معالم السنن للخطابي (3/ 140)
وقوله: لا يحل سلف وبيع فهو من نوع ما تقدم بيانه فيما مضى عن نهيه عن بيعتين في بيعة، وذلك مثل أن يقول له: أبيعك هذا العبد بخمسين دينارًا على أن تسلفني ألف درهم في متاع أبيعه منك إلى أجل أو يقول: أبيعكه بكذا على أن تقرضي ألف درهم، ويكون معنى السلف القرض، وذلك فاسد؛ لأنه إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن فيدخل الثمن في حد الجهالة، ولأن كل قرض جَرَّ منفعة فهو ربا.
وأما ربح ما لم يُضمَن: فهو أن يبيعه سلعة قد اشتراها، ولم يكن قبضها فهي من ضمان البائع الأول، ليس من ضمانه، فهذا لا يجوز بيعه حتى يقبضه فيكون من ضمانه.
وقوله: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» فقد فسرناه قبل.
وأما قوله: «وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ» فإنه بمنزلة بيعتين وهو أن يقول بعتك هذا الثوب نقدًا بدينار ونسيئة بدينارين فهذا بيع واحد تضمن شرطين يختلف المقصود منه باختلافهما وهو الثمن، ويدخله الغرر والجهالة ولا فرق في مثل هذا بين شرط واحد وبين شرطين أو شروط ذات عدد في مذاهب أكثر العلماء.
وفرَّق أحمد بن حنبل بين شرط واحد وبين شرطين اثنين فقال: إذا اشترى منه ثوبًا واشترط قصارته صح البيع، فإن شرط عليه مع القصارة الخياطة فسد البيع، قال الشيخ: ولا فرق بين أن يشترط عليه شيئًا واحدًا أو شيئين؛ لأن العلة في ذلك كله واحدة، وذلك لأنه إذا قال: بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم على أن تقصره لي. فإن العشرة التي هي الثمن تنقسم على الثوب وعلى أجرة القصارة فلا يدري حينئذ كم حصة الثوب من حصة الإجارة، وإذا صار الثمن مجهولًا بطل البيع. وكذلك هذا في الشرطين وأكثر. وكل عقد جمع تجارة وإجارة فسبيله في الفساد هذا السبيل، وفي معناه أن تبتاع منه قفيز حنطة بعشرة دراهم على أن يطحنه. أو أن تشتري منه حِمل حطب على أن ينقله إلى منزله وما أشبه ذلك مما يجمع بيعًا وإجارة.
البدرُ التمام شرح بلوغ المرام (6/ 76)
قوله: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ». هو حيث يريد الشخص أن يشتري سلعة بأكثر من ثمنها لأجل النساء وعنده أن ذلك لا يجوز، فيحتال بأن يستقرض الثمن من البائع ليعجله إليه حيلة، وكلتا الصورتين مُحرَّم والعقد فيهما فاسد.
وقوله: "ولا شرطان في بيع". اختُلِف في تفسير ذلك؛ فقال أبو حنيفة وزيد بن علي: هو أن يقول: بعت هذا نقدًا بكذا، وبكذا نسيئة. وقال أبو العباس: هو أن يشترط البائع ألا يبيع المشتري السلعة ولا يهبها. وقيل: هو أن يقول: بعتك هذه السلعة بكذا على أن تبيعني السلعة الفلانية بكذا. كذا ذكره الإمام المهدي في "الغيث"، والأول أقرب إلى لفظ الحديث.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (2/ 11).
1 - وفي حديث عمرو بن شعيب دليل على أنه لا يجوز الجمع بين بيع بشرط القرض، وهذا متفق عليه بين الفقهاء، قال ابن القيم: (وأما السلف والبيع: فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة: فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك).
2- وفيه أنه لا يجوز اشتراط شرطين مع بيع واحد، والجمهور على أن معناه أنه لو شرط البائع سكنى الدار شهرًا، وشرط شرطًا آخر كسكنى الدكان أيضًا سنة، فالشـرط غير صحيح ويبطل البيع، وكذلك لو شرط المشتري على البائع حمل الحطب وتكسيره جميعًا، فإنه لا يصح ويبطل البيع. والصحيح جواز الجمع بين شرطين، أو أكثر حسب ما يتفقان عليه، والحديث لا يدل على هذا بوجه من الوجوه، وإنما المراد بقول النبي ﷺ: «ولا شرطان في بيع»: الشرطان اللذان يلزم منهما محذور شرعي، وهذا الجمع بين شرطين فيما ذكر لا يلزم منه محذور شرعي، كالجهل، والظلم، والربا، وما أشبه ذلك.
3- وفيه أنه لا يجوز ربح ما لم يضمن، وذلك بأن يبيعه سلعة قد اشتراها ولم يكن قبضها بربح، فلا يصح البيع، ولا يحل الربح؛ لأنها في ضمان البائع الأول، وليست من ضمان الثاني، فربحها وخسارتها على الأول.
4- ودلَّت الرواية الأخرى على عدم جواز الجمع بين بيع وشرط، وهو محمول عند الجمهور -الحنفية والمالكية والشافعية- على شرط ينافي مقتضى البيع، أو لا يلائمه، أو ليس من مصلحته. وأما الحنابلة فضعَّفوا الحديث، وقالوا: إنما نهى عن شرطين في بيع، ومفهومه إباحة الشرط الواحد، إذا كان فيه منفعة معلومة، ولجميعهم في ذلك تفاصيل أخرى.
5- اشتراط صفة في المبيع ليس من باب الجمع بين بيع وشرط المنهي عنه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أجمع العلماء المعروفون من غير خلاف أعلمه أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه؛ كاشتراط كون العبد كاتبًا أو صانعًا، أو اشتراط طول الثوب، أو قدر الأرض ونحو ذلك: شرط صحيح).