومن لم يفعل كان مخيرا، إن شاء حلق وإن شاء قصر.