حجم الخط:

قصة موسى والخضر عليهما السلام

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي لم يزل بصفات الكمال متصفًا، جوادٌ كريم إذا وعد أنجز ووفى، تواب حليم إذا عصي تجاوز وعفا، أحمده سبحانه وأشكره على ما بسط من آلائه وأوفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو حسبي وكفى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أزكى البرية أصلًا، وأعلى الأنام شرفًا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأئمة الحنفاء.. السادة الخلفاء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى.

أما بعد:

فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله -رحمكم الله- فإن تقوى الله عروة ما لها انفصام، من استمسك بها حمته -بإذن الله- من محذور العاقبة، ومن اعتصم بها وقته من كل نائبة، فعليكم بتقوى الله فالزموها، وجدوا في الأعمال الصالحة واغتنموها، فالزمان يطوي مسافة الأعمار، وكل ابن أنثى راحل عن هذه الدار.

أيها المسلمون: تحدثنا في خطب سابقة عما في سورة الكهف من العبر والحِكم، وذكرنا أصحاب الكهف وقصتهم، واليوم سوف نتحدث عن قصة موسى عليه السلام مع الخضر، فلقد روى البخاري ومسلم من حديث سعيد بن جبير قال: قيل لابن عباس رضي الله عنهما: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى الذي صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، قال ابن عباس كذب عدو الله، حدثني أُبي بن كعب عن النبي قال: «خطب موسى في بني إسرائيل يومًا حتى ذرفت العيون ووجلت القلوب، فلما انصرف تبعه رجل فقال: يا نبي الله، هل هناك أعلم منك في الأرض؟ قال: لا، فعتب الله عز وجل عليه إذ لم يُرجع العلم إليه، قال: بلى إن لي عبدًا في مجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: وكيف لي به؟ قال: خذ حوتًا واجعله في مكتل -وفي رواية: خذ نونًا ميتًا، والنون هو الحوت وإليه يُنسب يونس عليه السلام في قوله تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا [الأنبياء:87]، فالنون هو الحوت-، قال: خذ نونًا ميتًا فاجعله في مكتل فحيث فقدته فهو ثم، -أي: حيث يُفقد هذا الحوت فالخضر هناك-. فانطلقا حتى إذا كان ببقعة من الأرض قال موسى لفتاه: لا أكفلك كثيرًا، أيقظني إذا رد الله الحياة في الحوت، قال: ما كَلَّفت، ثم إن الحوت ارتدت إليه الحياة، وقفز في البحر، فأمسك الله عليه الماء وحبسه، فلم يستطيع أن يذهب، فلما استيقظ موسى نسي غلامه أن يخبره أن الحوت قفز إلى الماء، فانطلقا بقية يومهما وليلتِهما، فلما كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا [الكهف:62]، عند ذلك تذكر الفتى أن الحوت المشوي الذي كانا سيتغذيان به قفز إلى الماء، ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف:63]... الآية فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا -أي: أنهما رجعا يقصان الآثار مرة أخرى-، فلما وصلا إلى هناك وجدا رجلًا مسجى ببردة خضراء تحت قدميه وتحت رأسه -كالذي يلتحف بلحاف فيجعله تحت رأسه وتحت قدميه-، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه وقال: وهل بأرضي سلام؟! -أي: وهل في أرضي هذا من يعرف السلام؟!- قال: من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم-وهذا هو الشاهد الذي قال من أجله ابن عباس رضي الله عنهما: كذب عدو الله؛ لأن الخضـر عليه السلام قال: أنت موسى بني إسرائيل- قال: وما تريد؟ -أي: ما تريد بمجيئك إلى هنا؟-، قال: أريد أن أتعلم ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:67] ﴿ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف:69]، فجاء عصفور فنقر من ماء البحر نقرة، فقال الخضـر: يا موسى، إن مثل علمي وعلمك بجانب علم الله عز وجل كمثل الماء الذي أخذه هذا العصفور بمنقاره، ثم واصل وقال له: ﴿ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف:70]، فانطلقا ووقفا على شاطئ البحر، فمر مركب فأراد الخضر وموسى أن يركبا، فقال الغلمان: عبد الله الصالح لا نحمله بأجر، فلما استقرا في السفينة عمد الخضر إلى مكان في السفينة فخلع منه لوحًا بقدوم ووضع مكانه خشبة، قال موسى: قوم حملونا بغير أجرة تخلع لوحًا من سفينتهم لتغرق أهلها! هذا جزاء الإحسان؟ لقد جئت شيئًا إمرا، ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:72]، قال نبينا محمد: «وكانت هذه من موسى نسيانًا، فلما نزلا من السفينة وجدا أغيلمة يلعبون، فعمد الخضر إلى ولد وضيء جميل فأخذه وأضجعه على الأرض وذبحه بالسكين، فقال موسى مستغربًا: عَمِدْتَ إلى نفس لم تعمل سوءا فقتلتها بغير نفس! لقد جئت شيئًا نكرا، فقال الخضـر عليه السلام: ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:75]» قال نبينا: «وكانت هذه شرطًا لأن موسى عليه السلام قال له: ﴿ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا [الكهف:76]».

فهناك فرق في التحذيرين، بين المرة الأولى والثانية، ففي المرة الأولى قال له الخضر: ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:72] وفي المرة الثانية قال له: ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:75] فكأنه استدار إليه والتفت إليه وحذره وأشار: ألم أقل لك -أي: في المرة الثانية-: إنك لن تستطيع معي صبرا، «فدخلوا قرية وكانوا جوعى، فلم يستضيفهم أحد ويطعمهم، فأثناء خروجهم من القرية وجدا جدارًا على وشك السقوط، فقام الخضر فأصلح الجدار بيده حتى لا يسقط، فقال موسى: ﴿ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77] واشترينا به طعامًا، فقال الخضر: ﴿ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:78]. قال نبينا: «يرحم الله موسى وددنا أنه صبر حتى يقص الله عز وجل علينا من أخبارهما»[1]، وكل ذلك من علم الغيب الذي يصعب علينا كبشـر فهمه لأول وهله.

نفعني الله وإياكم بالقرآن والسنة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب.

الخطبة الثانية:

الحمد لله المبدئ المعيد، الغني الحميد، ذو العفو الواسع والعقاب الشديد، نحمده سبحانه وتعالى على إحسانه المديد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الفعال لما يريد، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله أجمعين.

أما بعد:

فهكذا -أيها المؤمنون- قام الخضر عليه السلام ووضح لموسى أسباب خرق السفينة بأنها كانت لمساكين، وفي الطريق يوجد ملك جبار يأخذ كل سفينة صالحة تمر بالطريق بالقوة، فألهم الله الخضر أن يقوم بأخذ لوح كبير منها لتبدو غير صالحة، فتسلم من الملك الجبار. وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين، فكان بعلم الله كافرا لو كبر، وحتى لا يفتن أبواه أماته الله مبكرًا قبل أن يبلغ الحلم حتى يدخله معهما الجنة؛ لأنه لو أبقاه حتى يشب ربما حب والديه له قد يجعلهما يكفران. وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة التي أهلها بخلاء، ترك لهما أبوهما كنزًا وبنى عليه جدارا ليخفيه من أهل القرية اللئام، وأوشك هذا الجدار على السقوط، ولو سقط لوجده أهل القرية وضاع نصيب اليتيمين، ولكن الله ألهم الخضـر أن يصلحه وقبل مسحه بيده فاستقام الجدار حتى يكبرا وبعد ذلك يتمكنان من الاستفادة من هذا الكنز.

أيها المسلمون: يستفاد من هذه القصة أشياء كثيرة:

فأولًا: التواضع بالعلم، فإن الله عتب على موسى إذ لم يرد العلم إليه، وأيضًا: تواضعه عليه السلام بعد ذلك وحرصه في الذهاب إلى مجمع البحرين، وتواضعه مع الخضر عليه السلام.

ثانيًا: صلاح الآباء سبب في حفظ الأبناء، كما قال تعالى: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف:82] فحفظ الله كنزهما بصلاح أبيهما، وقيّض للجدار من يصلحه ليحتفظ بالكنز حتى يكبرا.

ثالثًا: قدر الله لا يدركه الإنسان ولا يعرف حكمته إلا بعد أن يتحقق ويفسر، ولقد رأينا موسى عليه السلام يتعجب من تصرفات الخضر الفورية ولا يرى لها تفسيرًا؛ لأن هذا قدر مؤجل النتائج، وأيضًا قد يشتد حزن أبوي الغلام عليه لفقده، ولكنهما لا يدركان أن تلك رحمة من الله لا نقمة.

فعلى المسلم أن يرضى ولا يتضجر بقضاء الله وقدره لأننا لا نعلم شيئًا، ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، فأي شيء يحدث لك أو لغيرك لا تقول: لو كان كذا لصار كذا، «فإن لو تفتح عمل الشيطان ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل»[2]، وتذكر ما حدث لك من مصائب وكيف تحولت إلى خير وأنت لا تدري، ولو لم يترك سيدنا إسماعيل وأمه في الصحراء لم يكن ماء زمزم الذي نشرب منه، ولولا أن فدى الله إسماعيل بكبش لأصبح علينا أن نضحي بابن من أبنائنا، ولو أخذنا نعدد قدر الله الذي استبان لنا لوجدنا العجب، فعلينا أن نرضى بقدر الله حتى نعيش سعداء في هذه الدنيا.

فمثلًا الذي تأخر عنه أمر يتمناه لا تقلق، فما تدري كم من الخير ينتظرك ما دمت قد أخذت بالأسباب، وأنت الذي تبحث عن عمل أو وظيفة لا تخف على رزقك ورزق أولادك، فأنت لا تدري ما هو مدخر لك حتى يأتي وقته، ولا أقصد بذلك أن نتواكل ونترك البحث، بل كما قيل: الجوارح تعمل بالأسباب، والقلوب تتوكل على رب الأرباب، فاسع وتحرك وكلٌ ميسر لما خلق له، وكما سَأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الرسول حينما نزلت هذه الآية ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود:105]، فقال: فعلى ما نعمل؟ على شيء قد فُرغ منه أو على شيء لم يُفرغ منه؟ فقال النبي: «بل على شيء قد فُرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له»[3].

عباد الله.. هل يدرك الإنسان عواقب الأمور؟ هل يعرف الغاية من المقدور؟ كلا، فذلك لله وحده، وتدبيره لك خير من تدبيرك لأمورك، وهو أرحم وأعلم بك من نفسك، ﴿ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41].

فاتقوا الله أيها المسلمون: واسعوا لرضوان الله، وارضوا بقدر الله ولا تسخطوا.

ثم صلوا وسلموا على صفوة خلق الله كما أمركم بذلك..

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / عبد الرحمن القايدي

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة