شرح صحيح البخاري لابن بطال (4/ 514)
اختلفوا إذا احتاج إلى لبس الخفين عند عدم النعلين وقطعهما. فقال مالك والشافعى: لا فدية عليه، وأخذا بحديث ابن عمر، وقال أبو حنيفة: عليه الفدية. وهذا مخالف للحديث، واحتج أصحابه وقالوا: إن النبى عليه السلام أباح له لباس السراويل عند عدم الإزار، وذلك يوجب فيه الفدية. فقال ابن القصار: الفرق بينهما أن الخف أمر بقطعه حتى لا يصير فى معنى النعلين التى لا فدية فى لبسهما، والسراويل لم يمر بفتقه لئلا تنكشف عورته، فبقى فى حكم القميص المخيط، ولو أمر بفتقه لصار فى معنى الخف إذا قطع. قال ابن القصار: والحجة لمالك قوله عليه السلام: (وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين) ولو وجبت الفدية مع قطعهما وتركهما لم يكن لقطعهما فائدة؛ لأنه إتلاف من غير فائدة، وإنما قطعهما ليصيرا فى معنى النعلين حتى لا تجب فدية، ولا يدخل النقص فيجبر بالفدية، ولو وجبت الفدية بلبسه بعد القطع كما تجب بلبسه قبل القطع لم يأمر عليه السلام بالقطع؛ لأن لبسه بعد القطع كلبسه قبله، فلما جوز له لبسه بعد القطع ولم يجوزه قبله؛ علم أنه إذا لبسه بعد القطع كان مخالفا لحكمه إذا لبسه قبل القطع فى الفدية.
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1 /636)
- وفي حديث ابن عباس دليل على أن من محظورات الإحرام: لُبْس المخيط للرجال أثناء الإحرام، وهو مجمع عليه، وليس المراد من المخيط ما فيه خيط، وإنما المخيط: المفصَّل على قدر البدن أو العضو بحيث يحيط به ويستمسك عليه بنفسه، سواء كان بخياطة أو غيرها، مثل القميص والسراويل وما أشبهه.
- ولا بد في المخيط من اللُّبس، فلو اتَّزر بالقميص مثلًا، فإنه لا يعد محظورًا.
- قال شيخ الإسلام: والسنة أن يحرم في إزارٍ ورداءٍ سواء كانا مخيطين أو غير مخيطين، باتفاق الأئمة، ولو أحرم في غيرهما جاز إذا كان مما يجوز لبسه، وكذلك يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء، ولا يلبس ما كان في معنى السـراويل: كالتبان -سروال قصير- ونحوه.
- جاء في الحديث أنه يستثنى مما يحرم لُبسه شيئان:
الأول: لبس الخفين لمن لا يجد النعلين، وفي حديث ابن عباس عدم اشتراط القطع، وهو ما ذهب إليه الحنابلة، وجاء في حديث ابن عمر القطع أسفل من الكعبين، واشتراط أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين هو مذهب الجمهور .
الثاني: للمحرم أن يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار إلى أن يجده بقدرته على شرائه، أو يجده بعد ضياع، ونحو ذلك، قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن للمحرم أن يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، والخفين إذا لم يجد نعلين.
- وظاهر إذن النبي ﷺ في حديث ابن عباس عدم إيجاب الفدية عليه إذا لبس السـراويل عند عدم وجود الإزار، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة .