شرح السنة للبغوي (7/ 31)
قَالَ الإِمَامُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّرُورَةَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى عَنِ الرَّجُلِ لَمْ يَحُجَّ، أَيَسْتَقْرِضُ الْحَجَّ؟ فَقَالَ: لَا، وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وَفِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الصَّرُورَةَ عَنْ غَيْرِهِ يَنْقَلِبُ عَنْ فَرْضِ نَفْسِهِ، وَهُوَ قَوْلُ هَؤُلاءِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلصَّرُورَةِ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْغَيْرِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ، وَعَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ، يَقَعُ عَنْ فَرْضِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِسْلامِ وَقَدْ نَذَرَ حَجًّا، فَأَحْرَمَ عَنِ النَّذْرِ، يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَهُ لَوْ أَحْرَمَ عَنِ التَّطَوُّعِ، يَقَعُ عَنِ النَّذْرِ.
قَالَ زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ، وَلَمْ أَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلامِ، فَقَالَ: هَذِهِ حَجَّةُ الإِسْلامِ وَفِّي بِنَذْرِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِالْحَجِّ، وَالْفَرْضُ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَالُوا: حَجُّهُ عَلَى مَا نَوَى، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ.
سبل السلام للصنعاني (1/ 609)
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَإِذَا أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ لَبَّى عَنْ شُبْرُمَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ النِّيَّةُ عَنْ غَيْرِهِ وَإِلَّا لَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيَّ فِيهِ، وَأَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ مَعَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَيَنْعَقِدُ مُطْلَقًا مَجْهُولًا مُعَلَّقًا فَجَازَ أَنْ يَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ وَيَكُونَ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ عَنْ الْغَيْرِ بَاطِلٌ؛ لِأَجْلِ النَّهْيِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَبُطْلَانُ صِفَةِ الْإِحْرَامِ لَا تُوجِبُ بُطْلَانَ أَصْلِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ مُطْلَقًا مُسْتَطِيعًا كَانَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ وَالتَّفْرِيقِ فِي حِكَايَةِ الْأَحْوَالِ دَالٌّ عَلَى الْعُمُومِ وَلِأَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ فَإِذَا أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فَرْضٌ وَالثَّانِي نَفْلٌ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ مُطَالَبٌ بِهِ وَمَعَهُ دَرَاهِمُ بِقَدْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَّا إلَى دَيْنِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا احْتَاجَ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى وَاجِبٍ عَنْهُ فَلَا يَصْرِفُهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ فِي الْمُسْتَطِيعِ وَلِذَا قِيلَ: إنَّمَا يُؤْمَرُ بِأَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَغَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فَجَازَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِظَاهِرِ عُمُومِ الْحَدِيثِ أَوْلَى.
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (3/ 353).
الأولى: الجهر بالتلبية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع هذا الرجل يلبي ولا يسمع إلا ما كان جهرًا، وهو كذلك فإن الجهر بالتلبية سنة
ومن فوائد الحديث: أن الرجل إذا حج عن غيره فإنه يصرح بذكره فيقول: "لبيك عن فلان"؛ لأن التلبية عند الإطلاق تنصرف إلى نفس الملبى حتى تقيَّد، فيقال: "لبيك عن فلان".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لطالب العلم أن يسأل في المواضع التي يكون فيها السؤال متجها، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل هذا الرجل "من شبرمة؟ "، فإذا رأيت شخصًا يفعل أمرًا تدعو الحاجة إلى السؤال عنه، فإن الأفضل أن تسأل، لا يقال: أن هذا من باب سؤال الإنسان عما لا يعنيه، لأن العالم يعنيه أحوال العباد حتى يعلمهم مما علمه الله عز وجل.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يحج الإنسان عن غيره مع قدرته عن الحج عن نفسه إذا لم يحج عن نفسه، الدليل "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة".
هل يستفاد من الحديث: أن من أحرم بنسك عن شخص ثم تبين أنه يجب أن يقدم نفسه فإنه يلزمه أن يحج عن هذا الشخص الذي أحرم بنسكه، لأنه التزمه له بإحرامه، أو تقول: أن قوله: ثم حج عن شبرمة، من باب الإباحة؛ لأنه إنما ذكر له الممنوع ثم ذكر له الجائز؟ فيه احتمال، يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوجب عليه أن يحج عن شبرمة؛ لأنه تلبس بالنسك عنه فوجب عليه أن يقضيه عنه، إذ إنه لما تلبس بالنسك كان كأنه نذره فلزمه أن يوفي به، ويحتمل أن قوله: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" من باب الإباحة والإذن، فهو لما منعه أولًا أن يحج عن شبرمة أذن له أن يحج عنه بعد أن يحج عن نفسه، وعندي أن هذا هو الأقرب ونجيب عن الأول بأن الإنسان إذا تلبس به ظنًّا منه أنه جائزة فإذا تبين أنه ليس بجائز فهو تلبس غير مشروع فلا يلزم الوفاء به.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الحج عن الغير بلا إذنه - إذن الغير -.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يبدأ بنفسه؛ لقوله: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة".
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 37)
1 - استحباب ذكر اسم المحجوج عنه في التلبية، لإقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجل على تلبيته.
2 - جواز حج الإنسان عن قريبه، سواء كان حيًّا أم ميتًا، لكن في النافلة تجوز مع قدرته على الحج وعدمها، أما في الفريضة فلا يحج عنه حتى ييأس من قيامه بالحج بنفسه.
3 - أنَّ النائب لا تجوز حجته عن غيره إلاَّ بعد أن يحج فريضة الإسلام.
4 - أنَّه لو أحرم عن غيره في هذه الحال انقلب الحج له، ومثله لو أتم الحج صارت الحجة له، لا لمن نوى النيابة عنه، فهو من الأحكام القهرية التي لا تؤثر فيها النية.
5 - أنَّ الإحرام ينعقد مع الصحة والفساد، فإن الإحرام عن الغير ممن لم يحج عن نفسه باطلٌ للنهي، ولكنه لم يؤثر في أصل عقد الإحرام، فصحت الحجة القائم بها مع اختلاف نيته وقصده.
6 - وجوب المبادرة إلى تعليم الجاهل، إذا كان متلبسًا بالعبادة على غير وجه صحيح.
7 - أنَّ المفتي إذا بيَّن للجاهل خطأ ما هو عليه، فلابُدَّ أن يبين له الطريقة الصحيحة في عمله الذي أخطأ فيه.
8 - الحج عمل من شرطه أن يكون قربة لفاعله، فلا يجوز الاستئجار عليه كغيره من القرب، فإذا كان هذا العمل إنما يعمل للدنيا ولأجل العوض الذي أخذه، لم يكن حجه عبادة لله، وإنما تقع النيابة المحضة فيمن غرضه نفع أخيه المسلم، لرحمٍ بينهما، أو صداقةٍ، أو غير ذلك، وله قصد أن يحج بيت الله الحرام، ويزور تلك المشاعر العظام، فيكون حجه لله، فيقام مقام المتسبب.
9 - قال العلماء: يستحب أن يحج عن أبويه إن كانا ميتين، أو عاجزين؛ لحديث زيد بن أرقم: "إذا حجَّ الرجل عن والديه تقبل عنه وعنهما، واستبشرت أرواحهما في السماء، وكتب عند الله برًّا". رواه الدارقطني (2/ 259)، ولا نزاع في وصول ثوابه إليهما.