شرح صحيح البخاري لابن بطال (7/ 185)
واختلف العلماء فى الاشتراط فى الحج، فأجازه طائفة وأخذوا بهذا الحديث، فالاشتراط أن يقول عند إحرامه: لبيك اللهم بحجة أو حجة وعمرة، إلا أن يمنعنى منه ما لا أقدر معه على النهوض، فيكون محلى حيث حبستنى ولا شىء على. وممن أجاز ذلك عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى، وابن مسعود، وعمار، وابن عباس، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعروة، وعطاء، وعلقمة، وشريح، وعبيدة، وذكر ذلك ابن أبى شيبة، وعبد الرزاق، وقال به بعض أصحاب الشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وأنكر الاشتراط طائفة أخرى، وقالوا: هو باطل، روى ذلك عن ابن عمر، وعائشة، وهو قول النخعى، والحكم، وطاوس، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب مالك، والثورى، وأبو حنيفة، وقالوا: لا ينفعه اشتراط، ويمضى على إحرامه حتى يتمه، وكان ابن عمر ينكر ذلك، ويقول: أليس حسبكم سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه لم يشترط، فإن حبس أحدكم بحابس عن الحج، فليأت البيت فليطف به وبين الصفا والمروة ويحلق أو يقصر، وقد حل من كل شىء حتى يحج قابلا، ويهدى أو يصوم إن لم يجد هديا. وأنكر ذلك طاوس، وسعيد بن جبير، وهما رويا الحديث عن ابن عباس، وأنكره الزهرى، وهو روى الحديث عن عروة، وهذا كله مما يوهن الاشتراط.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 208)
اختلف العلماء في مشروعية الاشتراط عند الإحرام.
فذهب إلى استحبابه طائفة من الصحابة والتابعين، وهو مذهب الإمامين: الشافعي وأحمد، كما نصره ابن حزم في المحلى.
ودليلهم هذا الحديث الصحيح الصريح.
وذهب الإمامان: أبو حنيفة ومالك إلى عدم مشروعية الاشتراط، وعدم فائدته، فلو اشترط وحصل له عذر فليس له أن يتحلل من إحرامه، فقد كان ابن عمر ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: "أليس حسبكم سنة نبيكم "صلى الله عليه وسلم".
ذلك أنَّ الاشتراط لم يكن معروفًا عن النَّبي "صلى الله عليه وسلم"، ولا عن صحابته، عدا قضية ضباعة.
ولذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى مشروعية الاشتراط للخائف خاصة، كحال ضباعة، جمعًا بين الأدلة. وهذا هو اختيار عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله تعالى-.
الاشتراط يفيد صاحبه أمرين:
الأول: أنه إذا منعه عدوٌّ، أو مرضٌ، أو ذهاب نفقةٍ، ونحو ذلك فله التحلل.
الثاني: أنَّه متى حلَّ لعذرٍ، فلا يجب عليه البقاء في إحرامه، ولا يلزمه قضاءٌ ولا فداءٌ.
فإن اشتراطه على ربه بقوله: "فإن حبسني حابس فَمَحِلِّي حيث حبسني" إفادة الحرية المطلقة عند العذر.