شرح صحيح البخاري لابن بطال (4/ 137).
قال ابن المنذر: واختلف العلماء فى صيامها، فروى عن ابن الزبير أنه كان يصومها، وعن الأسود بن يزيد مثله، وقال أنس: كان أبو طلحة قل ما رأيته يفطر إلا يوم فطر أو أضحى، وكذلك كان ابن سيرين يصوم الدهر غير هذين اليومين، وكان مالك والشافعى يكرهان صوم أيام التشريق إلا للمتمتع الذى لا يجد الهدى، فيصوم هذه الثلاثة الأيام؛ لأنها فى الحج إذا لم يصمها فى العشر على ما جاء عن عائشة وابن عمر، وروى ذلك عن عبيد ابن عمير وعروة، وهو قول الأوزاعى وإسحاق، ذكره ابن المنذر. وذكر الطحاوى أن هؤلاء أباحوا صيام أيام التشريق للمتمتع والقارن والمحصر إذا لم يجد هديًا ولم يكونوا صاموا قبل ذلك، ومنعوا منها من سواهم، وخالفهم آخرون فقالوا: ليس هؤلاء ولا لغيرهم من الناس أن صوموا هذه الأيام عن شىء من ذلك، ولا عن كفارة، ولا فى تطوع؛ لنهى النبى عليه السلام عن ذلك، ولكن على المتمتع والقارن الهدى لتمتعهما وقرانهما، وهدى آخر؛ لأنهما حلا بغير صوم، هذا قول الكوفيين، وهو أحد قولى الشافعى، وذكر ابن المنذر عن على بن أبى طالب أن المتمتع إذا لم يجد الهدى، ولم يصم الثلاثة الأيام فى العشر، يصومها بعد أيام التشريق، وهو قول الحسن وعطاء، واحتج الكوفيون بما روى إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه، عن جده قال: (أمرنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أنادى أيام منى أنها أيام أكل وشرب، ولا صوم فيها) يعنى أيام التشريق، وروته عائشة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن حذافة، وأبو هريرة كلهم عن النبى عليه السلام فلما تواترت هذه الآثار بالنهى عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنى والحاج مقيمون بها، وفيهم المتمتعون والقارنون ولم يستثن منهم أحدًا، دخل فى ذلك المتمتعون والقارنون وغيرهم، قال ابن القصار: ومن حجة مالك قوله تعالى: (فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ) [البقرة: 196] ، ولا خلاف بين العلماء أن هذه الآية نزلت يوم التروية، وهو الثامن من ذى الحجة، فعلم أنه أباح لهم صومها، وأنهم صاموا فيها؛ لأن الذى بقى من العشر الثامن والتاسع، والثامن الذى نزلت فيه الآية لا يصح صومه؛ لأنه يحتاج إلى تبييت من الليل، والعاشر يوم النحر، والإجماع أنه لا يصام، فعلم أنهم صاموا بعد ذلك. وقول ابن عمر وعائشة: (لم يرخص فى أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى) يرفع الإشكال فى ذلك، قال المهلب: ومن حجة مالك أيضًا قول عمر بن الخطاب فى يوم الفطر والنحر: (هذان يومان نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم والآخر يوم تاكلون فيه من نسككم)، فخص اليومين بالنهى، وبقيت أيام التشريق مباحة، فأما قوله عليه السلام: (فإنها أيام أكل وشرب) فإنما يختص بذلك من لم يكن عليه صوم واجب، فعلى هذا تتفق الأحاديث، وفى إباحة صيامها للمتمتع حجة لمالك فيما ترجح قوله فيه فيمن يبتدئ صوم الظهار فى ذى القعدة، وقال: عسى أن يجزئه إن نسى أو غفل إذا أفطر يوم النحر وصام أيام التشريق، ثم وصل اليوم الذى أفطره، رجوت أن يجزئه، ويبتدئه أحب إلى، وإنما قال ذلك؛ لأن صوم المتمع صوم واجب، وإنما ينهى عن صيامها من ليس عليه صوم واجب، وقال غير واحد عن مالك: إن اليوم الرابع لم يختلف قوله فيه، ولا يصام تطوعًا، وقال ابن المنذر: مذهب ابن عمر فى صيام هذه الثلاثة الأيام من حين يحرم بالحج وآخرها يوم عرفة، وهذا معنى قول البخارى عن ابن عمر: (الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة) . قال ابن المنذر: وجماعة الفقهاء لا يختلفون فى جواز صيامها بعد الإجرام بالحج، إلا عطاء فإنه قال: إن صامهن حلالاً أجزأه، وهو قول أحمد بن حنبل، قال أبو بكر: لا يجب الصوم على المتمتع إلا بعد الإحرام، فمن صام قبل ذلك كان تطوعًا، ولا يجزئه عن فرضه، وفى قوله تعالى: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ) [البقرة: 296] أبين البيان أنه لا يجزئه صيامها فى غير الحج، وهذا يرد أيضًا ما روى عن على والحسن وعطاء.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (3/ 547).
اختلف العلماء في صيام أيام التشريق، على ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّه لا يصح صومهن، إلَاّ عن صوم التمتع والقِران لعادم الهدي.
الثاني: لا يصح صومهنَّ مطلقًا، لا عن تمتع، ولا قِران، ولا غيره.
الثالث: جواز صومهن للتمتع والقِران، وكل صوم له سبب كنذر وكفارة، دون ما لاسبب له، فلا يصح.
والصحيح من هذه الأقوال: أنَّ صومهن محرَّم، لا يصح إلَاّ للتمتع والقِران إذا عدم الهدي، فإنَّه يجوز له صوم أيام التشريق الثلاثة؛ لحديث الباب الذي معنا.
قال النووي: والأرجح في الدليل صحتها للتمتع، وجوازها له؛ لأنَّ الحديث في الترخيص له صحيح، وهو صريح في ذلك، فلا عدول عنه.