إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَهْدِيهِ، ونَشْكُرُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيْه، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا ومِنْ سَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَن يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، ورَفَعَ شَأْنَ العُلَماءِ عَلى مَنْ دُونَهُمْ فَلاَ يَسْتَوُونَ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الواحِدُ الأَحَدُ، الفَرْدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا وَلَدًا، وأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وحَبِيبَنا وعَظِيمَنا وقائِدَنا وقُرَّةَ أَعْيُنِنا محمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وصَفِيُّهُ وحَبِيبُهُ الَّذِي أَرْشَدَنا إِلى طَرِيقِ الخَيْرِ والهُدَى والنُّور، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا محمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي عَلَّمَ النّاسَ الخَيْرَ، وأَرْشَدَهُمْ إِلى ما فِيهِ صَلاحُهُمْ وفَلاحُهُمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وعَلى آلِهِ وصَحابَتِهِ الطَّيِّبِينَ الطاهِرِين.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فتقوى الله أكرم زاد، وأوثق عماد، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة:119]، عباد الله.. إن في تاريخ العظماء لخبرا، وإن في سير العلماء لعِبرا.
وإذا كانت أمتنا الإسلامية أمة أمجادٍ وحضارة، فإن سجلّها الحافل ازدان بكوكبة من الأئمة العظام، والعلماء الأفذاذ الكرام، هم عقد جيدها وتاج رأسها.
العلماء شموس في الفضل ساطعة، ونجوم في العلم لامعة، هم أنوار الهدى، ومصابيح الدجى، تضـيء بمنهجها المتلألئ وعلمها المشـرق، غياهب الظُلَم، وتبددها بأنوارِ العلوم والحكم.
أيها الناس.. في تاريخ الإسلام علماء ربانيون وأئمة مهديون، وإن ارتباط الأجيال اللاحقة والناشئة المعاصرة بسلفهم من العلماء الأفذاذ، لهو من أهم الأمور الملحة في هذا الزمان، ينتفعون بسيرتهم ويسيرون على منهجهم ويقتبسون من نور علمهم وفضلهم في أعقاب زمن حيث كثرت في الفتن وطمت فيه المحن، واستحكمت فيه الأزمات، وعمت فيه الخلافات.
ولهذا قال بعض أهل العلم: (سِيَر الرجال أحب إلينا من كثيرٍ من الفقه)، غير أن لا عصمة لأحدٍ من سائر الناس، والتعصب للرجال مذموم، وخير الهدي هدي من لا ينطق عن الهوى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴾ [النجم:4].
وحديثنا اليوم عن أحد الأئمة الأعلام، جبلٌ أشمّ، وبدرٌ أتم، عالم حبرٌ، وعلّامةٌ بحر، طودٌ شامخ، وعلَمٌ باذخ، يُعدّ بجدارة إمامَ القرن الثالث الهجري، فريد عصره، ونادرة دهره، قَلَّ أن يجود الزمان بمثله، إنه أئمة في إمام، وأُمة في رجل.
قال عنه شيخه الإمام الشافعي رحمه الله: (خرجت من العراق فما خلّفت فيها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أتقى لله منه)، وقال عنه الإمام الذهبي رحمه الله: (عالم العصـر، وزاهد الدهر، ومحدّث الدنيا، وعَلَمُ السنة، وباذل نفسه في المحنة، قَلَّ أن ترى العيون مثله، كان رأسًا في العلم والعمل والتمسّك بالأثر، ذا عقلٍ رزين، وصدقٍ متين، وإخلاصٍ مكين، انتهت إليه الإمامة في الفقه والحديث والإخلاص والورع، وهو أجلُّ من أنه يمدح بكلِمِي أو أن أفُوه بذكره بفمي).
إنه إمام أهل السنة، الإمام المفضل، والعالم المبجل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، من عرفته الدنيا، ذاع ذكره وشاع صيته في الآفاق، كان إمامًا عالمًا فقيهًا محدثًا مجاهدًا صابرًا لا يخاف في الله لومة لائم، يتحمل المحن في سبيل الله والذب عن سنة رسول الله، ويقارع الباطل بحكمة نادرة، لا تزعزعه الأهواء، ولا تميد به العواصف، حتى قال عنه رفيقه الإمام يحيى بن معين: (أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد، لا والله ما نقوى على ما يقوى عليه أحمد ولا على طريقة أحمد).
عباد الله: على ثرى بغداد، وفي سنة مائة وأربعة وستين للهجرة ولد الإمام أحمد، ومن أصلٍ عربيٍ أصيلٍ انحدر نسبه رحمه الله، وعلى عصامية اليُتم تربى ودرج في صباه، مما ساعد على سمو نفسه وعلو همته.. وقد كان أسمر شديد السُّمرة، ذا هيئة وهيبة، توفي والده وهو ابن ثلاث سنين، فكفلته أمه، ونشأ وترعرع في بغداد.
لم تكن بغداد في ذلك الوقت كما هي في هذا الزمان والله المستعان، كانت بغداد حاضرة العالم الإسلامي، ومهد العلوم والحضارة، تموج بأنواع الفنون والمعارف، وقد تميز عصـر الإمام أحمد بنضوج الفقه وظهور المدارس الفقهية، وتميز أيضًا بعدم استقرار الحالة السياسية وكثرة الفتن، فكان توجه الإمام رحمه الله إلى تحصيل العلم ولزوم السنة، فلم يحرض على فتنة، ولم يواجه ذا سلطان، مع قوة في الحق وحبٍ للخلق، وذبٍ عن السنة، وتحذيرٍ من البدعة.
أقبل الإمام أحمد ينهل من العلم، فحفظ القرآن، ثم أقبل على الحديث والأثر، حتى حفظ مئات الألوف من الأحاديث، وما كتابه العظيم (المسند) إلا دليلٌ على طول باعه في علم السنة، وسعة حفظه وإتقانه، فقد جمعه من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث، واستغرق في جمعه أكثر من خمس عشرة سنة، أما في الفقه فكان رحمه الله حريصًا على فقه السنة، والعناية بالدليل والأثر، والأخذ بفتاوى الصحابة رضي الله عنهم.
رحل الإمام أحمد في طلب العلم إلى كثيرٍ من البلدان، حتى قال عنه ابن كثير: (لقد طاف في البلاد والآفاق ليسمع من المشايخ، وكانت له همة عالية في الطلب والتحصيل، فما ترك لحظة من لحظات شبابه وكهولته إلا حَرِص فيها على سماع حديث أو تصحيح رواية، وما قصته في سماعه من عبد الرزاق بن همام الصنعاني في مكة وسفره معه إلى بلاده مع بعد الشقة وانقطاع النفقة إلاّ دليلٌ على علو الهمة ومضاء العزيمة، حتى عده الأئمة حافظ زمانه). قال ابن المديني: (ليس في أصحابنا أحفظ منه)، وقيل لأبي زرعة: من رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ؟ قال: (أحمد بن حنبل؛ حزرت كتبه في اليوم الذي مات فيه فبلغت اثني عشر جملًا وأكثر، كلها يحفظها عن ظهر قلب).
ومع هذا العلم الجمّ فقد كان الإمام أحمد يخاف على نفسه البروز والشهرة والتصدر، فلم يجلس للتدريس إلا بعد الأربعين من عمره، وما ذاك إلا مراعاة لسن النضج والاستيثاق من العلم.
وكان من شدة ورعه رحمه الله أنه لا يحدث إلا من كتاب، خشية الزلل، مع قوة حافظته وشدة عارضته، قيل: إنه لسعة علمه أجاب عن ستين ألف مسألة بـ(قال الله وقال رسوله) وفتاوى الصحابة رضي الله عنهم، ومع هذا فقد كان لا يسمح بتدوين فتاويه تواضعًا.
كانت حياته حياة زهد وقناعة، لم يكن يقبل هدايا الخلفاء والسلاطين، وكان لا يأكل إلا من عمل يده، وإذا اشتدت به الحاجة كان يؤجر نفسه للحمالين في الطريق.
عباد الله: إن من أهمّ الصفات في شخصية الإمام أحمد رحمه الله، منهجَه في العقيدة والتزامَه نهج الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة في التوحيد والصفات ونزول القرآن، وأنه كلام الله منزّل غير مخلوق، حتى أوذي في ذلك وامتُحن، وسُجن وضُرب، فصبر وصابر ولم يتزحزح عن قول الحق، بل ضرب أروع الأمثلة في الثبات على المبدأ، والصبر أمام الفتن، وذلك في فتنة القول بخلق القرآن، وقد روي أن الإمام أحمد رأى الرسول ﷺ في المنام فقال له: «يا أحمد، إنك ستُبتَلى فاصبر، يرفعِ اللهُ لك عَلَمًا إلى يوم القيامة».
بدأت أحداث المحنة بعدما تولى المأمون الخلافة، وكان يميل إلى المعتزلة ويقربهم، وكان أستاذه أبو الهذيل العلاف، وقاضيه أحمد بن أبي دؤاد من زعمائهم، فاعتنق المأمون هذه العقيدة الفاسدة وهي القول بخلق القرآن، لكنه تردد في إلزام الناس والعلماء بها، وخاف من الفتنة، فأشار عليه ابن أبي دؤاد وجلساء السوء بإظهار القول بخلق القرآن، وإلزام الناس بذلك، فكتب المأمون إلى واليه على بغداد إسحاق بن إبراهيم أن يجمع من بحضـرته من القضاة والعلماء، ويلزمهم بالقول بخلق القرآن، ومن أبى حبسه أو عزله أو قتله. واشتعلت الفتنة في العراق، وحُبس وعُذب وقتل فيها خلائقُ لا يُحصَون.
واشتدت الفتنة، ولم يثبت فيها سوى أربعة من العلماء، الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، واثنان آخران ما لبثا أن تراجعا وقالا مثل ما قال الناس، فأمر المأمون أن يُقبض على الإمامِ أحمدَ بن حنبل ومحمدِ بن نوح، وأن يُرسلا إليه، فأُرسلا مقيدين على بعير واحد، فأما محمد بن نوح فمات رحمه الله في الطريق قبل أن يصل إلى المأمون في طرَسوس.
وبقي الإمام أحمد بن حنبل وحده، فجاءه رسول من قبل المأمون في الطريق، فقال له: إن الخليفة قد أعد لك سيفًا لم يقتل به أحدًا، فقال الإمام أحمد: (أسأل الله أن يكفيني مؤنته، فدعا الله عز وجل في أثناء الطريق أن لا يريه وجه المأمون وأن لا يجتمع به)، فاستجاب الله عز وجل دعاءه، وجاء الصريخ بأن المأمون قد هلك، فأعيد الإمام أحمد إلى السجن مرة أخرى.
ثم تولى الخلافة المعتصم بعد المأمون، وكان المأمون قد أوصاه بتقريب ابن أبي دؤاد، والاستمرار بالقول بخلق القرآن، وأخذ الناس بذلك، وكان الإمام أحمد في السجن، فاستحضره المعتصم من السجن، وعقد له مجلسًا للمناظرة، وجلسوا يناقشونه في خلق القرآن، والإمام أحمد يستدل عليهم بالنصوص الواردة، ويقول لهم: أعطوني دليلًا من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ، وانفضَّ المجلس ذلك اليوم دون شيء، واستمرت المناظرات ثلاثة أيام، والإمام أحمد ثابت على الحق، يقولون: ما تقول في القرآن؟ فيقول: كلام الله غير مخلوق، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ [التوبة:6]، قال: وقول الله تعالى: ﴿ الرَّحْمَٰنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴾ [الرحمن:1-2]، ولم يقل: خلق القرآن.
وأحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة، فناظروه بحضـرته ثلاثة أيام، وهو يدمغهم ويحجُّهم بالحجج القاطعة، فقال المعتصم: (قهرنا أحمد، عند ذلك تحدث الوشاة عند الخليفة من علماء السوء، فقالوا: سيقول الناس إن أحمد قد غلب خليفتين، فثار المعتصم، ثم أُخرج الإمام في رمضان وهو صائم، فجعلوا يضربونه ضربًا شديدًا، وأتى المعتصم بجلادين كلما ضرب أحدهم الإمام أحمد سوطين تأخر وتقدم الآخر لئلا يضعف الضـرب، والمعتصم يقول: شدُّوا عليه قطع الله أيديكم، ثم جردوه من ثيابه ولم يبق عليه إلا إزاره، وصاروا يضربونه حتى يُغمى عليه، فيفيق، ثم أخرجوه ونقلوه إلى بيته، وهو لا يقدر على السير من شدة ما نزل به.. فلما برئت جراحه خرج إلى المسجد، وصار يدرس الناس، ويملي عليهم الحديث، وهدأت الفتنة).
يقول علي بن المديني: (لقد أعز الإسلام برجلين: بأبي بكر يوم الفتنة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة). ولم يكن الإمام أحمد بمعزلٍ عن الأمة والمجتمع، بل كان عالمًا عاملًا، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، يسلك مسلك الرفق والحكمة، ملتزمٌ بالطاعة، موافقٌ للجماعة.
ثم توفي المعتصم واستخلف من بعده الواثق، فحرّضه قضاة السوء، ابن أبي دؤاد وغيره، فعادت الفتنة مرة أخرى، إلا أن الواثق لم يتعرض للإمام أحمد، لكنه أرسل إليه: لا تساكنّي بأرض، فاختفى الإمام أحمد رحمه الله تعالى مدة خلافة الواثق، وهي خمس سنوات تقريبًا.
يقول حنبل بن إسحاق: (اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله يعني: الإمام أحمد فقالوا: يا أبا عبد الله، إن الأمر قد تفاقم وفشا أي: إظهار القول بخلق القرآن ولا نرضى بإمارة الواثق وسلطانه، فناظَرهم أحمد في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار في قلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، لا تشقّوا عصا المسلمين، ولا تسفِكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريحَ بَرٌّ ويُستراحَ من فاجر).
وسبحان الله! ففي آخر خلافة الواثق منّ الله عليه فرجع عن القول بخلق القرآن، وكان سبب هدايته: (أنه جيء إليه بالشيخ عبد الرحمن الأَذْرُمِي مقيدًا بالأغلال، في جملة من يؤتى بهم، فيُكرههم على القول بخلق القرآن، فإن أبوا قتلهم. فلما دخل الأذرمي على الواثق، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: لا سلمك الله، فقال له الشيخ: إن الذي أدبك ما أحسن تأديبك -يشير إلى ابن أبي دؤاد فهو شيخه، وكان عنده حاضرًا- قال الشيخ: إن الله تعالى يقول: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [النساء:86]، وأنت يا أمير المؤمنين ما حييتني بأحسن منها ولا رددت بمثلها. فتعجب الخليفة، وأمر ابن أبي دؤاد أن يناظر الشيخ، فقال له ابن أبي دؤاد: ما تقول في القرآن؟ فقال الشيخ: ما أنصفتني يا ابن أبي دؤاد، أنا الذي أبدأ بالسؤال. فقال الخليفة: دعه يسأل، فقال الشيخ: ما تقول أنت في القرآن يا ابن أبي دؤاد؟ قال: مخلوق. فقال الشيخ: مقالتك هذه التي حملتَ الناس والخلفاء عليها، هل قالها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر أم لم يقولوها؟ فقال ابن أبي دؤاد: ما قالوها. فقال له: هل كانوا جاهلين بذلك أم عالمين؟ قال: كانوا جاهلين بها. فقال الشيخ: سبحان الله! شيء يجهله رسول الله وأبو بكر وعمر، تعلمه أنت يا ابن أبي دؤاد؟! فقال: لا، بل كانوا عالمين. فقال الشيخ: هل وسعهم أن يسكتوا أم أنهم حملوا الناس على ما حملتَهم عليه، فقال: لا بل سكتوا، فقال الشيخ: شيء وسع رسول الله وأبا بكر وعمر ما وسعك أنت؟! فسكت ابن أبي دؤاد، وقام الواثق فاختلى بنفسه في غرفة، ثم صار يفكر ويردد قول الشيخ: شيء وسع رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ما وسعك أنت؟ ثم خرج وأمر بإطلاق سراح الشيخ، ورجع عن القول بخلق القرآن، ولم يمتحن أحدًا بعدها، وارتفعت الفتنة عن الأمة بحمد الله).
ثم توفي الواثق، وتولى بعده المتوكل، فأعلن السنة، وكتب إلى العلماء في الآفاق: (بأن يمنع الناس من الخوض في هذه المسألة، وأصدر إعلانًا عامًا في كافة أنحاء الدولة، نهى فيه عن هذه البدعة، فعم الفرح في كل مكان، وزالت بذلك هذه المحنة، وانتصر الحق على الباطل، ولهذا لما قيل للإمام أحمد أيام المحنة: يا أبا عبد الله، انتصر الباطل على الحق، قال: والله ما انتصـر الباطل على الحق).
لقد أوذي أحمد بن حنبل وسُجن، وضُرب وأهين، فلم يتغير له رأي، ولم تلِن له قناة، ولم يتزحزح عن الحق، مُسطّرًا أعظم الدروس للعلماء والمصلحين في كل زمانٍ ومكان.
لم يتأثر بالأهوال التي حاطت به، ولا بالمؤامرات التي أحيكت ضده، ولم يُبال بالسياط التي كانت تلهب ظهره، ولا بالحديد الذي كبل فيه، ولا بالسجن الذي أودع به، فكل ذلك هيّنٌ ما دام في سبيل الله، وصيانة كتابه من تأويل الجاهلين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين.
لقد وضع الله له القبول في قلوب العباد، وطار ذكره في الآفاق والبلاد، ودعا له المسلمون وتقربوا إلى الله بحبه، وهو مع هذا كان في تواضع جم، يفر من الشهرة، ويخاف على نفسه الاستدراج.
عباد الله.. تلكم هي مقامات العظماء، ومناهج العلماء الحكماء، وهي القدوة الصالحة والأسوة الحسنة لنا ولأبنائنا.. نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاقتداء بهم، والتأسي بأخلاقهم، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين أصطفى، أما بعد:
عباد الله: وفي صفحات أخرى من حياة هذا الإمام الهُمام، تشرق صفحة التألُّه والعبادة، وتزكية النفس بالصلاة والذكر، والدعاء والتلاوة، وفي صفحة أخرى يتجلى الخلق الرفيع والسجايا الحميدة، زهدٌ وحياء، وتواضعٌ وورع، وتعففٌ وكرم، حبٌ للفقراء والمساكين، وبعدٌ عن الشهرة وأبواب السلاطين.
لقد كان أحمد بن حنبل صاحب قيام ليل، وكثرة نافلة، فقد كان يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمِئة ركعة تطوعًا، فلما ضُرب وحُبس ومرض، كان يتحسـر بعدها أنه لا يصلي إلا مئةً وخمسين ركعة.. لله درُّهم كيف كانت هممهُم وهمومهم!
قال ابنه عبد الله: (كان أبي أحرصَ الناس على الوِحدة، لم يره أحدٌ إلا في المسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض، وكان يكره المشـي في الأسواق، ولا يدع أحدًا يتبعه).
كان الإمام أحمد رحمه الله كثير العفو عمن يسيء إليه، أساء إليه رجل، ثم عاد إليه نادمًا، وقال له معتذرًا: يا أبا عبد الله، إن الذي كان مني على غير تعمد، فأنا أحب أن تجعلني في حل، فقال الإمام أحمد: (مازالت قدماي من مكانها حتى جعلتك في حِلٍّ).
وحينما نقلب صفحة أخرى من حياة هذا الإمام نرى التميز في الجانب الأسري وتربية الأولاد، فلم تشغله هموم العلم والدعوة عن أسرته وحسن العشرة لأهله وزوجه، فقد كان من خير الناس لأهله، يقول الإمام عن نفسه: (تزوجتُ أم صالح فأقامت معي ثلاثين سنة، ما اختلفت أنا وهي في كلمة واحدة! ولقد خلّف الإمام أحمد وراءه أبناءً بررة، وعلماء سفرة، كانوا من ثمرات هذا البيت الصالح).
وفي صفحة أخرى من حياته يظهر إنصافه للمخالف، وسلامة صدره للمسلمين، وتقديره لأهل العلم وإن اختلف معهم، ولما عتب عليه بعضهم وأرادوا إثارة الخلاف بينه وبين الشافعي قال: (مَهْ -أي: كُفّوا- ما رأت عيناي مثل الشافعي، وقال: إني لأدعُو الله للشافعي في صلاتي منذ أربعين سنة).
وفي سنة مِئَتين وإحدى وأربعين هجرية، أصيب الإمام أحمد بالحمّى، وحضـرته الوفاة، يقول ابنه عبد الله: (لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده، فجعل يُغشى عليه ثم يُفيق، ثم يفتح عينيه ويقول بيده: لا بعد، لا بعد، لا بعد، ثلاث مرات، ففعل هذا مرة ثانية وثالثة، فلما كانت الثالثة قلت له: يا أبتِ، إنك قلت كذا وكذا، فقال: ما تدري، هذا إبليس قائم حذائي عاضٌّ على أنامله يقول: فُتَّني يا أحمد، وأنا أقول: لا بعد حتى أموت. قال صالح: فجعل أبي يحرك لسانه بالشهادة حتى توفي رحمه الله، وله سبعٌ وسبعون سنة وأيام. وانتشر الخبر في بغداد، فكان يومًا كئيبًا حزينًا على أهل بغداد).
وقد شهدت جنازته جمعًا غفيرًا، قيل إنه لم يُشهد مثله في الجاهلية والإسلام، حتى بلغ من حضر جنازة الإمام أحمد سبعمائةَ ألف من الرجال، وستين ألفًا من النساء، هذا سوى من كان على السفن في الماء، حتى قيل: إن بعض غير المسلمين أسلموا ذلك اليوم لما رأوا هذا الجمع الكبير وهذه الجنازة المهيبة.
وصدق الإمام أحمد رحمه الله عندما كان يقول في حياته: (قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز).
تلكم أيها الأحبة صفحاتٌ ناصعة، وإشارات سريعة من حياة هذا الإمام الجليل، وما أروع الوقوف مع أمثال هذا الإمام، كأبي حنيفة ومالك والشافعي، والبخاري، وابن تيمية، وابن القيم، وصلاح الدين، وغيرهم من الأئمة العلماء، والقادة النبلاء، والصالحين الأتقياء، ﭭ جميعًا ورضي عنهم.
فمن الجدير أن نقف مع سيرهم، وننهل من شمائلهم، ونربط الجيل بأخلاقهم وصفاتهم التي ورثوها من المنهج النبوي، واستقوها من معين الكتاب والسنة، لعلنا أن ننهض بما نهضوا به، ونتّصف بما اتصفوا به، من علو الهمة، وسمو النفس، والتسامي على الأهواء والشهوات، والترفُّع عن السفاسف والتُرَّهات، فإن في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب، وفي تأمل أحوالهم إصلاح للأبناء والشباب.
| أولئك آبائي فجِئني بمثلهم |
| إذا جمعَتنا يا جريرُ المجامعُ |
ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية، وأزكى البشرية...
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /سامي بن خالد الحمود