الحمد لله المتفرد بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، القائم على كل النفوس بآجالها، العالِم بتقلبها وأحوالها، أحمده سبحانه وأشكره، نفذت في خلقه مشيئته، ومضت فيهم إرادته، فهم على أقدارهم يمشون، وبما تيسر لهم من الأعمال يعملون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أكمل به الدين وأظهره على جميع الأديان، صلى الله وسلم وبارك عليه ما تعاقب الجديدان، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد:
فيا أيّها المسلمون: اتَّقوا الله فإنَّ تقواه أفضلُ مكتسَب وطاعتَه أعلى نَسَبٍ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
أيّها المسلِمون: المساجِدُ بيوتُ الله، بُنِيت جُدُرها ورفِعَت قواعدها على اسمه وحدَه لا شريك له، يُعبَد فيها ويوحَّد، ويعظم فيها ويمجَّد، ويركَعُ له فيها ويُسجَد، ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن:18].
أذِنَ الله برَفعِها وعِمارتها، وأمَرَ ببنائها وصِيانَتِها، ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ [النور:36]. بِناؤها من أعظم القُرَب لمن أخلص لله واحتَسَب، فعَن عثمانَ قال: سمعتُ رسولَ الله يقول: «مَن بَنَى لله مَسجدًا يَبتغِي به وجهَ الله بَنى الله له بيتًا في الجنة»[1].
أمَرَ الشارع بتطهِيرِها وتنظيفِها وتنزيهِهَا وتطيِيبِها، فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: أمَرَ رسول الله ببناء المساجِدِ في الدور يعني: في القبائل وأن تُنَظَّف وتُطَيَّب.[2]
هِي أحبُّ البقاع وأطهر الأصقاع، فعن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله قال: «أحَبّ البلاد إلى الله تعالى مساجدُها، وأبغَضُ البلاد إلى الله أسواقُها»[3].
ولِعظيمِ فضلها وشريفِ مكانتها شُرِع لقاصدها من الآداب والسنَن والأحكام ما يحسُن التنبيهُ عليه؛ رعاية لحرمتها وتذكيرًا بحقِّها.
أيّها المسلمون: يُستَحَبُّ لقاصِدِ المسجد أن يتجمَّل لصلاتِه بما يستطيع من ثيابِه وطيبِه وسِواكه، قال جل في علاه: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف:31]، وعن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: «إذا صلَّى أحدُكم فليلبَس ثوبَيه، فإنَّ الله أحقُّ مَن يُتزيَّن له»[4]
ولا يجوز أن يصلِّيَ في ثوبٍ رقيق يَشفّ عنه أو ضيّقٍ يكشف عن عورته أو قصيرٍ ينحسـر عن سَوأته، وتحرُم صلاته في ثوبٍ فيه صورة أو ثوبٍ مسبِل، فعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله يقول: «من أسبل إزارَه في صلاتِه خُيلاءَ فليس مِنَ الله جلّ ذِكرُه في حلٍّ ولا حَرام»[5]
وعلى المصلِّي اجتنابُ الروائحِ الكريهة في ملبسِه ومأكله، فلا يؤذِي إخوانه المصلين ببخَر فمِه وقَذَر أنفِه وطَفَسِ ريقِه وسهكِ عرقه ونَتَن رائحته، فعن جابر أنَّ رسول الله قال: «مَن أكَلَ البصلَ والثومَ والكرّات فلا يقربنَّ مسجدنا؛ فإنَّ الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم»[6]، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الناس ينتابون الجمعةَ من منازلهم ومن العَوالي، فيأتون في العباء، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح، فأتى رسولَ الله إنسانٌ منهم وهو عندي، فقال رسول الله: «لو أنكم تطهَّرتم ليومِكم هذا»[7]. فأكرِم بعبدٍ يأتي بيوتَ الله مُتطهِّرًا مُتنظِّفًا، تفوح رائحته طيبًا وقَطرًا وتسطَع أرجًا ونشرا وتتضوّع عُودًا وعَرفا.
ويخرج المسلم إلى المسلم للصلاة بسكينة ووقار، ويقارب خُطاه، ويقول ما وردَ، ولا يشبِّك أصابعَه، وإن سمع الإقامةَ لم يسعَ إليها، فعن أبي هريرَةَ قال: قال رسول الله: «إذا سمعتمُ الإقامةَ فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقارِ، ولا تسـرِعوا، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتَكم فأتمّوا»[8].
ويستَحَبّ التبكير والتهجير إليها، فعن أبي هريرةَ أن رسولَ الله قال: «لو يعلَم الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأول ثم لم يجِدوا إلا أن يستهِموا عليه لاستَهَموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتَمَة والصبح لأتوهما ولو حبوًا»[9].
ويقدِّم رجلَه اليمنى عند دخولِ المسجد، ويسلِّم على النبيِّ محمَّد، ويقول: «اللّهمّ افتح لي أبوابَ رحمتك»، وإذا خرَج سلَّم على النبيِّ وقال: «اللّهمّ افتح لي أبواب فضلك، أو: اللّهمّ أجِرني من الشيطان الرجيم».
ولا يجلِسُ حتى يصّلِيَ تحيّةَ المسجد ركعتين، فعن أبي قتادةَ أنَّ رسولَ الله قال: «إذا دخل أحدُكم المسجدَ فليركع ركعتين قبل أن يجلِس»[10]. ومَن دَخَل يومَ الجمعة والإمامُ يخطُب فلا يجلِس حتى يصّلِيَ ركعتين في أصحِّ قولي العلماء، يخفِّفهما ويتجوَّز فيهما، فعن جابرٍ قال: جاءَ سُليكٌ الغطفانيّ يومَ الجمعة ورسول الله يخطب فجلس، فقال له النبيّ: «يا سُلَيك، قم فاركع ركعتين وتجوَّز فيهما»، ثمّ قال: «إذا جاء أحدكم يومَ الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتَين وليتجوَّز فيهما»[11]. ومَن دخَل يومَ الجمُعةِ والمؤذِّن يؤذن الأذانَ الثاني فليُبادر بصلاةِ تحية المسجد، ولا ينتظر المؤذّنَ حتى ينتهيَ؛ لأنَّ ذلك يفضي إلى أن يشرَع في تحيّة المسجد والإمامُ يخطب والإنصاتُ للخطبة واجب.
وإذا أقيمَت الصّلاةُ فيحرُم على المصلّي أن يشـرَعَ في نافلةٍ أو سنّة راتبة في أصحّ قولي العلماء؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: «إذا أقِيمَت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبة»[12].
ومِن اختلافِ بعض المصلين على الإمامِ ومخالفَتِهم لجماعةِ المسلمين دخولُهم المسجدَ في صلاة الفجر والإمام يصلّي فلا يلتحقون بالجماعةِ حتى يصلّوا سنّةَ الفجر خلفَ جماعة المسلمين، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يصلِّيَ في المسجد شيئًا مِنَ النّوافل إذا قامَت المكتوبة.
ومَن فاتَته سنّةُ الفجر فيُستَحَبّ له قضاؤها بعدَ ارتفاع الشمس قيدَ رُمح؛ لما روى أبو هريرةَ أنَّ النبيَّ قال: «من لم يصلِّ ركعتي الفجر فَليصلِّهما بعدما تطلُع الشّمس»[13]. وإن قضاها بعد صلاةِ الفجر قبل أن تطلع الشمس جازَ؛ لحديث قيس بن عمرو قال: رأَى رسول الله رجلًا يصلِّي بعد صَلاةِ الصبح ركعتين، فقال رسول الله: «صلاةُ الصبحِ [ركعتان]»، فقال الرجل: إني لم أكن صلَّيتُ الركعتين اللّتين قبلهما فصلَّيتهما الآن، فسكت رسول الله[14].
أيّها المسلمون: المصلُّون في المسجدِ كلُّهم سواء، فمن سبَقَ إلى مكان في المسجدِ استحقَّه، ومن أقامه منه بغيرّ حقٍّ فهو مغتصِب، فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ قال: «لا يقيمَنَّ أحدكم الرجلَ من مجلسِه ثم يجلس فيه»[15]. وليس لأحدٍ أن يتحجَّر من المسجد شيئًا، فيضَعَ سُجّادةً أو بساطًا أو عصا أو غير ذلك قبل حضورِه، أو يوكِّل من يحجز له، وليس لشـيء مما وضَعَ حرمةٌ، بل يزال ويُصلَّى مكانَه. ومَن سبَق إلى مكانٍ في المسجدِ ثم فارَقَه لتجديدِ وضوء ونحوِه فلا يبطُلُ اختصاصُه به، وله أن يقيمَ من قعد فيه، ويجِب على القاعد طاعتُه، فعن أبي هريرةَ أن رسول الله قال: «من قام من مجلسِه ثم رجَع إليه فهو أحقُّ به»[16].
ولا يَصُفّ في طرقات المجلس وأبوابه لئلاّ يمنع المصلين دخولَ المسجد، بل يتقدَّم إلى الصفوف المتقدِّمة، فعن أنس أن رسولَ الله قال: «أتمُّوا الصفَّ المتقدِّم ثم الذي يليه، فما كان من نقصٍ فليكن في الصفِّ المؤخَّر»[17].
وإذا علِم المصلّي أنه إذا مشى إلى الصفّ المتقدِّم فاتته الركعة وإن صلَّى في الصفّ المؤخَّر لم تفُته فقد قال العلماء: إن كانت الركعةَ الأخيرة صلّى في الصفِّ المؤخَّر، وإذا كانت غيرها مشَى إلى الصف المتقدِّم. وقال في الإنصاف: (وقد يقال: يحافِظ على الركعة الأولى والأخيرة).
ولا يصلَّى بين السواري إلا إذا ضاقَ المسجِد فلا بأس بالصلاة بينها.
ويستَحَبّ صلاة المصلي إلى سترةٍ ودنوُّه منها ولو لم يخشَ مارًّا، وإن أراد أحدٌ المرور بين يديه فله منعُه، فإن أبى فلَه دفعُه، فإن أبي فلَه المبالغةُ في قهرِه عن المرور بما لا يفضِي إلى الفتنةِ وفسادِ الصلاة، فعن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله: «إذا صلّى أحدُكم فليصلِّ إلى سترة، وليدنُ منها، ولا يدع أحدًا يمرُّ بينه وبينها، فإذا جاء أحدٌ يمرّ فليقاتله فإنّه شيطان»[18].
ويحرُم المرور بين يدَيِ المصلّي حتى ولو لم يجِدِ المارّ مَساغًا وسبيلًا غيرَه، إلاّ لضـرورة أو مشقّة عظيمة لا يمكِن دفعُها؛ لما روى أبو جهيم الأنصاريّ قال: قال رسول الله: «لو يعلم المارّ بَين يديِ المصلّي ماذا عليه لكان أن يقفَ أربعين خيرًا له من أن يمرَّ بين يديه»، قال أبو النضر: لا أدرِي قال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة[19].
أيّها المسلمون: وعلى قاصِد المسجد أن لاَ يؤذِيَ إخوانه المصلّين بتخطِّي رقابهم ومضايَقَتهم ومزاحمَتِهم ومحاولةِ اقتحام الصفّ عليهم مع تعذُّر ذلك بسبَبِ الضيق والازدحام الشديد، أو بالتشويشِ عليهم بالجهر بالقراءةِ والدعاء، فعن أبي سعيد الخدريّ قال: اعتكف رسول الله في المسجدِ، فسمعهم يجهرون بالقراءةِ، فكشف السترَ فقال: «ألا إنَّ كلَّكم مناجٍ ربَّه، فلا يؤذِيَنَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفَع بعضكم على بَعضٍ في القراءة» أو قال: «في الصلاة»[20].
ومن التشويشِ والإيذاء الذي عمَّ وطمَّ في مساجدِ المسلمين وقطَعَ عليهم خشوعَهم وسكونهم ما يصدُر من أجهزةِ الجوّال اليومَ من المقاطع الغنائيّة والنغمات الموسيقيّة والأصوات المطرِبَة التي آذت المسلمين أيّما إيذاء، فعَلى كل مسلم يخشى ربَّه ويخاف عقوبتَه أن لا يدنِّسَ بيوتَ الله التي بُنيَت للذكرِ والصلاة وقراءةِ القرآن بهذه النَّغَمات المحرمة والأجراس الشيطانيّة، وعليه أن يسارع في محوِها والتخلُّص من شرِّها وإثمها.
جعلني الله وإيّاكم من الهداة المهتدين المتَّبعين لسنّة سيد المرسلين، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمينَ من كلّ ذنب وخطيئَة، فاستغفِروه إنه كان للأوّابين غفورًا.
الحمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهَد أنَّ نبيَّنا وسيِّدنا محمّدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعد:
فيا أيّها المسلمون: اتّقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة:119].
أيّها المسلمين: وممّا تُصان عنه المساجد إنشادُ الضالة والبيعُ والشراء، فعن أبي هريرةَ أنَّ رسول الله قال: «إذا رَأَيتم من يبيعُ أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربَحَ الله تجارتَك، وإذا رأيتم من ينشُد ضالّة فقولوا: لا ردَّ الله عَليك»[21].
ويجب أن يُصان المسجد عن الأقوال الرذيلَة والأحاديثِ السيّئة واللَّغط والأصوات المرتفعة، قال سعيد بن المسيّب رحمه الله تعالى: (من جَلَس في المجلس فإنما يجالِس ربَّه، فما حقُّه أن يقولَ إلا خيرًا).
والحيضُ حدَث يمنَعُ اللّبثَ في المسجدِ على الصحيح من قولي العلَماء؛ لحديثِ أمِّ عطيّةَ رضي الله عنها أنها سمعت النبي يقول: «ويعتَزِل الحُيَّضُ المصلّى»[22]. ويباح لها العُبورُ للحَاجَة مِن أخذِ شيءٍ أو تركِه، فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله: «ناولِيني الخمرةَ مِنَ المسجد»، فقلتُ: إني حائض! فقال: «إنَّ حيضَتَك ليسَت في يدِك»[23].
والجنابةُ حدَث يمنع اللبثَ في المسجدِ أيضًا، ويُباح له العبور لحاجةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ﴾ [النساء:43].
أيّها المسلمون: إنما شُرِعت الجماعة في المسجد لمقاصِدَ عظمى، منها التعارف والتآلف والتعاوُن والتكاتُف، فتصافَحوا يذهبِ الغِلّ، وتَسَامحوا تذَهب الشحناء، وخُذوا بأيدي بعضكم، وطهِّروا قلوبَكم مِن الأحقاد والضغَائِن، واستبدلوا القطيعةَ والجفاء بالصِّلة والمحبة والصَّفاء، وأدّوا حقوق بعضكم على بعض، وليعطِف غنيُّكم على فقيركم وقوِيّكم على ضعيفِكم، وكونوا عباد الله إخوانًا.
وصلّوا وسلِّموا على خيرِ البريّة وأزكى البشريّة، فقد أمركم الله بذلِك فقال قولًا كريمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].