حجم الخط:

فضل آل البيت رضي الله عنهم (عند أهل السنة والجماعة)

الخطبة الأولى:

الحمد لله يخلق ما يشاء ويختار، ويصطفي للشرف من شاء من الأخيار، شرّف رسوله محمدًا على كل البرية، وجعل ذريته أشرف ذريّة، أحمد ربي تعالى وأشكره وأثني عليه وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نتقرب إلى الله تعالى بمحبة رسوله وأصحابه، وآله وعترته الطاهرة الزكية، صلى الله وسلم وبارك عليهم وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فوصية الله تعالى للأولين والآخرين: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131]. أيها المسلمون.. الشريف في ذاته يفيض بالشرف على من حوله، والكريم في معدنه يسري كرمه في المحيطين به، انظر إلى زجاجة العطر كيف تبقى فوّاحة بعد نفاد ما فيها، تطلّع إلى جوار المصباح وكيف استحال هالة من نور، وسوارًا من ضياء، وكذلك البشر تفيض بركة السعداء منهم وتتعداهم إلى غيرهم. فكثير من سلالة إبراهيم الخليل غدوا أنبياء وأصحاب عيسى صاروا حواريين ورفاق محمد شرفوا بالصحبة وأزواجه أمهات للمؤمنين. ونسله استحقوا وصف الشرف والسيادة، كيف لا وفيهم من دمائه دم، وفيهم من روحه نبض، ومن نوره قبس، ومن شذاه عبق، ومن وجوده بقية صلى الله عليه وصلى على آله وأزواجه وصلى على صحابته وسلّم تسليمًا كثيرًا.

ولا شك أن القلب إذا أحب أحدًا أحب مَن يشبهه أو يخالطه، ومن أعظم المحبة في الإسلام بعد محبة الله تعالى، محبة النبي ، ومن محبة النبي محبة آل بيته، أبناء النبي وبناته وعمه العباس وحمزة رضوان الله عليهما، وأبناء أعمامه من المسلمين كعليّ بن أبي طالب وابن عباس -رضوان الله عليهما-، وكذا أزواجه الطاهرات -رضي الله عنهن جميعًا-، فكل هؤلاء امتداد لعبقه وذكراه ونوره.

ولكرم النبي كرمت ذريته، ولشرفه شرف آل بيته، وكانت مودتهم ومحبتهم جزءًا من شريعة المسلمين، فاعتقدوا المودة لهم ومحبتهم وموالاتهم، شهدت بذلك كتبهم المدونة وتفاسيرهم المبسوطة وشروحات السنن ومسائل الفقه. كيف لا، وهم وصية نبينا محمد هم وصيته وهم بقيته، إذ يقول: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»[1] وكل بيته هم أزواجه وذريته وقرابته الذين حرمت عليهم الصدقة هم أشراف الناس، وقد قال النبي كما روت ذلك عائشة الصدّيقة في صحيح البخاري: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة»[2].

وفي الصحيحين أن النبي قال: «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني»[3]. وفي رواية فيهما أيضًا: «فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها»[4].

وروى البخاري رحمه الله أن النبي قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أنت مني وأنا منك»[5]، كما قال النبي عن الحسن بن علي ȋ: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»[6].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال للحسن: «اللهم إني أحبه فأحبه وأحبب من يحبه»[7]. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم وقرآنه العظيم: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33] ومعلوم أن هذه الآية نزلت في أزواج النبي ؛ لأن ما قبلها وما بعدها كله خطاب لهن رضي الله عنهن، وفي الصحيحين أن النبي قال لأصحابه: قولوا: «اللهم! صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد»[8]. وهذا يفسـر اللفظ الآخر للحديث: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ فالآل هنا هم الأزواج والذرية في الحديث الأول.

عباد الله: هذه بعض فضائل آل بيت النبوة كما حفظتها كتب السنة والتزمها المسلمون منذ صدر الإسلام الأول وأنزلوهم منازلهم اللائقة من غير إفراط ولا تفريط. ففي صحيح البخاري عن ابن عمر ȋ: أن أبا بكر رضي الله عنه قال: «ارقبوا محمدًا في أهل بيته»[9].

وفي الصحيحين أن أبا بكر رضي الله عنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «والذي نفسـي بيده! لقرابة رسول الله أحب إليّ أن أصل من قرابتي»[10]. وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهد بالرضا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه والسبق والفضل، ولما وضع الديوان بدأ بأهل بيت النبي ، وكان يقول للعباس رضي الله عنه: «والله! لإسلامك أحب إلي من إسلام الخطاب؛ لحب النبي لإسلامك»، كما استسقى بالعباس وأكرم عبد الله بن عباس وأدخله مع الأشياخ في مجلسه وهو غلام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ، ويحبون أهل بيت رسول الله ويتولونهم، ويحفظون وصية رسول الله فيهم حيث قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي»)[11].

وقال الطحاوي رحمه الله: (ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. ومَن أحسَن القول في أصحاب رسول الله وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق).

عباد الله: إن مما ينبغي على كل مسلم اتباع سنة رسول الله وسنة آل بيته وتعظيمهم ومحبتهم واقتفاء أثرهم والدفاع عنهم وعن منهجهم ودينهم الحق. واتخاذ ذلك دينًا وقربة إلى الله عز وجل. وتحمل طعون الطاعنين ولمز الشانئين في سبيل هذا المنهج العدل، ولا ينبغي أن يزيده ذلك إلا ثباتًا على الحق وتمسكًا بمنهج الوسط، واتباعًا لسنة آل البيت حقًا، وليس أحدٌ أتبع لمنهجهم اليوم من أهل السنة عامتها وعلمائها. قال الإمام المجدد محمد بن سليمان التميمي رحمه الله: (لآله حق لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر قريش.. وقريش يستحقون ما لا يستحقه غيرهم من القبائل).

وقال رحمه الله في موضع آخر: (وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله على الناس حقوقًا، فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقوقهم ويظن أنه من التوحيد، بل هو من الغلو والجفاء، ونحن ما أنكرنا إلا ادعاء الألوهية فيهم) انتهى كلامه رحمه الله.

ومع كل الكلام المتقدم إلا أنه ينبغي أن نعلم أن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب ولا قرابة، وأن الله الملك الحق يجازي كل عبد بعمله، ولذلك فإن الإنسان لا يبلغ الدرجات العُلى والفضل العظيم عند الله تعالى إلا بعمله الصالح، وإن نسبه-ولو كان من آل البيت- لا يُغني عنه من الله شيئًا إذا كان فاسقًا فاجرًا، يعمل الموبقات والمعاصي، ويترك الواجبات من صلاة وصيام وزكاة وغير ذلك، بل قد يكون وبال ذلك عليه أكثر من غيره.

وقد سئل الإمام الشوكاني -رحمه الله وأكرم مثواه- عما قيل في أن العصاة من أهل بيت النبوة لا يُعاقَبون على ما يرتكبون من الذنوب، بل هم من أهل الجنة على كل حال تكريمًا وتشريفًا! هل ذلك صحيح أم لا؟

فأجاب بقوله: (أقول: لا شك ولا ريب أنَّ أهل هذا البيت المطهَّر لهم من المزايا والخصائص والمناقب ما ليس لغيرهم، وقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية شاهدة لهم بما خصهم الله به من التشريف والتكريم، والتبجيل والتعظيم، وأما القول برفع العقوبات عن عصاتهم، وأنهم لا يُخاطَبون بما اقترفوه من المآثم، ولا يُطالَبُون بما جنوه من العظائم، فهذه مقالة باطلة ليس عليها أَثارةٌ من علم، ولم يصح في ذلك عن الله ولا عن رسوله حرف واحد.

وجميع ما أورده علماء السوء المتقربون إلى المتعلِّقين بالرياسات من أهل هذا البيت الشريف فهو إما باطل موضوع، أو خارج عن محل النزاع؛ بل القرآن أعدل شاهد وأصدق دليل على زجر قول كل مكابر جاحد، فإنه قالعز وجلفي نساء النبي: ﴿ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب:30]، وليس ذلك إلا لما لهن من رفعة القدر، وشرافة المحل بالقرب من رسول الله، إلى أن قال: ولو كان الأمر كما زعم هذا الزاعم لم يكن لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، معنى ولا كبير فائدة.

وإذا كان المصطفى يقول لفاطمة البتول -التي هي بضعة منه، يغضبه ما يغضبها ويرضيه ما يرضيها-: «يا فاطمة بنت محمد لا أُغني عنكِ من الله شيئًا»[12]، فليت شعري مَنْ هذا مِن أولادها الذي خصه الله بما لم يخصها، ورفعه إلى درجة قصَّرت عنها؟! فأبعد الله علماء السوء وقلَّل عددهم؛ فإن العاصي من أهل هذا البيت الشـريف المطهر إذا لم يكن مستحقًا على معصيته مضاعفة العقوبة، فأقل الأحوال أن يكون كسائر الناس.

فيا من شرفه الله بهذا النسب الشـريف! إياك أن تغتر بما ينمقه لك أهل التبديل التحريف) انتهت الفتوى[13].

إن مجرد الانتساب إلى بيت النبوة لا يكون شرفًا بحد ذاته، إذا لم يصاحبه عمل صالح يقرب صاحبه من الله تعالى، وكم من أناس صالحين من خارج النسب النبوي أفضل من كثير ممن هم من سلالة آل البيت الذين لا يعرفون من الدين إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه! وهل أغنى عن أبي لهب قربه من الرسول؟! وهل أغنى عن أبي طالب قربه من رسول الله وقد مات على ملة الأسياد والآباء من قريش؟! وقد قال الحسن بن الحسن لرجل يغلو فيهم: «ويحك! أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا، ولو كان الله نافعًا أحدًا بقرابة من رسول الله بغير طاعة، لنفع بذلك أباه وأمه، قولوا فينا الحق، فإنه أبلغ فيما تريدون، ونحن نرضى منكم»[14].

وقد قرر النبي قاعدة واضحة في ذلك فقال: «ومَن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه»[15]، فمَن أخَّره عملُه عن دخول الجنَّة لم يسرع به نسبه إلى دخول الجنَّة؛ لأنَّ المعتبَر في ذلك الإيمان والتقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، قال ابن رجب: (معناه أنَّ العملَ هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام:132] ، فمَن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله تعالى لم يسرع به نسبه فيبلغه تلك الدرجات؛ فإنَّ الله رتَّب الجزاءَ على الأعمال لا على الأنساب، كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101])، إلى أن قال: وفي هذا المعنى يقول بعضهم:

لعمرك ما الإنسان إلا بدينه

فلا تترك التقوى اتكالًا على النسبْ

لقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارس

وقد وضع الشـركُ الشقيَّ أبا لهب

فما الحسب الموروث إن در دره

لـمـحـتـسـبٍ إلا بآخـر مـكـتـسـب

إذا الغصن لم يثمر وإن كان شُعبةً

من الثمرات اعتدّه الناس في الحطب

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيها من الآيات والحكمة. أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله طاعته أشرف مُكتَسَب، وطاعته أعلى نسب، سبحانه وبحمده لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما سَلَب، وأشكره على مِنَحه العُظمى، ونعمه الكبرى تفوق عدَّ العادِّين وحساب من حَسَب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أرجو بها النجاة يوم تشتد الكُرَب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله عليُّ المقام وعالي الرُّتَب، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وأصحابه المتقين الأبرار، ومن إلى دين الحنيفية انتسَب، وسلَّم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:

أيها المسلمون.. نبي الإسلام محمد -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، فهو المختار المصطفى، والنبي المُجتبى، صادق اللهجة إذا تحدَّث، طَلق اليد إذا بَذَل، واسع الحلم إذا أُوذِي، عظيم النفس، راجح العقل، قد امتلأ رحمةً وبِرًّا، وحكمةً وحِجَى، لم يُخالط شيئًا من سيرته شائبةُ عبثٍ أو لهو، إخلاصٌ شديد، وجِدٌّ راسخ، لم يُؤثَر عنه قولٌ ولا عمل يدل على حبٍّ في الرئاسة، أو تطلُّع إلى زعامة، منحه ربُّه من العقل والفهم والإدراك في تدبير بواطن الخلق وظواهرهم، وسياستهم العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيرته، علوٌّ في الذات، وعلوٌّ في القدر، ومقامٌ أرفع في خُلُقٍ كريم، وسيرةٍ حميدة، ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء:113]، ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159].

إن محمدًا -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- لم يخُصَّ آل بيته بوسائل التنعُّم الأسرية، ولم يجعل لهم مزايا دنيوية خاصة؛ بل رباهم على حياة الزهد والقناعة والإيثار، حتى إنه لم يرضَ أن يتخذ عليٌّ وفاطمة ȋ خادمًا، وأرشدهم إلى الاستعانة بذكر الله والتسبيح والتحميد، ولقد فقِهَ آل بيت رسول الله ورضي عنهم وأرضاهم، فقهوا عن نبيهم وأبيهم محمد ذلك، فكانوا في سيرهم وتاريخهم رضوان الله عليهم كانوا بعيدين كل البعد عن كسب الدنيا بانتسابهم وأنسابهم.

لقد كانوا غيارى على نزاهة الرَّحِم الذي يصِلُهم برسول الله ، فما كانوا يستغلُّون هذا النسب لمصالح دنيوية، شأن المعتاد في أبناء أسر الوجهاء والكُبَراء، يقول جويرية بن أسماء -وهو من أخص خَدَم سيدنا علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنه وعن آبائه- يقول جويرية: (ما أكل عليُّ بن الحسين بقرابته من رسول الله درهمًا قط).

وفضل أهل بيت رسول الله من المعلوم بالاضطرار عند أهل الإسلام في سيادتهم، وفضلهم، وفُضلائهم، وحسن سيرهم، وأخلاقهم، وعلو هممهم وعزائمهم، فهم السادة أهل البيت، أسباط رسول الله ، وأولاد أسد الله وأسد رسوله الإمام الخليفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه وكرم وجهه- ورضي عن العترة الطاهرين، وعن الصحابة الأكرمين أجمعين-.

أهل البيت لهم مكانتهم في مرتبتهم الدينية ومقامهم العلمي، فالأمة تحفظ لهم الحب والتقدير، والاحترام والمودة، على حد قوله سبحانه: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ [الشورى:23]، هذا هو محمد ، وهؤلاء هم آل بيته سرٌّ من أسرار هذا الدين وبقائه، وحفظه، وعلوه، وحُجَّته، وبرهانه.

فالإسلام دين الله، ومحمد رسول الله، ورسالته خاتمة الرسالات، تولَّى الله حفظ الدين، وتكفَّل بخلود كتابه، وأحاط مبادئه وشعائره ومقاصده بحياطته الصمدية، وحفِظَها ويسَّرها غضَّةً سليمة، سهلةً تبهر الناس بكمالٍ لا يُدانيه كمال، وصلاحية لا يُخالطها بِلَى، وتجدُّدٍ لا يُنازعه تقادُم.

وإن المسلمين إنما أحبوا أصحاب النبي لما لهم من صلة بالنبي سببًا، وإنما أحبوا آل بيته لما لهم من صلة به نسبًا، فكان ذلك الحب إنما هو ترجمةٌ لحبهم دينهم ونبيهم.

ولأن آل بيت نبينا محمد ومحبتهم، أمر تهفو إليه النفوس وشعور تجثو عنده العواطف، وحس يتحرك له الوجدان فقد دخل من هذا الباب من استغله وتاجر به واستخدمه من ادّعى خدمته، تحت شعار محبة آل البيت والانتصار لهم، فتستروا خلف ادعاء حب آل البيت وموالاتهم، وغلوا فيهم حتى اشترطوا لذلك سب أصحاب النبي وبغضهم وتكفيرهم، وادّعوا لبعض الآل من صفات الكمال ما لا يليق إلا بالله ذي الجلال، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرًا.

فظهرت فيهم النُّصب والمشاهد عل القبور، وادعوا الولاية للمقبورين في هذه الأضرحة، وعظموها وطافوا بها، وادعوا أن لأصحابها تحكم في أمور الناس ومصائرهم، فوقعوا في شرك عظيم بذبحهم وتوسلهم وسؤالهم من دون الله من لا يملك ضرًا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا [الإسراء:56].

وفي الوقت الذي ينكر فيه المعروفون من آل البيت تلك العقائد الدخيلة، تنشط في الوقت نفسه عناصر ليسوا عربًا ولا من نسل العرب، في الحديث باسم آل البيت وممارسة طقوس واحتفالات وبدع ومحدثات، لم يثبت عن أئمة آل البيت منها شيء، لا في كتبهم ولا في كتب غيرهم!

ويقودنا هذا إلى تأكيد على دور العلماء وطلبة العلم خاصة من النسل الشريف وآل البيت المنيف ممن جرت في عروقهم الدماء الزكية أن يملكوا زمام المبادرة في الحفاظ على عقيدة جدهم ، وألا يتركوا الصوت العالي يذهب لغيرهم ممن يتاجر باسمهم ويتسلق على ظهورهم وينتفع بالحديث عنهم، مفسدًا أديان الناس وعقائدهم. إن عليهم وعلى عموم الأمة مسؤولية عظمى لهداية الناس وتبصيرهم بالدين الحق الذي جاء به محمد واكتمل بوفاته، وتنقية فطر المسلمين من لوثات الغلو والجفاء لئلا تحيد بهم الأهواء عن صراط الله الذي قال فيه سبحانه: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].

إن محبة آل البيت دينٌ وقربة، وهي عبادة من ضمن العبادات التي ينبغي أن نقف في حدود الشريعة ولا نعدوها، فلا غلو ولا جفاء، ولكن بعدل وإنصاف واتباع للدليل الشرعي، حتى يقبلها الله تبارك وتعالى.

اللهم ارزقنا حب نبيك وأصحابه وآل بيته، وألحقنا بهم في عبادك الصالحين..

ثم اعلموا رحمكم الله أن الله تعالى أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال جل في علاه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /صالح بن محمد آل طالب

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة