حجم الخط:

أثر الذنوب والمعاصي

الخطبة الأولى:

الحمد الذي أوجد الخليقة من عدم وأنشاها، وقام بأرزاقها وكفاها، وأبان لها طريق رشدها وهداها، ومنّ بفضله على خلاصة اصطفاها، فهي في مراضيه تدأب وبطاعته تتباهى، أحمده سبحانه على نعم تتناهى، وأشكره شكر من عرف نعمه فرعاها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من عرف معناها وعمل بمقتضاها، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في سبيل الله ورفعوا لواها.

أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وراقبوه في السـر والعلن ولا تعصوه، واعلموا أن الذنوب والمعاصي تضر في الحال والمآل، وأن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان.

وما في الدنيا والآخرة شر وداء، إلا وسببه الذنوب والمعاصي، فبسببها أُخرج آدم عليه السلام من الجنة، وأخرج إبليس من ملكوت السموات، وأُغرق قوم نوح، وسُلطت الريح العقيم على قوم عاد، وأرسلت الصيحة على قوم ثمود، ورفعت قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم قلبها الله عليهم، فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة من سجّيل منضود، وأرسل على قوم شعيب سحب العذاب كالظُلل.. فسبب المصائب والفتن كلها الذنوب، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]. فالذنوب والمعاصي ما حلت في ديار إلا أهلكتها، ولا في قلوب إلا أعمتها، ولا في أجساد إلا عذبتها، ولا في أمة إلا أذلتها، ولا في نفوس إلا أفسدتها، ولا في نعم إلا نغّصتها وأزالتها.

﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال:53].

إذا كنت في نعمةٍ فارعها

فإن المعاصي تزيل النعم

وحُطها بطاعة رب العباد

فرب العباد سريع النقم

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة».

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112]. ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [النساء:160].

ومن شؤم المعصية: أنها تمنع القطر، وتسلط السلطان، ففي سنن ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤن وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القِطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا»[1]. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159]. قال: (دواب الأرض تلعنهم، يقولون: يُمنع عنا القطر بخطاياهم).

وقال عكرمة: (دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: مُنعنا القطر بذنوب بني آدم).

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم».

وشؤم المعصية بلغ البر والبحر، كما قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41].

ومن شؤم المعصية أنها تورث الذل والمهانة، وتفسد العقل وتشوش الذهن، وتورث الهم والغم، وتضعف الجوارح، وتعمي البصائر، وتُظلم بالقلوب، وتضيق الصدور، وصدق الله: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: «إن العبد إذا أذنب ذنبًا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه. وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في القرآن»[2]، ﴿ كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14].

وقال حذيفة رضي الله عنه: «القلب هكذا مثل الكف فيذنب الذنب فينقبض منه ثم يذنب الذنب فينقبض منه حتى يختم عليه فيسمع الخير، فلا يجد له مساغًا».

وقال الحسن: (الذنب على الذنب، ثم الذنب على الذنب حتى يغمر القلب فيموت. فإذا مات قلب الإنسان لم ينتفع به صاحبه). قال عبد الله بن المبارك:

رأيت الذنوب تميت القلوب

وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب

وخير لنفسك عصيانها

ويقول الله عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأعراف:100].

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «إن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القبر، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق».

وقال سليمان التميمي: (إن الرجل ليذنب الذنب فيصبح وعليه مذلته).

ومن خطورة المعاصي أنها تضعف الحفظ، وربما أذهبته، وتحرم صاحبها العلم، كما قال الشافعي رحمه الله:

شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظي

فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال اعلم بأن العلم نورٌ

ونور الله لا يؤتاه عاصي

فاتقوا الله عباد الله: واحذروا غوائل الذنوب، ولا تستهينوا بعواقبها، قالت عائشة رضي الله عنها: أقلّوا الذنوب، فإنكم لن تلقوا الله عز وجل بشيء أفضل من قلة الذنوب.

قال بلال بن سعد: (لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت).

وقال بشر: (لو تفكَّر الناس في عظمة الله، ما عصوه عز وجل).

وقال وهيب بن الورد: (اتق أن يكون الله أهون الناظرين إليك).

ومن خطورة السيئة وشؤمها فعل السيئة بعدها: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40].

قال أبو الحسن المزين: (الذنب عقوبة الذنب).

وقد بين الله عز وجل أن سبب كفر بني إسرائيل وقتلهم الأنبياء أنهم اقترفوا المعاصي، قال سبحانه: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61].

واعلموا - عباد الله - أن الذنب دَين في ذمة فاعله لا بد من التوبة منه لمحو أثره وتفادي سوء عاقبته. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: البِر لا يبلى، والإثم لا يُنسى.

وقال الفضيل بن عياض: (ما عملت ذنبًا إلا وجدته في خلق زوجتي ودابتي).

ونظر أحد العُبّاد إلى صبي فتأمل محاسنه، فأُتي في منامه وقيل له: لتجدن غِبّها -أي: أثرها- ولو بعد حين. فنسي القرآن بعد سنين.

وقال ابن سيرين حين ركبه الدَّين واغتمَّ لذلك: (إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة، وقيل: إنه عيَّر رجلًا بالفقر، وقال له: يا مفلس، فأُصيب بما أصيب به).

ومن أضرار الذنوب والمعاصي أنها تثقل صاحبها عن العبادة، كما قال رجل للحسن: يا أبا سعيد! إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتك.

وقال الحسن: (إن الرجل ليذنب الذنب فيُحرم به قيام الليل).

وقال الثوري: (حُرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته).

وقال أبو سليمان الداراني: (لا تفوت أحد صلاة الجماعة إلا بذنب).

وقال بعض السلف: كم من أكلة - يعني من حرام - منعت قيام ليلة، وكم من نظرة يعني: حرام - منعت قراءة سورة. ومن هنا نجد أن سبب انصراف الكثير عن تلاوة القرآن وتدبره ولذة تلاوته وترتيله؛ إنما هي ذنوب ارتُكبت، ثم استهان بها أصحابها فنسوها ولم يستغفروا منها، فكانت سببًا لحرمان ذلك النعيم المقيم والخير العميم، من تلاوة كتاب الله العظيم.

لذا فإن المؤمن العاقل يجتهد في البعد عن الذنوب، ويهجر أهل الذنوب والمعاصي، فإن شؤم معصيتهم يبلغه. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم، قال: قلت: يا رسول الله! يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم»[3].

ولما تزلزلت المدينة على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: والله لئن عادت مرة أخرى لا أساكنكم فيها. أي: أن ذلك لم يكن إلا بذنوبهم!

نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يوفقنا لما يرضيه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

خل الذنوب صغيرها

وكبيرها فهو التقى

واصنع كماشٍ فوق أر

ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرنَّ صغيرةً

إن الجبال من الحصـى

عباد الله: كما أن الذنوب والمعاصي تمحق بركة العمر، وبركة الرزق والمال، وبركة العلم والعمل، وبركة الأهل والذرية، فكذلك الاستقامة على طاعة الله وتقواه سبب الحياة الهانئة والعيشة الطيبة الرغيدة، كما قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97]، وهي تجلب البركة على العباد والبلاد، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96] وقال تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن:16]. قال الحسن: (لو استقاموا على طاعة الله، وما أمروا به لأكثر الله لهم الأموال حتى يغتنوا بها). ثم يقول الحسن: (والله إن كان أصحاب محمد لكذلك، كانوا سامعين لله مطيعين له، فُتحت عليهم كنوز كسـرى وقيصـر). قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق».

وحين كان ابن آدم عرضة للذنب، فمن رحمة الله أن فتح له باب التوبة والاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ علّه أن يسلم مما تسببه من الأكدار، ويحصل البركات التي تمنعها الذنوب والأوزار، قال نوح عليه السلام لقومه: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴿١٢﴾ [نوح:10-12].

فَيَا أَيُّهَا الْـمُذْنِبُونَ وَيَا أَيُّهَا الْـمُعْرِضُونَ: هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ إِلَى اللهِ؟ وَهَلْ مِنْ عَوْدَةٍ إِلَى الْغَفُورِ الرَّحِيمِ؟

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴿٥٤﴾ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الزمر:53-55].

فاتقوا الله عباد الله: واستقيموا إليه واستغفروه، وتوبوا إلى الله، يقول النبي ﷺ: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة»[4]. وقال عز وجل: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]. وعلى العبد المؤمن أن يأخذ بأسباب المغفرة وأجلها التوبة النصوح والاستغفار والاعتراف بالذنب والندم عليه.

وفي الحديث: «ما من عبد يذنب ذنبًا فيتوضأ، فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب، إلا غفر الله له»[5].

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رجلًا أذنب ذنبًا فقال: أي رب! أذنبت ذنبًا. أو قال: عملت عملًا، فاغفر لي، فقال تبارك وتعالى: عبدي عمل ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب. قد غفرت لعبدي»[6]. وقال النبي ﷺ: «إن العبد إذا أذنب ثم استغفر الله غفر الله له»[7].

فيا من تكاسل عن الصلاة: أما آن الأوان أن تعود إلى مولاك، فإنه مشتاق لرؤيتك بين يديه، سيفرح بعودتك رحمة منه بك، لا حاجة منه إليك.

ويا من عقَّ والديه، وقطع رحمه، وأساء لأهله وجيرانه، الله الله في حسن العشـرة، والبر والصلة، فليس شيء أسرع جزاء من البر والصلة، ولا أسرع عقوبة من البغي والقطيعة والظلم.

ويا من خاض في المال الحرام، إياك إياك، واقنع بما من الحلال أغناك، فإنما تتخوض بالحرام في نار جهنم، وإنما تأكل من جمر جهنم.

ويا من أطلقت بصـرك في الحرام، تذكر: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، وتذكر الأعمى الذي يود لو أنه اكتفى عن استجداء الآخرين، ولا تنس أنك مسؤول عن هذه النعمة العظيمة.

ويا من اعتاد إطلاق لسانه فيما لا يرضي الله، والخوض في أعراض الآخرين، من غيبة ونميمة، وكذب وسخرية، وتفاخر واستهزاء، وغمز ولمز، ولعن وطعن، كفى كفى، ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، اعقل لسانك، فالعاقل للسانه عاقل. «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم».

عباد الله: لقد نصح الله عباده إلى المسارعة بالتوبة و البعد عن التسويف فقال سبحانه: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133].

و قال عز وجل: ﴿ سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21]

قال السعدي: (أمر بالمسابقة إلى مغفرة الله ورضوانه وجنته، وذلك يكون بالسعي بأسباب المغفرة، من التوبة النصوح، والاستغفار النافع، والبعد عن الذنوب ومظانها، والمسابقة إلى رضوان الله بالعمل الصالح، والحرص على ما يرضي الله على الدوام).

فينبغي المسابقة والمسارعة إلى التوبة دون تردد أو تسويف، وتدارك ما بقي من العمر بالرجوع إلى الله والفرار إليه سبحانه، فالبدار البدار إخوة الإيمان، و الفرار الفرار، ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50]. بادروا بالتوبة قبل الفوات: ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر:56].

اسمع إلى هذه القصة: كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد مقعد الرجل من امرأته، أرعدت فبكت، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملني عليه الحاجة. قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ ثم نزل فقال: اذهبي والدنانير لك، ثم قال: والله لا يعصي الكفل ربه أبدا. فمات من ليلته. وأصبح مكتوبا على بابه: قد غُفر للكفل.

ماذا لو تأخر قليلًا؟ ماذا لو لم يتب في تلك الليلة؟ ماذا لو وقع في الفاحشة؟ ماذا لو هجم عليه هاذم اللذات وهو سادر في غفلته منغمس في شهوته؟ كيف ستكون خاتمته؟

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها

من الحرام ويبقى الإثم والعارُ

تبقى عواقب سوء في مغبتها

لا خير في لذةٍ من بعدها النارُ

فهل نبادر إخوة الإيمان بالتوبة إلى الله قبل أن يوافينا الأجل؟ هل نستغل فرصة الحياة قبل أن تتصرم ونحن في لهو و غفلة، ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴿٥٦﴾ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٥٧﴾ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:56-58]

أخي الحبيب كم سمعنا من المواعظ فما اتعظنا؟ وكم سمعنا من التذكير فما تذكرنا؟ فإلى متى اللهو والغفلة؟ وإلى متى التسويف بالتوبة وأنت لا تدري متى فجأة الموت وحلول الأجل؟

أخي جرب أن تسمع موعظة مؤثرة، أو تستمتع بتلاوة خاشعة، أو ترتل آيات القرآن، قف مع نفسك وقفة حازمه وحاسب نفسك و اتخذ قرار الرجعة والتوبة والإنابة، وإياك ثم إياك من التسويف.

أخي الكريم: كلنا نذنب، ونقصّر، لكن لنتذكر أن الله كريم جواد، تواب رحيم، بر كريم، يفرح بتوبة التائبين، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها، فلترجع أيها العاصي إلى من بيده النواصي، كفى طاعة للنفوس في أهوائها، كفى سعيًا وراء شهواتها، آن الأوان لتقديم ما يحبه الله ويرضاه، على ما تحبه النفس وتهواه، فمن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.

أسأل الله الرحيم الرحمن أن يفتح لنا أبواب رحمته و يرزقنا التوبة النصوح يحسن لنا الختام.

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / علي بن عبد الله النمي

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة