عمدة القاري للعيني (9/ 122، 126)
والإستطاعة هِيَ: الزَّاد وَالرَّاحِلَة وتخلية الطَّرِيق، وَعَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (السَّبِيل: الزَّاد والرحلة) ، رَوَاهُ الْحَاكِم، ثمَّ قَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَالْحسن وَمُجاهد وَعَطَاء وَسَعِيد بن جُبَير وَالربيع بن أنس وَقَتَادَة نَحْو ذَلِك
حَدِيث الزَّاد وَالرَّاحِلَة رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غير وَجه، مِنْهَا صَحِيح وَمِنْهَا حسن.
فَإِن قلت: قَالَ ابْن حزم: الْأَخْبَار فِي ذَلِك فِي أَحدهَا إِبْرَاهِيم الْجَوْزِيّ وَهُوَ سَاقِط مطروح، وَفِي الثَّانِي: الْحَارِث الْأَعْوَر، وَهُوَ مَذْكُور بِالْكَذِبِ. وَالثَّالِث: مُرْسل وَلَا حجَّة فِيهِ، وَالرِّوَايَات فِي ذَلِك عَن الصَّحَابَة واهية كلهَا، وَتَبعهُ على ذَلِك ابْن الْعَرَبِيّ وَغَيره، وَقَالَ أَبُو عمر: رُوِيَ ذَلِك من وُجُوه مِنْهَا: مُرْسلَة. وَمِنْهَا: ضَعِيفَة، وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن حَدِيث أنس الَّذِي مضى ذكره فِي أول بَاب وجوب الْحَج أخرجه الْحَاكِم على شَرط مُسلم وَهُوَ حَدِيث صَحِيح. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ، وَذكر رِوَايَة حَمَّاد وَسَعِيد: لَا أرى إلاَّ وهما لِأَن ابْن أبي عرُوبَة روى عَن قَتَادَة عَن الْحسن مُرْسلا وَهُوَ الْمَحْفُوظ، وَكَذَا رَوَاهُ يُونُس بن عبيد. قلت: هَذَا ظن مِنْهُ وتوهم من غير جزم، وَالظَّن لَا تضعف بِهِ الْأَحَادِيث وَلَا تقوى. وَقَوله: وَكَذَا رَوَاهُ يُونُس غير موجه لِأَن الدَّارَقُطْنِيّ روى من حَدِيث حُصَيْن بن مُخَارق عَنهُ عَن الْحسن عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الحَدِيث مُسْندًا بِلَفْظ: (يَا رَسُول الله! مَا السَّبِيل؟ قَالَ: الزَّاد وَالرَّاحِلَة) . فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْمُنْذر: الحَدِيث الَّذِي فِيهِ ذكر الزَّاد وَالرَّاحِلَة لَيْسَ بِمُتَّصِل؟ قلت: الحَدِيث الَّذِي ذَكرْنَاهُ مُتَّصِل. فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْمُنْذر أَيْضا: وَالدَّلِيل على عدم اعْتِبَار الرَّاحِلَة حَدِيث: (لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي) ، فَجعل صِحَة الْجِسْم مُسَاوِيَة للغنى، فَسقط قَول من اعْتبر الرَّاحِلَة؟ قلت: لَا نسلم ذَلِك، فَإِن الحَدِيث مُفَسّر للاستطاعة فِي الْآيَة، وَهُوَ مُبين عَن الله تَعَالَى: فَإِن قلت: قَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: لَو أَن رجلا كَانَ فِي مَوضِع يُمكنهُ الْمَشْي إِلَى الْحَج وَهُوَ لَا يملك رَاحِلَة لوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَج لِأَنَّهُ مستطيع إِلَيْهِ سَبِيلا. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن الِاسْتِطَاعَة فسرت بالزاد وَالرَّاحِلَة. فَإِن قلت: مَا رُوِيَ عَن السّلف فِي ذَلِك أَن السَّبِيل الزَّاد وَالرَّاحِلَة، وَإِنَّمَا أَرَادوا بِهِ التَّغْلِيظ على من ملك هَذَا الْمِقْدَار وَلم يحجّ قلت: لَا نسلم ذَلِك، بل أَرَادوا بِهِ التشريع؟
سبل السلام للصنعاني (1/ 603)
للحديث طُرُقٌ عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا ضَعِيفَةٌ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: طُرُقُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ مُسْنَدًا وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ الْمُرْسَلَةِ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ فَالزَّادُ شَرْطٌ مُطْلَقًا وَالرَّاحِلَةُ لِمَنْ دَارُهُ عَلَى مَسَافَةٍ، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بَعْدَ سَرْدِهِ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ. فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُسْنَدَةٌ مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ وَمُرْسَلَةٌ وَمَوْقُوفَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنَاطَ الْوُجُوبِ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَقْدِرُونَ عَلَى الْمَشْيِ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي الْحَجِّ (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) [آل عمران: 97] إمَّا أَنْ يَعْنِيَ الْقُدْرَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْمُكْنَةِ أَوْ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَوَّلُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى هَذَا التَّقْيِيدِ كَمَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ فِي آيَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قَدْرٌ زَائِدٌ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ هُوَ إلَّا الْمَالُ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلَى مَسَافَةٍ فَافْتَقَرَ وُجُوبُهَا إلَى مِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ كَالْجِهَادِ، وَدَلِيلُ الْأَصْلِ قَوْلُهُ (وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) [التوبة: 91] إلَى قَوْلِهِ (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ) [التوبة: 92] الْآيَةَ. انْتَهَى.
وَذَهَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ إلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ هِيَ الصِّحَّةُ لَا غَيْرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة: 197] فَإِنَّهُ فَسَّرَ الزَّادَ بِالتَّقْوَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الْآيَةِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ سَبَبُ نُزُولِهَا. وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالزَّادِ الْحَقِيقَةُ وَهُوَ وَإِنْ ضَعُفَتْ طُرُقُهُ فَكَثْرَتُهَا تَشُدُّ ضَعْفَهُ وَالْمُرَادُ بِهِ كِفَايَةٌ فَاضِلَةٌ عَنْ كِفَايَةِ مَنْ يَعُولُ حَتَّى يَعُودَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَيُجْزِئُ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ حَرَامًا وَيَأْثَمُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يُجْزِئُ.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 17)
1 - قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: 97] فقد أناط تعالى وجوب الحج باستطاعة السبيل، فسأل بعضُ الصّحابة النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن السبيل في هذه الآية، ففسَّره بالزاد والراحلة.
2 - من وجد الزاد والراحلة وجب عليه الحج، ومن لم يجد فلا يجب عليه.
3 - ما تقدم هو شرط الاستطاعة، فإن كملت أداة الاستطاعة، ولكن حصل مانع آخر فإن كان ميؤوسًا من زواله، كمرض ميؤوس منه، أو شيخوخة، أو أيست المرأة من حصول المحرم أنابوا من يحج عنهم، وإن كان المانع مرجوَّ الزَّوال -كمرض مأمول الشفاء منه، أو كخوف الطريق- بقي منتظرًا حتى يزول، ثم إذا زال بادر بأداء الفريضة، إذا كان لا يزال مستطيعًا.
4 - قال الفقهاء: والقادر مَنْ وجد زادًا وراحلة صالحين لمثله بعد قضاء الواجبات من الديون الحالَّة والمؤجلة، والزكوات، والكفارات، والنذور، وبعض النفقات الشرعية له ولأهله، إلى أن يعود بلا خوف.
* فائدة:
قال شيخ الإسلام: من اغتصب مركوبًا، أو اشتراه بمال مغصوب، وحج عليه فإنَّه يجب عليه أن يعوض صاحبه إذا أمكن، وإلاَّ تصدَّق بقدر قيمة الثمن عنه، وقد طاب حجه، وينبغي أن يعد لحجه وعمرته نفقة طيبة من حلال، لما صحَّ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "إنَّ الله طيبب لا يقبل إلاَّ طيباً" [رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1686)].
خلاصة الكلام في شرح بلوغ المرام (1/ 615- 616).
1 - تنقسم شروط وجوب الحج بحسب الأحاديث السابقة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شروط وجوب وصحة، وهما شرطان: الإسلام، والعقل، فلا يجب أداء الحج على كافر -مع أنه مخاطب به ومحاسب عليه- ولا على مجنون، ولا يصح منهما.
القسم الثاني: شروط وجوب وإجزاء، وهما شرطان أيضا: البلوغ، والحرية، وليسا شرطين للصحة، فلو حج الصبي والعبد صَحَّ حجهما، ولكن لم يجزئهما عن حجة الإسلام.
القسم الثالث: شرط وجوب فقط، يعني ليس شرطًا في الصحة، ولا شرطًا في الإجزاء، ويندرج تحته:
أ - الزوج أو المحرم للمرأة: يشترط أن يصحب المرأة في سفر الحج زوجها أو محرم منها، إذا كانت المسافة بينها وبين مكة ثلاثة أيام، وهي مسيرة القصر في السفر، وإلى هذا ذهب الحنفية والحنابلة، وتوسع الشافعية والمالكية فسوغوا الاستبدال بالمحرم، إن وجدت المرأة نسوة ثقات، أو رفقة مأمونة، واختار شيخ الإسلام جواز سفر المرأة لحج الفريضة دون محرم -إن عُدم- إذا أمنت على نفسها، وقال: وهذا متوجه في سفر كل طاعة.
ب - الاستطاعة وهي أربع خصال: القدرة على الزاد وآلة الركوب، وصحة البدن، وأمن الطريق، وإمكان السير فغير المستطيع لا يجب عليه الحج، وإذا تكلف الحج، فإنه يصح منه، ويجزئ عنه.
2 - في حديث أنس اشتراط الاستطاعة في وجوب الحج، وأن من لم يقدر على الحج فلا حج عليه، قال شيخ الإسلام: (الحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلًا، بنصِّ القرآن والسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين).
3 - وفيه بيان المراد من السبيل بأنه الزاد والراحلة، وهذا هو قول الجمهور، فمناط الوجوب وجود المال، فمن وجد المال وجب عليه الحج بنفسه أو بنائبه، ومن لم يجد المال لم يجب عليه الحج وإن كان قادرًا ببدنه.