شرح صحيح البخارى لابن بطال (4/ 336، 337)
قال أبو عبد الله بن صفرة: فى هذا الحديث ابتداء قطع التلبية من الغدو من منى، وآخرها رمى جمرة العقبة فى حديث الفضل وأسامة وابن مسعود عن النبى عليه السلام والذى مضى عليه جمهور العلماء من أصحاب النبى (صلى الله عليه وسلم) وأهل المدينة اختيار قطعها عند الرواح إلى عرفة؛ لأنهم فهموا أن تعجيل قطعها وتأخيره على الإباحة، يدل على ذلك ترك إنكار بعضهم على بعض، وهم فهموا السنن وتلقوها، فوجب الاقتداء بهم فى اختيارهم؛ لأنا أمرنا باتباعهم. قال الطحاوى: لا حجة لكم فى هذا الحديث؛ لأن فيه أن بعضهم كان يهل، وبعضهم كان يكبر، ولا يمنع أن يكونوا فعلوا ذلك ولهم أن يلبوا لأن للحاج فيما قبل يوم عرفة أن يكبر، وله أن يهل، وله أن يلبى، فلم يكن تكبيره وإهلاله يمنعانه من التلبية. وقال المهلب: وجه قطع التلبية عند الرواح إلى الموقف من عرفة؛ لأنه آخر السفر، وإليه منتهى الحاج، وما بعد ذلك فهو رجوع فالتكبير فيه أولى لقوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) [البقرة: 198] ، وقال: (ولتكبروا الله على ما هداكم) [البقرة: 185] فدل هذا على أن التكبير والدعاء لله عند المشعر الحرام وأيام منى أولى من التلبية؛ لأن معنى التلبية الإجابة، وإذا بلغ موضع النداء قطع التلبية، وأخذ فى الدعاء، وسأل الله حاجاته.
فتح الباري لابن رجب (9/ 30)
في هذا الحديث: دليل على أن إظهار التكبير يوم عرفة مشروع، ولو كان صاحبه محرما قاصدا عرفة للوقوف بها، مع أن شعار الإحرام التلبية.
فإذا لم ينكر عليه إظهار التكبير للمحرم الذي وظيفته إظهار التلبية، فلغير المحرم من أهل الأمصار أولى.
فهذا من أحسن ما يستدل به على استحباب إظهار التكبير يوم عرفة في الأمصار وغيرها؛ فإن يوم عرفة أول أيام العيد الخمسة لأهل الإسلام؛ ولذلك يشرع إظهار التكبير في الخروج إلى العيدين في الأمصار.
وقد روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وأبي قتادة، وعن خلق من التابعين ومن بعدهم.
سبل السلام للصنعاني (2/ 207)
الإهلال رفع الصوت بالتلبية وأول وقته من حين الإحرام إلى الشروع في الإحلال وهو في الحج إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة وفي العمرة إلى الطواف. ودل الحديث على أنه من كبر مكان التلبية فلا نكير عليه بل هو سنة لأنه يريد أنس أنهم كانوا يفعلون ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فيقر كلا على ما قاله إلا أن الحديث ورد في صفة غدوهم من منى إلى عرفات وفيه رد على من قال: يقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 667)
1 - الإهلال يكون في الحج من حين الإحرام: إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة، وفي العمرة: إلى الطواف.
2 - دل حديث أنس على أن من كبَّر مكان التلبية فلا نكير عليه، بل ظاهره أنه سنة؛ لأن أنس كان يريد أنهم كانوا يفعلون ذلك ورسول الله ﷺ فيهم، فيقر كلًا على ما قاله، إلا أن الحديث ورد في صفة غدوهم من منى إلى عرفات، وفيه رد على من قال: يقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة.