حجم الخط:

الإحسان إلى الناس

الخطبة الأولى:

الحمد لله الكريم المنَّان، ذي العطاء والإحسان، خلَق الخلق ليَعبدوه، وأجزَل عليهم النِّعم ليَشكروه، وأنار قلوب المؤمنين بالقرآن، فسبحانه من إله عظيمٍ، ومنعم كريم، أشهد أن لا إله إلا هو الواحد الدَّيَّان، تبارك بمجَده وعليائه، وتقدَّس بجبروته وكبريائه، وهو الكريم الرحمن، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد ولد عدنان، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أمَّا بعدُ:

أيها المؤمنون: إن السعادة هدف منشود، ومطلب جميلٌ محمود، يَسعى إليه البشر جميعًا، بل كلُّ مخلوق يسعى لِما فيه راحته وأُنسه، وللسعادة أبواب ومفاتيح تُستجلَب بها، إلا أن هناك بابًا من أبواب السعادة وتحصيل الأُنس، يَغفُل عنه كثيرٌ من الناس، وهو سهَلُ المنال، قريب المأخذ، وعاقبته جميلة، وأثره سريعٌ، فما هو يا تُرى؟

إنه الإحسان إلى الناس، وتقديم الخدمة لهم بما يُستطاع، فالخلق عيالُ الله، وأحبُّ الخَلق إلى الله أنفعُهم لعياله، والإحسان إلى الخَلق من تمام الإحسان في عبادة الله؛ قال الله سبحانه عن قوم تنكّبوا عن طريق الإحسان: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿٤٢﴾ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴿٤٣﴾ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:42-44]. فسببُ دخولهم سقر، هو تَرْكهم الصلاة وتَرْكهم الإحسان إلى الخَلق بإطعام المسكين، وقد اقتضَت حكمة الله تعالى أن تنوَّعت أرزاق العباد واختَلَفت، والناس متفاوتون من حيث الغنى والفقر؛ ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:32].

جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، ولْيَحِدَّ أحدكم شفرته ولْيُرح ذبيحته»[1]، هذا الحديث فيه ذكر قاعدة الإحسان، والتعامل به مع كل شيء، وفيه فضيلة الإحسان حتى إلى البهائم المأكولة في حال ذبحها، وهذا شيء يغفل عنه بعض الناس، فيسيئون إلى البهائم في كيفية ذبحها.

عباد الله: إنَّ للفقر لوعته وللعَوز حُرقته، وكم هي مُرَّة تلك الآلام والحسرات التي يَشعر بها ذلك الفقير المُعدم، حين يرمي بطَرْفه صوبَ بيته المتواضع المملوء بالرعيَّة والعيال، وهم جِياع لا يَجدون ما يَسدُّ جَوْعتهم، أو مَرضى لا يجدون مَن يعالجهم، كم من مَدين أرْهَق ظهَره ثِقَلُ الدَّيْن، وناء جسدُه عن تحمُّل هذا الهمِّ المُؤرِّق، كم من فقير ضاقَت به الدنيا وانسدَّت في وجهه أبواب الرزق، لولا بقيَّة باقية من الأمل والرجاء فيما عند الله، فيأتي من يسد تلك اللوعة، ويطفئ ما يعانيه من الحرقة، إنهم أهل الإحسان في الدنيا؛ لأن أحدهم يعلم أنه إذا أحسن إلى الآخرين في هذه الدنيا، كانت النتيجة إحسانَ الله إليه في الدنيا والآخرة.

عباد الله: إن أول المستفيدين من الإحسان هم المحسنون أنفسهم، إذْ فتح الله لهم بابًا من أبواب الخير والبر يجنون ثمراتِه عاجلًا في نفوسهم وأخلاقهم وضمائرهم؛ فيجدون الانشراح والسكينة والطمأنينة.

جرّب أيها الأخ الحبيب.. إذا طاف بك طائف من هم أو ألمّ بك غم فامنح غيرك معروفًا وأسدِ له جميلًا؛ تجِد السرور والراحة، أعط محرومًا، انصر مظلومًا، أنقذ مكروبًا، أعِن منكوبًا، عُد مريضًا، أطعم جائعًا؛ تجد السعادة تغمرك من بين يديك ومن خلفك.

أما الثمرة في الآخرة، فتأمل معي هذه القصة العجيبة:

ومن عجائب أخبار السلف الصالح ما روى أهل السير عن أحمدَ بن مسكين أحدِ علماءِ القرن الثالث الهجري في البصرة، قال: (امتُحِنتُ بالفقر سنة تسع عشرة ومائتين، فلم يكن عندنا شيء، ولي امرأة وطفلها، وقد طوينا على جوع يخسف بالجوف خسفا، فجمعت نيتي على بيع الدار والتحوّل عنها، فخرجت أتسبب لبيعها فلقيني أبو نصـر، فأخبرته بنيتي لبيع الدار فدفع إلي رُقاقتين من الخبز بينهما حلوى، وقال أطعمها أهلك. ومضيت إلى داري فلما كنت في الطريق لقيتني امرأة معها صبي، فنظَرَت إلى الرقاقتين وقالت: يا سيدي، هذا طفل يتيم جائع، ولا صبر له على الجوع، فأطعمه شيئًا يرحمك الله، ونظر إليّ الطفل نظرة لا أنساها، وخيّل إليّ حينئذ أن الجنة نزلت إلى الأرض تعرض نفسها على من يشبِع هذا الطفل وأمه، فدفعت ما في يدي للمرأة، وقلت لها: خذي وأطعمي ابنك. والله ما أملك بيضاء ولا صفراء، وإن في داري لمن هو أحوج إلى هذا الطعام، فدمعت عيناها، وأشرق وجه الصبي، ومشيت وأنا مهموم، وجلست إلى حائط أفكر في بيع الدار وإذ أنا كذلك إذ مرّ أبو نصر وكأنه يطير فرحًا، فقال: يا أبا محمد، ما يجلسك ها هنا وفي دارك الخير والغنى؟! قلت: سبحان الله! ومن أين يا أبا نصر؟! قال: جاء رجل من خراسان يسأل الناس عن أبيك أو أحدٍ من أهله، ومعه أثقال وأحمال من الخير والأموال، فقلت: ما خبره؟ قال: إنه تاجر من البصرة، وقد كان أبوك أودَعه مالًا من ثلاثين سنة، فأفلس وانكسر المال، ثم ترك البصرة إلى خراسان، فصلح أمره على التجارة هناك، وأيسَر بعد المحنة، وأقبل بالثراء والغنى، فعاد إلى البصرة وأراد أن يتحلّل، فجاءك بالمال وعليه ما كان يربحه في ثلاثين سنة. يقول أحمد بن مسكين: فحمدت الله وشكرته، وبحثت عن المرأة المحتاجة وابنها، فكفيتهما وأجرَيت عليهما رزقا، ثم اتجرت في المال، وجعلت أَرُبُّه بالمعروف والصنيعة والإحسان وهو مقبل يزداد ولا ينقص، وكأني قد أعجبتني نفسي وسرّني أني قد مُلِأَت سجلاتُ الملائكة بحسناتي، ورجوت أن أكون قد كُتبت عند الله في الصالحين، فنمت ليلةً فرأيتُني في يوم القيامة، والخلق يموج بعضهم في بعض، ورأيت الناس وقد وُسِّعَتْ أبدانُهم، فهم يحملون أوزارهم على ظهورهم مخلوقة مجسّمة، حتى لكأن الفاسق على ظهره مدينة كلها مخزيات، ثم وُضِعَت الموازين، وجيء بي لوزن أعمالي، فجعلت سيئاتي في كفة وألقيت سجلات حسناتي في الأخرى، فطاشت السجلات، ورجحت السيئات، ثم جعلوا يلقون الحسنة بعد الحسنة مما كنت أصنعه، فإذا تحت كل حسنةٍ شهوةٌ خفيةٌ من شهوات النفس، كالرياءِ والغرورِ وحبِ المحمدة عند الناس، فلم يسلمُ لي شيء، وهلكتُ عن حجتي وسمعتُ صوتًا: ألم يبق له شيء؟ فقيل: بقي هذا، وأنا أنظر لأرى ما هذا الذي بقي، فإذا الرقاقتان اللتان أحسنت بهما على المرأة وابنها، فأيقنت أني هالك، فلقد كنت أُحسِنُ بمائةِ دينارٍ ضربةً واحدة فما أغنَت عني، فانخذلت انخذالًا شديدًا، فوُضِعَت الرقاقتان في الميزان، فإذا بكفة الحسنات تنزل قليلًا ورجحت بعضَ الرجحان، ثم وُضعت دموع المرأة المسكينة التي بكت من أثر المعروف في نفسها، ومن إيثاري إياها وابنها على أهلي، وإذا بالكفة ترجُح، ولا تزال ترجُح حتى سمعت صوتًا يقول: قد نجا). وصدق رسول الله ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»[2].

عباد الله: إن الإحسان كالمسك ينفع حامله وبائعه ومشتريه، وقد ثبت في الحديث أنَّ امرأة كانت عاصية بعيدة عن الله سبحانه وتعالى خرَجت ذات يوم، فبينما هي تسير في الطريق إذ رأتْ ذلك الكلب الذي اكتوَى بحرّ الهجير، قد أنهَكَه العطش والظمأ، وقد وقَف على بئر ذات ماءٍ، لا يَدري كيف يَشرب، فهو يلهث الثَّرى من شدَّة الظمأ، فلمَّا رأتْه تلك المرأة العاصية، أشفَقت عليه ورحمته، فنزَلت إلى البئر وملأَت خُفَّها من الماء، ثم سقَت ذلك الكلب، وأطفَأت ظمأَه وعطشَه، في لحظة صدق ورأفة ورجاء لرحمة الله، فنظرَ الله إلى رحمتها بهذا المخلوق، فشكَر لها معروفها، فغفَر ذنوبها، بشربة ماء غُفِرت ذنوبها، وبشربة ماء سُتِرت عيوبها، وبشربة ماء رَضِي عنها ربُّها، إنها الرحمة التي أسكنَها الله القلوب، إنها الرحمة التي يَرحم الله بها الرُّحماء، ويفتح بها أبواب البركات والخيرات من السماء، بُعِث بها سيِّد الأوَّلين والآخرين؛ كما قال ربُّنا في كتابه المبين: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، والراحمون يرحمهم الرحمن، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.

الإحسان إلى الآخرين، والرحمة والرفق بهم؛ شعار المسلمين ودِثار الأخيار والصالحين، وشأن الموفَّقين المُسدِّدين، كم فرَّج الله بها من هموم، وكم أزالَ الله بها من غموم، إذا أسكنَها الله في قلبك فتَح بها أبواب الخير في وجهك، وسَدَّدك وألْهَمك، وأرْشَدك وكنتَ من المحسنين.

عباد الله: من شعائر الإسلام العظيمة إطعامُ الطعام، والإحسان إلى الأرامل والأيتام، والتوسيع عليهم؛ طلبًا لرحمة الله الملك العلاَّم، قال ﷺ: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، وكالقائم لا يَفتُر، وكالصائم لا يُفطِر»؛[3].

الذي يُطعم الأرملة، ويُدخل السرور عليها - إحسانًا ورحمة - كالصائم الذي لا يُفطِر من صيامه، والقائم الذي لا يَفتُر من قيامه، فهنيئًا ثم هنيئًا لأمثال هؤلاء الرُّحماء.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبدٍ أنعَم الله عليه نعمةً، فأسبَغها عليه، ثم جعَل من حوائج الناس إليه، فتبرَّم، فقد عرَّض تلك النعمة للزوال»؛[4].

وعن أبي هريرة أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال: «امسَح رأس اليتيم، وأطعِم المسكين»؛[5].

فيا مَن رام محبَّة الله ورجا رحمته، ارحَم الضُّعفاء، وأحسِن إلى المساكين، وأعط المحتاجين، وأعِن العاجزين، ولا تَبخل بشيء من البر، ولا تحقرن شيئًا من المعروف، وإن كان يسيرًا فإنه صدقة تؤجر عليها؛ عن أبي برزة رضي الله عنه قال: قلت: يا نبي الله، علمني شيئًا أنتفع به، قال: «اعزل الأذى عن طريق المسلمين»[6]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ وجد غصن شوكٍ على الطريق، فأخَّره، فشكر الله له، فغفر له»[7].

وفي الصحيحين قال ﷺ: «كل سُلامى -أي: مفصل- من الناس عليه صدقة، كل يوم تَطلُع فيه الشمس، تَعدل بين الاثنين صدقة، وتُعين الرجل في دابَّته، فتَحمله عليها، أو تَرفع له عليها متاعه صدقة»، قال: «والكلمة الطيِّبة صدقة، وكل خُطوة تَمشيها إلى الصلاة صدقة، وتُميط الأذى عن الطريق صدقة..»[8].

اللهمَّ اجعَلنا من المحسنين لعبادك، المُخلصين لوجهك، اللهمَّ اجعَلنا من مفاتيح الخير، ومغاليق الشر، يا كريم يا رحمن.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمَّا بعدُ:

أيها الإخوة: لقد جعل الله نفع الناس والإحسانَ إليهم عبادةً عظيمة؛ فأمر سبحانه بالإحسان في آياتٍ كثيرة، وأخبَر أنَّه يحبُّ المُحسنين، وأنَّه مع المُحسنين، وأنه يَجزي المُحسن بالإحسان، وأنه يجزي المحسنين بالحُسنى وزيادة، وأنه لا يضيع أجر المُحسنين، ولا يضيع أجرَ من أحسن عملًا، ولقد ورد ذِكْرُ الإحسان في مواضِعَ كثيرةٍ من القرآن الكريم؛ تارة مقرونًا بالإيمان، وتارة مقرونًا بالتَّقوى أو بالعمَل الصَّالِح، وكلُّ ذلك مما يدلُّ على فضل الإحسان وعظيم ثوابه عند الله تعالى.

ومن المعاني التي يشملها الإحسان أنه يكون فيما بين العبد وبين ربِّه، وهو أعلى مراتب الدِّين، وقد فسَّره النبيُّ ﷺ بأن تعبد الله كأنَّك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ومعنى ذلك أنَّ العبد يعبد الله تعالى على استحضار قربِه منه، وأنه بين يديه كأنَّه يراه، وذلك يوجب الخشيةَ والخوف والتَّعظيم، ويوجب النُّصح في العبادة وتحسينها وإتمامها.

أما الإحسان إلى الغير، وهو بِمَعنى الإنعام عليهم، وإعانتهم والرفق بهم، فمن ذلك:

خدمتهم وقضاء حوائجهم، والسعي في تنفيس كروبهم، وأولى الناس بالخدمة والرعاية الأهل والأقرباء، ولذلك جاء عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» أخرجه الترمذي)، عن الأسود قال: سألت السيدة عائشة رضي الله عنها: عن ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، تعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة).

ومن منا لا يبالي بكسب قلوب أقرب الناس إليه كالوالدين، والزوجة والأقرباء، وترى بعض الناس لا يراعي مكارم الأخلاق ولا يرعى القريب وذا الرحم، ولا يستطيع أن يكسب وده أبيه وأمه، وقلب زوجته أو أخته، بل قد تجده في خصام دائم معهم، نظرًا لقلة التغاضي ودقة ملاحظة الأخطاء وغياب العفو والحرم والتغافل عن حياة كثير من الناس.

وممن يجب أن نحسن إليهم ونكسب قلوبهم وودهم وثقتهم الجيران، جاء في الحديث عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، وأي إكرام يقدم إلى الجار أكبر من نصحه بالحكمة والموعظة الحسنة ودعوته إلى الهدى والتقى، فقد دعا رسول الله ﷺ إلى مساواة الجار بالنفس، فقد جاء عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بلفظ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ -أَوْ قَالَ لِأَخِيهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، فمما ينبغي التحبب إلى الجار، وعيادته إذا مرض، وتعزيته عند المصيبة، وتهنئته بالفرح، والصفح عن زلته، وعدم التطلع إلى عوراته، وستر ما انكشف من عيوبه، والاهتمام بالإهداء إليه وزيارته وصنع المعروف إليه، وعدم أذيته، فعن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه». ومعنى بوائقه غشه، وشره، خيانته. فالذي لا يطمئن منه جاره، ولا بأمنه على بيته و أهله، في حال غيبته حضرته، ليس بمؤمن. لأن المؤمن هو من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، ونسائهم والبوائق الشرور والأذى.

ومن الإحسان كذلك أن نكسب الذين نعمل معهم أو يعملون معنا، فالطبيب يكسب المرضى، والأستاذ يكسب التلاميذ، والموظف يكسب المراجعين، وكم سمعنا عن طبيب طيب لا يتبرم من المرضى بل يحسن إليهم بالكلمة والنظرة حتى يحسن نفسياتهم ويكون عونًا على شفائهم، وكمم من معلم رغّب تلاميذه في التعليم برفقه وتشجيعه وحسن تدبيره، وكم من موظف يبادر في إنجاز معاملات الناس فيكون بذلك محسنًا محبوبًا عند الله وعند خلقه، مُثابًا حتى ولو كان ذلك عمله ووظيفته، أما عندما يُشاع عكس هذه التعاملات بين الناس فحينئذٍ يغيب الإحسان ويظهر الفساد وتكثر المظالم، وهنا يدعو المظلوم على الظالم، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب وقد جاء عن معاوية رضي الله عنه قال سمعت رَسُول اللهِ يقول: «من ولاه اللَّه شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخَلّتهم وفقرهم، احتجب اللَّه دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة».

أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَأْسِرْ قُلُوبَهُمُ

فَطَالَمَا اسْتَأْسَرَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ

وَكُنْ عَلَى الدَّهْرِ مِعْوَانًا لِذِي أَمَلٍ

يَرْجُو نَدَاكَ فَإِنَّ الْـحُرَّ مِعْوَانُ

ومن الوسائل في كسب قلوب الناس: حسن الخلق والحلم وكظم الغيظ، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]، وقد كان سيدنا محمد ﷺ القدوة الحسنة، والمثل في كظم الغيظ والصفح عن المسيء، والعفو والصفح هو أولى درجات الإحسان، فإن من لم يحتمل الأذى، لا يستطيع أن يحسن إلى هؤلاء الناس ولا أن يكف عنهم الأذى، وإن من أحسن إلى الناس ليقال: أحسَن، أو ليُشكر، أو ليُرَد له الجميل، فسيأتي يوم يتوقف فيه عن الإحسان؛ ذلك لأنه إنما فعل ذلك ليلقى الجزاء من الناس، وليعاملوه بالمثل، فلا بد أن يجد من يجحد معروفه وينسى جميله، أو يرد الإحسان بالإساءة، وحينئذٍ لا يحتمل، مع أن أعظم الثواب والأجر إنما يكون مع من لا يعترف بإحسانك ولا يكف عن الإساءة إليك، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه،قال: قال رسولُ اللهِ: «يا عقبة، ألا أخبرك بأفضلِ أخلاق الدنيا والآخرة؟ تَصِلُ من قطعك، وتعطي من حرمَك، وتعفو عمَّن ظلمك»[9] وهنا تكون التجارة الحقة مع الله.

أيها الإخوة: إن الله وصف عباده المؤمنين الذين يحسنون إلى الناس فقال: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿٩﴾ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [الإنسان:8-10]. فلم ينتظروا من الناس جزاءً على معروفهم، بل ولا كلمة شكر منهم؛ لأنهم إنما أحسنوا إليهم لوجه الله وخوفًا من لقائه، ومن هنا كان كثير من الصالحين إذا أحسن إلى أحد أو أعطى مسكينًا فإنه لا يطلب منه حتى أن يدعو له، بل إذا دعا له المسكين قابله بدعوة مماثلة لئلا تكون تلك جزاءً لمعروفه فلا يثاب عليه بعد ذلك عند الله تعالى.

أخي الحبيب: هل تريد أن تُنَفّس كربتُك ويزولَ همُك؟ فرج كربات للمساكين.. هل تريد التيسير على نفسك؟ يسّر على المعسرين.. هل تريد أن يستر الله عليك؟ استر عباد الله، وكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل.

قال ﷺ: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»[10]. قال ابن القيم رحمه الله: (من رفق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه).

أخي الكريم: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن الإحسان إلى الخلق سيعود إليك صداه ولو بعد حين، وأن الصدقة ولو بالقليل تفعل الشـيء الكثير إذا وافقت إخلاصًا من المتصدق وحاجة عند الفقير، والبحث عن صاحب الحاجة اليوم أمر مطلوب، إذ اختلط الحابل بالنابل، وأفسد الكاذب على الصادق، فينبغي للمتصدق أن يتحرّى في صدقته المحتاجين دون المحتالين، لكن دون إفراط أو مبالغة وإساءة الظن بالآخرين. وقد يقول قائل ويسأل سائل: أين نجد هؤلاء المحتاجين؟! وكيف السبيل إليهم؟! فأقول: اجتهد في البحث تجدهم، ومن يتحر الخير يوفق إليه.

إنَّ الإحسان كالمِسْك؛ يَنفع حامِلَه وبائعه ومشترِيَه، شَربة ماء مِن بغيٍّ لكلب أثْمرَت دخول جنَّةٍ عرضها السَّماوات والأرض؛ لأنَّ صاحب الثواب غَفور شكورٌ، غنيٌّ حميد، جوَادٌ كريم، فلا تحتَقِرْ إحسانك وَجُودك وعطاءك، مهما قلَّ.

اللهمَّ أعنَّا على ذِكرك، اللهمَّ فرِّج همَّ المهمومين، ونفِّس كَرْبَ المكروبين، واقضِ الدَّين عن المَدينين، اللهمَّ اغفِر لنا ذنبنا كلَّه؛ دِقَّه وجِلَّه، علانيته وسرَّه، أوَّله وآخرَه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة