الحمد لله، لا إله بحقٍّ غيرُه يُعبَد، أحمدُه سبحانه وأشكرُه يرَى دبيبَ النمل على الصخرة الملسَاء في الليل البَهيم الأسوَد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحِدُ الأحد، الفردُ الصمدُ، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه رسولٌ لا يُكذَّب وعبدٌ لا يُعبَد، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِهِ وأصحابِه أهل الفضل والشـرَف والسُّؤدَد، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ومن تعبَّد.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسـي بتقوى الله عز وجل؛ فاتقوا الله ربكم؛ فأهل النجاة والخلاص هم أهل التقوى والوفاء والإخلاص، الذين يوفون مع الله مواثيقه، ويخلصون له في يقينه وتصديقه؛ فيا ويح الغافلين؛ خف زادهم، وقل مزادهم؛ فطال عليهم السبيل، وحار فيهم الدليل، قصر أجل مع طول أمل وتقصير في عمل؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله؛ فالأجداد أبلتهم الأيام، والأبناء على ما بقي عنهم من الأنباء؛ ففيم الحرص؟! أعلى ضل زائل، ومقيل أنت عنه حائل؛ فاتقوا الله رحمكم الله: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:281].
أيها المسلمون: لقد جاءت الشريعة بالتيسير دون التعسير، وبالتبشير دون التنفير، ومن حكم الشريعة ومقاصدها تيسير مؤونة النكاح ليسهل البديل الشرعي ويتيسـر على الناس، فأيسر النساء مؤنة هن الأكثر بركة، كما جاء عن الصادق المصدوق ﷺ..
ولقد ازدادت مشكلة غلاء المهور، حتى صار الزواج عند بعض الناس من الأمور الشاقة والمستحيلة، وبلغ المهر في بعض البقاع حدًا خياليًا، لا يطاق إلا بجبال من الديون التي تثقل كاهلَ الزوج. ويؤسف كلَّ غيور أن يصل الطمع ببعض الأولياء أن يطلب مهرًا باهظًا من أناس يعلم الله حالهم، فيا سبحان الله، أإلى هذا المستوى بلغ الطمع وحب الدنيا ببعض الناس؟! وكيف تعرض المرأة المسلمة سلعة للبيع والمزايدة وهي أكرم من ذلك كله؟! حتى غدت كثيرات من العوانس مخدرات في البيوت حبيسات في المنازل بسبب ذلك التعنت الذي لا مسوغ له.
إخوة الإسلام: يقول الفاروق رضي الله عنه: «ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة لكان النبي أولاكم بها؛ لم يصدق امرأة من نسائه ولم تُصدق امرأة من بناته بأكثر من ثنتي عشرة أوقية»، ولعله لا يزيد في عملتنا المعاصرة على عشرين دينارا فقط.
وجاءت امرأة إلى رسول الله فقالت: إني وهبت من نفسـي، فقال رجل: زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال عليه الصلاة والسلام: «هل عندك من شيء تصدقها؟»، قال: ما عندي إلا إزاري، فقال: «إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئًا»، فقال: ما أجد شيئًا، فقال النبي: «التمس ولو خاتمًا من حديد»، فلم يجد، فقال: «أمعك من القرآن شيء؟»، قال: نعم سورة كذا وكذا وسورة كذا، لسور سمّاها، فقال: «قد زوجناكها بما معك من القرآن»[1].
ولقد خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله، ما مثلك يرد، ولكنك كافر، وأنا مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذلك مهري، ولا أسألك غيره، فكان كذلك، أسلم وتزوجها.
وهذا عبد الرحمن بن عوف وهو من أغنى أهل المدينة، والذي توفي عن أربعة وستين مليون دينار، تزوج على وزن نواة من ذهب، صاحب الملايين تزوج على وزن نواة من ذهب.
وهذا سعيد بن المسيب رحمه الله سيد التابعين، يتقدم لخطبة ابنته الخليفة عبد الملك بن مروان لابنه الوليد ولي العهد، فيرفض، ويزوجها لتلميذ صالح صاحب دين وخلق، اسمه عبد الله بن أبي وداعة، ماتت زوجته، فقال له شيخه: (وهل استحدثت امرأة غيرها؟ قال: ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟! فقال: أنا أزوجك، وزوجه بابنته على درهمين أو ثلاثة. يقول التلميذ عبد الله بن أبي وداعة: فدخلت بها فإذا هي من أجمل النساء، وأحفظ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بسنة رسول الله، وأعرفهم بحق الزوج، وبعد شهر عاد إلى شيخه سعيد، فدفع له شيخه عشرين ألف درهم).
معاشر الإخوة: إن قصة سعيد بن المسيب وتلميذه عبد الله بن أبي وداعة توبيخ لمن باع ابنته بالدرهم والدينار، واشترط لها أموالًا طائلة وتكاليف باهظة، لقد آثر سعيد ما يبقى على ما يفنى، والسعادة والله ليست في الأموال، وإنما في الإيمان بالله والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت:46].
وقد أنكر الرسول على المغالين في المهور، فقد جاءه رجل يسأله فقال: يا رسول الله، إني تزوجت امرأة على أربع أواق من الفضة، فقال النبي: «أوّه، على أربع أواق من الفضة؟! كأنما تنحتون الفضة من عُرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك». ويقول عليه الصلاة والسلام: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»[2]. هذا أمر رسول الله الذي خالفه بعض الأولياء هداهم الله، فخانوا الأمانة التي حُمِّلوها في بناتهم بمنعهنّ من الزواج من الأكفاء دينًا وخلقًا وأمانة، فقد يتقدم إليهم الخاطب الكفء فيماطلونه ويعتذرون له بأعذار واهية، وينظرون فيه إلى أمور شكلية وجوانب كمالية، يسألون عن ماله، وعن وظيفته، وعن وجاهته ومكانته، ويغفلون أمر دينه وخلقه وأمانته، بل لقد وصل ببعض الأولياء الجشع والطمع أن يعرض ابنته سلعة للمساومة وتجارة للمزايدة والعياذ بالله، وما درى هؤلاء المساكين أن هذا عضل وظلم، ألم يسمع هؤلاء بالقصص الواقعية لضحايا هذه الظاهرة؟! إنها صرخة نذير في آذان الآباء والأولياء، ورسالة عاجلة إليهم أن يتداركوا شرفهم وعفتهم وعرضهم قبل فوات الأوان.
أين الرحمة في قلوب هؤلاء الأولياء؟! كيف لا يفكرون بالعواقب؟! أيسـرُّهم أن تلطَّخ سمعتهم مما يندى له جبين الفضيلة والحياء؟! سبحان الله، كيف يجرؤ مسلم غيور يعلم فطرة المرأة وغريزتها على الحكم عليها بالسجن المؤبد إلى ما شاء الله؟! ولو عقل هؤلاء لبحثوا هم لبناتهم عن الأزواج الأكفاء، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعرض ابنته حفصة على أبي بكر ليتزوجها، ثم على عثمان رضي الله عنهم أجمعين. وهذا سعيد بن المسيب رحمه الله سيد التابعين يزوج تلميذه أبا وداعة.
أيها المسلمون: يا أحباب محمد، إن الإسلام لم يشرع في نفقات العقد والزفاف سوى المهر للمرأة، والوليمة لحفلة العرس، وإكرام الضيف بما يناسب الحال. أما ما عداها من الهدايا والنفقات، كغرفة النوم وأثاث البيت والملابس والمال الذي يعطى لأب العروس وإخوتها وعمها وخالها، فهي ليست فرضًا واجبًا، وليس من شروط العقد والنكاح في شيء أبدًا.
يا أمة محمد: يا خير أمة أخرجت للناس، لم يشرع في الزواج إلا المهر، فمن أين جاءت تلك التكاليف الباهظة في بعض الأعراف؟! حتى توسعت عند البعض إلى أمور كثيرة، كهدايا لأقارب العروسين، العم والخال، وغير ذلك من تبعات الزواج!
فيا أولياء الأمور، تعاونوا على تخفيض المهور، ويا أيها العلماء، يا أئمة المساجد، يا أهل الدين، يا أهل الخير، يسّروا ولا تعسروا، وزوِّجوا بسنة محمد، فأنتم القدوة، وغيركم تبع لكم. سنة ميتة، من يحييها ويكون أهلا لها؟! من منكم يملك الجرأة الكافية والإيمان القوي لينتصر على نفسه وعلى تلك العادات الجاهلية الموروثة، فيثبت بذلك حبه لرسول الله، ويسن سنة حسنة، له أجرها وأجر من عمل بها؟!
أيها المؤمنون: يقول النبي: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»[3]. وهذا خطاب للرجال العقلاء، لا للنساء اللواتي قُلِّدن أمر الزواج في هذا المجتمع.
لقد كثرت العوانس، وغلت المهور، وتضاعفت نفقات الزواج. ولا شك أن المرأة بما جبلت عليه من فِعال وعاطفة، وبما تحبه من المظاهر والمفاخرة وحب الظهور أمام الناس، قد تفسد على نفسها، إلا إذا كانت تزن الأمور بميزان الشرع والدين، ومثل ذلك قليل. فكم سمعنا عن أمهات يفسدن زواج بناتهن؛ لأن الواحدة منهن تدعي أن ابنتها ليست بأقل من بنت فلان.
فاتقوا الله عباد الله فيمن تحت أيديكم من البنات، بادروا بتزويجهن متى ما تقدم الأكفاء في دينهم وأخلاقهم، «إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».
بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بالآيات والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان حليمًا غفورًا.
الحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبا وصهرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، بعثه الله هاديًا ومبشـرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
أيها الأحبة: إننا نقولها وبصراحة: ماذا ينفع المرأةَ أهلها إذا بقيت عانسًا قد فاتها ركب الزواج، وأصبحت أيِّمًا لم تسعد في حياتها بزوج وأولاد، يكونون لها زينة في الحياة، وذخرًا لها بعد الوفاة؟! وكم من امرأة فاتها قطار الزواج، وذهبت نضارتها، وذبلت زهرتها، وتمنت بعد ذلك الموت لمن عطل زواجها، لأنها لم تسمع كلمة الأمومة على لسان وليدها، وكم هي الصيحات والزفرات الحرَّاء التي أطلقت من مثل هؤلاء، فأين الرحماء ببناتهم؟! أين العقلاء؟!
والله، إننا لنحزن على أخوات لنا ظلمهن أولياؤهن ظلما كبيرا، فلا هن متزوجات فيسعدن، ولا هن بميتات فيسترحن. فهذه فتاة تقدم إليها الخطاب، فرفض أبوها أن يزوجها، فلما تقدم بها السن، وحضرت أباها الوفاة، قال لها: (يا بنية، اجعليني في حل، سامحيني سامحك الله، فقالت له: والله، لا أسامحك، بل حسابك عند الله كما حرمتني من حقي في الحياة). وهذا رجل آخر يزور أخته في المستشفى، وقد تقدم بها السن ولم تتزوج، بعد أن رد أخوها خُطابها، ولما كانت على فراش الموت في آخر لحظة من حياتها قالت لأخيها: (اقترب مني يا أخي، فلما اقترب منها، قالت له: حرمك الله الجنة كما حرمتني من الزواج). هذه المآسي يا عباد الله بسبب المغالاة في المهور وتعسير أمور الزواج.
أمة الإسلام: لقد حث الإسلام على تسهيل الزواج وتيسير أموره، ونهى عن المغالاة في المهور، والمبالغة في تكاليفه، فهذا خير البشر محمد يزوج ابنته فاطمة رضي الله عنها بعلي بن أبي طالب بما يساوي أربعة دراهم. والإسلام اعتبر أن المرأة كلما كان مهرها قليلًا كان خيرها كثيرًا، قال رسول الله: «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة»[4]، وقال: «خيرُ النِّكاحِ أيْسَـرُهُ»[5]. «يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير رحمها»[6].
فاتقوا الله عباد الله: يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وإياكم من الرغبة في المال دون الدين، فالمال عرض زائل وعارية مستردة، والبقاء للدين. وليست بناتنا بأكرم من بنات النبي ولا نسائه، فاحرصوا على من ترضون دينه وخلقه، اجعلوا مقياسكم هو الدين والخلق، والرجولة والأدب، مع ما تيسير من الصداق، ليستغني الشباب بالحلال عن الحرام، وفي ذلك البركة والتوفيق بإذن الله.
ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد، فقد أمركم بذلك ربكم فقال في محكم تنزيله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /زهير بن حسن حميدات