الحمد لله الذي أنزل كتابه الكريم هدى لِلْمُتَّقين، وعبرة للمعتبرين، ورحمة وموعظة للمؤمنين، ونبراسًا للمهتدين، وشفاءً لما في صدور العالمين؛ أحمده تعالى على آلائه، وأشكره على نعمائه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحيا بكتابه القلوب، وزكَّى به النفوس، وهدى به من الضلالة، وذكَّر به من الغفلة، وأمر فيه بالتقوى. فسبحان من يعلم السـر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى!
| إذا المرءُ لم يلبَسْ ثيابًا مِن التُّقَى |
| تقلَّبَ عُرْيَانًا وإنْ كانَ كَاسِيًا |
| وخيرُ لباسِ المرءِ طاعةُ ربِّهِ |
| ولا خيْرَ فيمَنْ كان لله عاصيًا |
وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه، ومَن ترسَّم خطاه وسار على نهجه، ما تعاقب الجديدان، وتتابع النيِّران، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله كما أمركم في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70-71].
عباد الله: كم هي الآيات التي يدعونا الله فيها إلى الإيمان! ما تكاد تجد سورة في القرآن إلا وفيها دعوة صريحة، أو إشارة إلى أهمية الإيمان وأثره في حياة الفرد والمجتمع والأمة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ۚ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء:136].
وكم هي نداءات الرحمن في القرآن الكريم لعباده بأعظم صفة وهي صفة الإيمان التي جعلها الله شرطًا لقبول الأعمال والعبادات، ورتب عليها الجزاء في الأخلاق والسلوك والمعاملات، فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ [النساء:124].
وقال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل:97]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ﴾ [طه:112]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ ﴾ [طه:75].
إنه الإيمان بقوة الله وقدرته، وعلمه، وعظمته، وسعة ملكه وسلطانه؛ إنه الإيمان بحُكمه وعدله، وعفوه ورحمته، ونصره وتأييده لعباده المؤمنين؛ فالإيمان هو حياة الإنسان الحقة، وبغيره يكون كالميت الذي لا حياة فيه: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ [الأنعام:122].
والإيمان قوة هادية؛ لأنه يحدد للإنسان وجهته، ويعرّفه غايته ومنهجه، فيحيا على نور، ويمضي على بصيرة: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ [التغابن:11]، ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران:101].
والإيمان ينير الطريق، ويحقق الطمأنينة والراحة النفسية، ويباعد بين المؤمن والقلق والحيرة، والهم والحزن، والتمزق داخل النفس؛ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد:28]، ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج:31].
فلا إله إلا الله كلمة عظيمة؛ من أجلها خلق الخلق، وبعث الرسل، وأنزلت الكتب، وخلقت الجنة والنار، فكان الإيمان بها وبمقتضياتها من أعظم الواجبات.
فعن أبى سعيد الخدري قال: قال ﷺ: «قال موسى عليه السلام: يا رب: علِّمْنِي شيئًا أذكرك به، وأدعوك به. قال: يا موسى: قل: لا إله إلا الله. قال: يا رب: كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى: لو أن السماوات السبع والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله»[1].
والإيمان المطلوب من كل عبد أن يحققه في نفسه هو ذلك الإيمان الذي يورث الخشية والخوف من الله، والحب لله، والرجاء منه؛ وهو ذلك الإيمان الذي يهذب النفوس، ويقوّم الأخلاق، وبه يستقيم السلوك، وينتشر الخير.
وهذا الإيمان يزداد بالطاعات من صلاة، وصيام، وحج، وصدقة، وقراءة للقرآن، وتفكُّر في مخلوقات الله، وغيرها من الطاعات؛ وينقص بالمعاصي والسيئات، حتى يمشي الرجل بين الناس وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
إنَّ تنميةَ العقيدة والروح الإيمانية أعظم ضماناتٍ لسلامة المجتمع الإسلامي، وأقوى أسباب تماسكه ووحدته؛ فهو يصهر الشعوب والقبائل والأعراق واللغات في رحاب المجتمع الواحد، الذي يعبد الإله الواحد، ويتبع النبي الواحد، ويؤمن بالكتاب الواحد؛ بل ويضبط التصوراتِ والأفعالَ والسلوكَ وفق قيمٍ واحدة، هدفها سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.
عباد الله: ولما كان للإيمان هذا الأثر العظيم في حياة المسلم فقد رأينا أن نتحدث في هذا المقام حول الإيمان وأثره في واقع حياتنا، خاصة وقد ظهر كثيرٌ من الأمراض الاجتماعية والنفسية والسلوكية والأخلاقية بسبب ضعف الإيمان، والتعلق بالدنيا، وطول الأمل، ونسيان الآخرة، وبسبب هذه الحضارة المادية التي أهملت جانب الروح؛ فكان اهتمامها فقط بالجسد، فرأينا المخترعاتِ العملاقةَ، والمنتجات المتنوعة، والصناعات المختلفة التي تهتم بجسد هذا الإنسان: كيف يأكل وكيف يشرب وكيف ينام..
فأين غذاء الأرواح الذي به تُهذب النفوس، وتزدهر المجتمعات، وتبنى الحضارات؟! أين القيم والمبادئ والأخلاق؟! أين حب الإنسان لأخيه؟ أين الإيمان الذي يصنع الفرد والأسرة والمجتمع صناعة تضمن لهم جميعًا طمأنينة النفس، وراحة البال، وانشراح الصدر، وخير الدنيا، والنجاة يوم القيامة؟!
إن آثار الإيمان كثيرة في حياتنا؛ فمن آثاره توجيه السلوك وتهذيبه، وإن مَن ينظر إلى سلوكيات وتصرفات البعض اليوم يجدها لا تسلم من البغي والظلم، والتقاطع والعقوق، والشدة والجفاء، والحسد والبغضاء، ونكران المعروف وحب الذات، والتهرب من المسؤولية، والتنصل من الواجبات، بل أصبحت السلوكياتُ بعيدةً عن أوامر الدين وتوجيهات الرسول الكريم ﷺ، لا تحتكم إلى الشـرع؛ بل إلى الهوى والمنافع الذاتية والمصالح الشخصية.
إن الإيمان كفيلٌ بعلاج الانحرافات؛ فهو يغرس في كل فرد قضيةَ مراقبةِ الله تعالى وخشيته، والسعي لنيل الأجر والثواب، والخوف من العقاب، فيحرص المؤمن على أن يكون سلوكه حسَنًا مع الناس جميعًا؛ بل حتى مع الحيوان والبيئة التي حوله، وهذه هي رسالة الإسلام، وثمرة من ثمار الإيمان.
والإيمان هو الذي يغذي القيم ويوجه سلوك العبد، مع نفسه، ومع خالقه، ومع أبناء جنسه، في البيت، ومع الجيران، وفي الوظيفة، وفي السوق، بل ويجعل من العادة العادية عبادة ثابتة راسخة؛ كما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخِر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيُكْرِم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو لِيَصْمُت»[2].
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْـمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنْ الْـمُنْكَرِ صَدَقَةٌ»[3].
وفي صحيح مسلم، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْـمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»[4].
والإيمان يدعونا إلى نهج السلوك الحسن مع الخلق جميعًا، وتهذيب الأقوال والأفعال، قال ﷺ: «إنَّ مِنْ أَكْمَلِ المُؤْمِنينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ»[5] وقال ﷺ: «إِنَّ الُمؤْمِنَ لَيُدْركُ بِحُسنِ خُلُقِه درَجةَ الصائمِ القَائمِ»[6]. وقال ﷺ: «ليس المؤمن بالطَّعَّان، ولا اللَّعَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء»[7].
والإيمان يوجه سلوك المسلم في أي ميدان من ميادين الحياة إلى الخير، فللتاجر الصدوق منزلةٌ رفيعةٌ يتسابق إلى بلوغ شرفها المؤمنون، قد بشّر بها النبي ﷺ في قوله: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيّين والصدّيقين والشّهداء»[8].
وخرج رسول الله ﷺ إلى المصلَّى بجانب السوق يومًا، فرأى الناس يتبايعون، فقال: «يا معشر التجار»، فاستجابوا، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: «إن التجار يُبعثون يوم القيامة فُجّارًا، إلا من اتقى الله، وبَرَّ، وصدق»[9].
وانظروا إلى ماذا يصنع الإيمان، وكيف يضبط السلوك ويوجه التصـرفات: ففي عام الرمادة، وقد بلغ الفقر والجوع بالمسلمين مبلغًا عظيمًا، جاءت قافلة لعثمان بن عفان مؤلفة من ألف بعير، محملة بالتمر والزبيب والزيت وغيرها من ألوان الطعام، فجاءه تجار المدينة المنورة من أجل شرائها منه، وقالوا له: نعطيك ربحًا بدل الدرهم درهمين يا عثمان. قال عثمان: «أعطيت أكثر من هذا». قالوا: نزيدك، الدرهم بخمسة. قال لهم: «لقد زادني غيركم الدرهم بعشرة». قالوا له: من الذي زادك، وليس في المدينة تجار غيرنا؟! قال عثمان: «ألم تسمعوا قول الله تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام:160]؟! أشهدكم أني قد بعتها لله ورسوله» فأنفقها في سبيل الله.
فلو لم يكن هناك إيمان لكان الجشع والطمع واستغلال حاجات الناس وظروفهم؛ لكنه الإيمان.
عباد الله: والإيمان يمنع الغش والتحايل والخيانة، كما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يتجول ذات ليلة بالمدينة، ومعه خادمه، فأعياه التعب، فاتكأ إلى جدار بيت، وإذا بامرأة تقول لابنتها: قومي إلى اللبن فامزجيه بالماء، فقالت الفتاة: يا أماه: أوَمَا سمعتِ منادي الخليفة ينادي: لا يُخْلَط اللبن بالماء؟! فقالت: إن عمر لا يرانا، فقالت الفتاة: إنْ كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا.
فلما سمع الخليفة كلامها قال لخادمه: اعرف مكان البيت، ثم مضـى عمر رضي الله عنه في جولاته، فلما أصبح قال للخادم: امضِ إلى المكان فانظر مَن الفتاة؟! وهل لها زوج؟! قال الخادم: أتيت البيت فعلمت أنه ليس لها زوج، فعدت إلى الخليفة فأخبرته الخبر، فجمع أولاده وقال لهم: هل فيكم من يحتاج إلى الزواج فأزوجه؟! فزوجها لابنه عاصم، فكانت جدّة عمر بن عبد العزيز من جهة أمه، حيث إن ابنتها تزوجت عبد العزيز بن مروان، وأنجبت عمر بن عبد العزيز.
آمنت وعرفت ربها وعرفت معنى مراقبته، والسلوك الذي يجب أن تلتزم به، فعوضها ربها خيرًا وخلّد التاريخ قصتها لتُروى للأجيال لتكون مثلًا للاقتداء. فمتى ينتبه الموظف لسلوكه وتصرفاته في وظيفته؟! ومتى يدرك القاضي دوره ومسؤوليته؟! ومتى يشعر الجندي بواجبه في حماية الأعراض والدماء والأموال؟! عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: «عينانِ لا تمسَّهُما النار: عينٌ بكتْ من خَشيةِ الله، وعينٌ بكتْ من خَشيةِ الله باتتْ تَحْرُسُ في سبيلِ اللهِ»[10].
ومتى يدرك الأبناء أهمية البر بالآباء؟! ومتى تقوم المرأة بواجبها في التربية وبناء الأسرة المسلمة؟! إن ذلك كله لن يكون واقعًا في الحياة حتى تمتلئ هذه القلوب بالإيمان بالله.
إنه الإيمان الذي يضبط السلوك حتى في أحلك الظروف وأصعب الأزمات، فهذه الخنساء رضي الله عنه عُرفت بالبكاء والنواح، وإنشاء المراثي الشهيرة في أخيها المتوفَّى إبان جاهليتها، وظلت ترثيه سنوات، تقول فيه:
| يُذَكِّرُنِي طلوعُ الشمسِ صَخْرًا |
| وأذْكُرُهُ بكُلِّ غُرُوبِ شَمْسِ |
| ولولا كثرةُ الباكينَ حَوْلِي |
| عَلَى إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِـي |
| وما يبْكُونَ مِثْلَ أَخِي، وَلَكِنْ |
| أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي |
وما إن لامس الإيمان قلبها، وعرفت مقام الأمومة، ودَور الأم في التضحية والجهاد في إعلاء البيت المسلم ورفعة مقامه عند الله، وعظت أبناءها الأربعة عندما حضـرت معركة القادسية تقول لهم: إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وإنكم لابْنُ أبٍ واحد، وأم واحدة، ما خبث آباؤكم، ولا فُضحت أخوالكم.
فلما أصبحوا باشروا القتال واحدًا بعد واحد حتى قُتلوا، ولما بلغها خبرهم ما زادت على أن قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
لَقَد قَصَدَ الإسْلامُ أنْ يكُون الإِنسان مَثَلًا صَالحًا محمُود الخصال، شريف الشمائل، حسَنَ السلوك، إن تكلم صَدَقَ، وإنْ وَعَدَ وَفَى، وإن اؤتُمِنَ في أمْرٍ أَدَّى الأمانَةَ وَلَمْ يَخُنْ، وإنْ رَأى أمرًا مُنْكرًا غَيَّرهُ بيَدِه، فإِنْ لمْ يَسْتَطعْ فَبِلسانه، فإن لم يَسْتَطعْ فَبِقَلْبه، وإن تَكَلم غضَّ مِن صَوْتِه، وَإن مَشَى لَم يَكُن مُخْتَالًا ولا فخورًا في مشيتِه، وإنْ رأى كَبيرًا وَقَّره، أو صغيرًا عطف عليه، أو محتاجًا أعانه.
اللهم زَيِّنْ قلوبنا بالإيمان. قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
عباد الله: إن سلوك الإنسان وأخلاقَه وتصرفاتِه في الحياة هي ثمرة ومظهرٌ من مظاهر عقيدته في حياته الواقعية وممارساته اليومية، فإن صح الإيمان وصلَحت العقيدة صلَح السلوك واستقام، وإذا فسَدت فسد واعوجَّ، ومن ثَمَّ كانت عقيدة التوحيد والإيمان بالله ضرورةً لا يستغني عنها الإنسان؛ ليستكمل شخصيته، ويحقق إنسانيته واستقامته، وقد كانت الدعوة إلى عقيدة التوحيد والإيمان بالله أول شيء قام به الرسول ﷺ لتكون المنطلق وحجر الزاوية في بناء الفرد والأمة المسلمة.
إن الإيمان يجعل صاحبه قويًا في مواجهة العقبات، صلبًا عند حلول الأزمات، ليس هلوعًا ولا جزوعًا ولا منوعًا، بل كريمًا صبورًا قنوعًا، لإيمانه وثقته وحسن ظنه بالله، ومعرفته لحقيقة هذه الحياة.
وإن الإيمان يوجه سلوك الفرد تجاه أمته ومجتمعه التوجيه الأمثل، فمن مقتضيات الإيمان أن يكف شره وأذاه عن القريب والبعيد، والجار والصديق، ولذا جاء عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والله لا يُؤمن، والله لا يُؤمن، والله لا يُؤمن»، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوائِقَه»[11]. قال ابن بطال رحمه الله: (وهذا الحديث شديد في الحض على ترك أذى الجار، ألا ترى أنه عليه السلام أكد ذلك بقسمه ثلاث مرات أنه لا يؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه، ومعناه أنه لا يؤمن الإيمان الكامل، ولا يبلغ أعلى درجاته من كان بهذه الصفة، فينبغي لكل مؤمن أن يحذر أذى جاره ويرغب أن يكون في أعلى درجات الإيمان، وينتهي عما نهاه الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه وحضا العباد عليه)[12].
أيها الآباء والمربون.. اغرسوا الإيمان في قلوب أبنائكم، اغرسوا حب الله ورسوله في قلوبهم الناشئة، لينهجوا منهج الصدق والعدل، والعفة والأمانة، والأدب والصيانة، قُصُّوا عليهم قصص الأنبياء والصالحين، والأولياء والمؤمنين، اغرسوا فيهم مبدأ المراقبة لله، وحبه وخشيته والحياء منه، فتلك هي أصول القيم وجذور الأخلاق وينبوع الشمائل، لتنبت فيهم تواضعًا وإحسانًا، واستقامة وخيرًا..
أيها الناس.. المؤمن مبارك أينما كان، فهو كالنحلة أو كالنخلة، وكالغيث أينما حل نفَع، لا يعيش لنفسه وحسب؛ بل يعيش لمجتمعه وأمته، ويسعى دائبًا في نفع غيره؛ لأنه يعلم أن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، وأحب العمل إلى الله سرور تدخله على مسلم.
وإن التعاون والتكافل عنوان المجتمع المؤمن، كما قال عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ الْـمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْـجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْـجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْـحُمَّى»[13].
فيفرح المسلم لفرح المسلمين، ويحزن لحزنهم، ويتألم لمصابهم، ويسعى لنصرتهم، ولا يوالي عدوهم؛ بل ويشاركهم في همومهم وتطلعاتهم، ويبذل الوسع في ذلك، فإن عجز عن شيء بلّغه صدق إيمانه وصحة نيته ما لم يبلغه عمله، وانظروا إلى سلوك المسلمين في غزوة تبوك وقد دعاهم رسول الله للخروج للجهاد في سبيل الله في وقت شديد الحرارة، وقد بلغ بهم الفقر والحاجة مبلغًا عظيمًا، فخرج مَن خرج، وتصدق من تصدق، وجاء الفقراء يريدون مشاركة المسلمين في شرف الجهاد؛ لكنهم لا يملكون زادًا ولا راحلة، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع، قال تعالى: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾ [التوبة:92].
اللهم حبب إلينا الإيمان، وَزَيِّنْهُ في قلوبنا، وكَرِّهْ إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
هذا، وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعَنَّا معهم بِمَنِّكَ ورحمتك يا أرحم الراحمين.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ / حسن بن أحمد العماري