فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (3/ 591)
1- تحريم التفريق بين ذوي الرحم في البيع وهو من كبائر الذنوب لوجود الوعيد على ذلك، وكبائر الذنوب كل ما فيه وعيد خاص سواء كان هذا الوعيد بالنار أو الغضب أو اللعنة أو البراءة منه أو نقي الإيمان أو نفي الإسلام أو غير ذلك، وكذلك كل ما فيه عقوبة خاصة من قبل الشرع في الدنيا فإنه من كبائر الذنوب، مثل الزنا واللواط وغيرها، وما ليس كذلك وإنما فيه النهي أو التحريم أو نفي الحل فإن ذلك ليس من كبائر الذنوب.
هل يقاس على الوالدة العمة والخالة؟ إذا نظرنا إلى حديث علي قلنا: إنها تقاس العمة والخالة؛ لأن في حديث على تحريم التفريق بين الأخوين، وأخذ العلماء من هذا والذي قبله قاعدة، وقالوا: لا يجوز التفريق بين ذوي الرحم في البيع، وإذا قلنا: ما هو الضابط؟ فالضابط أنه لو قُدِّر أن أحدهما ذكر لم يحل أن يتزوج الآخر لقرابته منه فإنه لا يجوز التفريق بينهما، فالعمة وابن أخيها لا يجوز التفريق بينهما؛ لأنه لا يحل التناكح بينهما وابن العم وابن عمه يجوز التفريق بينهما، لماذا؟ لأنه لو كان أحدهما أنثى لجاز أن يتزوجه الآخر، أم وابنتها من رضاع يجوز؛ لأن العلة ليست الرحم ولكن الرضاع.
نعود إلى القاعدة فنقول: كل مملوكين لو قدر أن أحدهما ذكر لم يحل للآخر أن يتزوجه للقرابة فإنه لا يجوز التفريق بينهما، فإن وقع التفريق فالواجب رد البيع، كما يدل عليه حديث علي بن أبي طالب.
2- رحمة الله عز وجل بعباده؛ حيث حرَّم التفريق بين ذوي الرحم؛ لأنه لا شك أنه يلحق ذوي الرحم بهذا التفريق من التعب والمشقة، ولاسيما بين الأم وولدها ما لا يحتمل أحيانًا، فمن رحمة الله أن حرم التفريق بينهما.
3- إن الرقة والرحمة التي تكون بينهما -في الغالب- تزول، ولهذا لا تجد الرقة والحنان والرأفة الذي في قلب الأم لولدها في حال صغره مساوية لذلك فيما إذا كبر، فنقول: متى كان هذا الغلام محتاجًا إلى الأم لولدها في حال صغره مساوية لذلك فيما إذا كبر؟ فمتى كان هذا الغلام محتاجا إلى أمه أو إلى أخيه أو إلى عمه والرأفة والحنان باق، فإنه لا يجوز التفريق وأما بعد البلوغ واستقلال كل واحد منهما بنفسه، فإنه لا يحرم التفريق.
وهذا التفريق في البيع خاصة أو حتى في العتق؟ الجواب: في البيع خاصة، أما في العتق فيجوز أن يعتق الأم ويدع الولد، أو يعتق الولد ويدع الأم؛ لأنه لا ضرر في هذا؛ إذ إن الحر يملك نفسه، فإذا أعتقه فبإمكانه أن يرجع إلى أمه ويبقى معها؛ لأنه ليس ملكًا لأحد.
وهل يشمل الحديث التفريق بين الوالدة وولدها من البهائم؟ قال بعض العلماء بالعموم، وأنه لا يجوز أن يبيع السخلة دون أمها ولا أم السلخة دون السخلة، ولكن هذا فيه نظر؛ إذ هل نقول: لا تذبح الأم دون السخلة ولا السخلة دون الأم وهذا لا شك أنه خلاف ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والصواب: أن هذا خاص في بني آدم فقط، وأما البهائم فلا بأس، لكن يمنع من أن يذبحها أمام أمها.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 323)
1 - الحديث يدل على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها من الأرقاء، سواء كان ذلك عن طريق البيع، أو إزالة الملك بغيره.
2 - عموم الحديث يفيد تحريم التفريق بينهما، ولو بعد البلوغ، قال في شرح الإقناع: يحرم، ولا يصح أن يفرق بين ذي رحم ببيع، أو قسمة، أو هبة، أو نحوها، ولو بعد البلوغ؛ لعموم حديث أبي أيوب، فألحقوا ذوي الأرحام بالوالدة والولد، وبعض العلماء قصر تحريم التفريق على ما في النص، ولم يعده إلى غيره.