شرح السنة للبغوي (6/ 326)
اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم عن نذر، أو قضاء عن فائت، مثل أن أفطر شهر رمضان عمدا، أو أفطر بعذر السفر أو مرض، فأقام وبرأ، وأمكنه القضاء، فلم يقض حتى مات:
فذهب قوم إلى أنه يصوم عنه وليه، وبه قال حماد، وهو قول أحمد، وإسحاق.
قال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلا كل واحد يوما، جاز.وروي عن ابن عباس أنه إن كان عليه قضاء رمضان يطعم عنه، وإن كان عليه صوم نذر، صام عنه وليه، وقيل: هذا قول أحمد، وإسحاق.
وذهب قوم إلى أنه لا يجوز لأحد أن يصوم عن أحد، كما لا يصلي أحد عن أحد، وبه قال جماعة منهم إبراهيم النخعي، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، بل يطعم عنه مكان كل يوم مسكين، وتأول بعضهم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «صام عنه وليه»، على الإطعام، معناه: إن أطعم عنه وليه، فكأنه قد صام عنه، سمي الإطعام صياما على طريق المجاز والاتساع؛ لأنه ينوب عنه، واحتجوا بما روى عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين».
واتفق عامة أهل العلم على أنه إذا أفطر بعذر سفر أو مرض، ثم لم يفرط في القضاء بأن دام عذره حتى مات، أنه لا شيء عليه غير قتادة، فإنه قال: يطعم عنه، روي ذلك عن ابن عباس، ويحكى ذلك أيضا عن طاوس.
ومن مات وعليه صلاة، فلا كفارة لها عند بعض أهل العلم، وهو قول الشافعي.
وذهب قوم إلى أنه يطعم عنه، وهو قول أصحاب الرأي، وقال قوم: يصلى عنه، روي عن عمر أنه أمر امرأة جعلت أمها على نفسها الصلاة بقباء، فقال: صل عنها، وعن ابن عباس نحوه.
شرح صحيح البخارى لابن بطال (4/ 99-101)
اختلف العلماء فيمن عليه صوم من شهر رمضان فمات قبل أن يقضيه:
فقالت طائفة: جائز أن يصام عن الميت، وهو قول طاوس، والحسن، والزهرى، وقتادة، وبه قال أبو ثور، وأهل الظاهر، واحتجوا بهذه الأحاديث التى ذكرها البخارى.
وقال أحمد بن حنبل: يصوم عنه وليه فى النذر، ويطعم عنه فى قضاء رمضان.
وذكر ابن وهب عن الليث أنه يصوم عنه وليه فى النذر.
وقال ابن عمر، وابن عباس، وعائشة: لا يصوم أحد عن أحد، وهو قول مالك، وأبى حنيفة، والشافعى، وحجة هؤلاء أن ابن عباس لم يخالف بفتواه ما رواه إلا لنسخ علمه، وكذلك روى عبد العزيز بن رفيع، عن عمرة، عن عائشة أنها قالت: (يطعم عنه فى قضاء رمضان ولا يصام عنه) ولهذا قال أحمد بن حنبل: إن معنى حديث ابن عباس فى النذر دون قضاء رمضان من أجل فتيا ابن عباس، وقد ذكر ذلك البخارى فى بعض طرق الحديث فى هذا الباب، وقال أبو داود فى حديث عائشة: معناه فى النذر.
قال ابن القصار: ومعنى الأحاديث التى احتجوا بها عندنا أن يفعل عنه وليه ما يقوم مقام الصيام، وهو الإطعام، ويستحب لهم فيصيرون كأنهم صاموا عنه.
قال المهلب: ولو جاز أن يقضى عمل البدن عن ميت قد فاته لجاز أن يصلى الناس عن الناس، ويؤمنون عنهم ولو كان سائغا لكان رسول الله أحرص الناس أن يؤمن عن عمه أبى طالب لحرصه على إدخاله فى الإسلام، والإيمان من عمل القلب،والقلب عضو من أعضاء البدن اللازم لها الأعمال، وقد أجمعت الأمة على أنه لا يؤمن أحد عن أحد، ولا يصلى أحد عن أحد.
واختلفوا فى الصوم والحج، فيجب أن يرد حكم ما اختلف فيه إلى ما اتفق عليه، قال ابن القصار: ولما لم يجز الصيام عن الشيخ الكبير فى حياته كان بعد الموت أولى من أن لا يجوز.وذهب الكوفيون والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أنه واجب أن يطعم عنه من رأس ماله وإن لم يوص، إلا أبا حنيفة فإنه قال: يسقط عنه ذلك الموت.
وقال مالك: الإطعام غير واجب على الورثة إلا أن يوصى بذلك إليهم فيكون فى ثلثه، فإن قال من أوجب الإطعام أن النبى، عليه السلام، شبهه بالدين قيل: هو حجة لنا، لأنه قال: (أفأقضيه عنها؟) ونحن نقول: قضاؤه أن يطعم عن كل يوم مسكينا. وقوله: (أرأيت لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟) ، إنما سأله هل كنت تفعل ذلك تطوعا، لأنه لا يجب عليه أن يقضى دين أمه إذا لم يكنه لها تركة.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 582)
1- قصر الحنابلة الصيام الذي يجوز قضاؤه عن الميت على صوم النذر؛ لحديث ابن عباس الآنف، ولكن عموم الحديث، ورواية حديث ابن عباس الأولى تدل على أن الميت يصوم عنه وليه في الصوم الواجب مطلقًا، سواء أكان صوم رمضان، أو صيام النذر، أو الكفارة، وهو قول جماعة من أصحاب الحديث، وأبي ثور، ورجَّحه الشيخ ابن عثيمين.
2- الأمر بالقضاء محمول على الاستحباب، كما أنه ليس خاصًا بالولي، بل كل من صام عنه فإنه يكفي، ويجزئ عنه، ولكن أولى من يتولى أداء ذلك عنه هو وارثه الذي له عليه حق البر، وهذا من أعظم البر والإحسان.