سبل السلام للصنعاني (1/ 598)
دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى فَضْلِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَأَنَّ أَفْضَلَهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ؛ لِأَنَّ لِلتَّقْدِيمِ ذِكْرًا يَدُلُّ عَلَى مَزِيَّةِ الْمُقَدَّمِ ثُمَّ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. وَقَدْ دَلَّ لِهَذَا أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَحَسَّنَ إسْنَادَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: «الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلَاةٍ وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ» وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ أُخَرُ.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (3/ 596) (7/ 149) .
1- ساق المؤلِّف -رحمه الله تعالى- هذا الحديث ليبيِّن للقارىء أنَّه لا يصح أن يقصد بالزيارة، وشد الرحال، والسفر إلاَّ هذه المساجد الثلاثة.
2- مفهوم الحديث أنَّ غيرها من البقاع لا يجوز شد الرحل إليه للعبادة، والسفر إليه؛ لأنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قصر ذلك على هذه المساجد، وأعظم ما يكون، وأشده فتنة هو شد الرحال والسفر إلى القبور، سواء كانت قبور الأنبياء، أو صالحين، أو غيرها، فإنَّ شدَّ الرحل إليها غلو في أصحابها، ووسيلة قريبة إلى الفتنة التي قد تصل إلى عبادة أهلها ودعائهم من دون الله.
3- ما زيد في هذه المساجد الثلاثة، فهو تابع لها بالمضاعفة، وحصول الثواب الأصلي منها.
4- قال في "الفروع": ظاهر كلام أصحاب الإمام أحمد، في المسجد الحرام أنَّه نفس المسجد، ومع هذا فالحرم أفضل من الحل، فالصلاة فيه أفضل، وذكر القاضي وغيره: مرادهم في التسمية لا في الأحكام، وقد يتوجه من هذا حصول المضاعفة في الحرم كنفس المسجد، وجزم به صاحب "الهدي" من أصحابنا.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: إنَّ المضاعفة والثواب تعم الحرم كله، وهو ما أدخلت الأميال.
وذكر ابن الجوزي: أنَّ الإسراءِ كان من بيت أم هانىء عند أكثر المفسرين، فعلى هذا المعنى فالمراد بالمسجد: الحرم كله.
5- وقال شيخ الإسلام: وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتَّى مسجد قباء، يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرِّحال إليه؛ ففي البخاري (1193) ومسلم (1399) عن ابن عمر قال: "كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يأتي مسجد قباء كلَّ سبتٍ ماشياً، وراكباً، وكان ابن عمر يفعله"؛ وفي لفظٍ لمسلم: "فيصلي فيه ركعتين".
6- وقال الشيخ أيضاً: اتَّفق العلماء على استحباب إتيان المساجد الثلاثة للصَّلاة ونحوها.
7- قال الشيخ: اتَّفق الأئمة على صحَّة هذا الحديث "حديث الباب" والعمل به، فلو نذر الرَّجل أنْ يصلي بمسجدٍ أو مشهد، أو يعتكف فيه، ويسافر إليه، غير الثلاثة، لم يجب عليه باتفاق الأئمة، وأمَّا السفر إلى بقعةٍ غير المساجد الثَّلاثة: فلم يوجبه أحدٌ من العلماء.
8- الحديث صريحٌ في تحريم السفر للعبادة إلى غير المساجد الثلاثة، ويعظم الإثم إذا قصد المسافر بسفره قبراً؛ ليعظِّمه، ويغلو بصاحبه، فهذا إنْ كان يعتقد أنَّ دعاء الله عنده أفضل فهو مبتدع، وإنْ كان يدعو صاحب القبر فعمله كفر.
7- وتحريم السفر إلى قبور الصالحين ونحوها من المواضع -غير هذه المساجد الثَّلاثة- هو قول محقِّقي العلماء، منهم أبو محمد الجويني، والقاضي عياض، والشيخ تقي الدِّين، وابن القيم، وابن رجب، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأبناؤه، وأحفاده، وتلاميذهم، وسائر علماء الدعوة السلفية، وهو قول علماء الحديث.
8- تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة هو منع للشرك، ووسائله المفضية إليه؛ فإنَّ الشرك لم يحدث إلاَّ من تعظيم البقاع والأمكنة التي لم يعظِّمها الله تعالى، ولم يشرع الرحلة إليها، لاسيما الأمكنة التي فيها قبور أنبياء، أو أولياء، أو علماء، ونحوهم؛ فشدُّ الرِّحال إليها وتعظيمهم هو الَّذي جرى عليه كثير من النَّاس، فأضلَّهم عن دينهم الحق إلى البدع والشرك.
9- قال شيخ الإسلام في الرَّد على الأخنائي: والقول بتحريم السفر إلى غير المساجد الثَّلاثة، وإنْ كان قبر نبينا -صلى الله عليه وسلم-، هو قول مالك، وجمهور أصحابه، وكذلك أكثر أصحاب أحمد، وأهل الحديث؛ ثمَّ قال رحمه الله: وأهل الجهل يجعلون السَّفر إلى زيارة قبر مَن يعظِّمونه، ويسافرون إليه؛ ليدعوه، ويدعو الله عنده، ويقعدون عند قبره، ويكون عليه، أو عنده مسجد بُني لأَجل القبر، فيصلون في ذلك المسجد؛ تعظيماً لصاحب القبر، وهذا ممَّا لعن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أهل الكتاب على فعله، ونهى أمَّته عن فعله؛ فقال -صلى الله عليه وسلم- في مرض موته: "لعن الله اليهود والنَّصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ممَّا صنعوا" [رواه البخاري (1390)، ومسلم (531)].
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 602).
1- وفي حديث أبي سعيد دليل على تحريم السفر لأي بقعة تقصد لذاتها بقصد التعبد فيها لاعتقاد فضلها، إلا هذه المساجد الثلاثة.
2- وأفضل المساجد للاعتكاف: المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى؛ ثم بعد المساجد الثلاثة: الأفضل للمسلم الذي تجب عليه الجمعة أن يعتكف في المسجد الجامع إذا تخلل اعتكافه جمعة، وذلك لئلا يحوجه ذلك إلى الخروج إليها.