(أعظم مُصاب أصيبت به الأمة) وفاة الحبيب ﷺ
الحمد لله المُتفرِّد بالخلق إيجادًا وإفناءً، أحمده سبحانه وأشكره، هو القيوم دوامًا وبقاءً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نرجو بها اتباعًا واهتداءً، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدًا عبدُ الله ورسوله خيرُ البرية سيرةً بلجاءً، وسريرةً مُطهَّرةً زهراء، اللهم صلِّ وسلِّم عليه صلاةً تُوفِّي حقَّه كفاءً، وبارِك يا ربنا على آله السامين زكاءً وصفاءً، وصحبه الكرام حبًّا وولاءً واصطفاءً، ومن تبعهم بإحسان يرجو في الجنان ارتقاءً، وبالأبرار التقاءً.
أمّا بعد:
فخيرُ ما يُستَفتَحُ به الكلام: الوصيةُ بتقوَى الله علَى الدَّوام، وطاعةِ الملك العلاّم، ولزوم سنة سيِّد الأنام، ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [النور:52].
عبادَ الله: كلُّ قضيَّة إلى نسيانٍ ودُروس، وكلُّ أمرٍ مُلِمٍّ إلى انمحاءٍ وطُموس، وكلُّ اعتلاءٍ إلى ارتدادٍ ونكُوص، ولكنَّ دينَ الإسلام العالميّ الربانيّ بفضل الله إلى ثباتٍ وخلود وانطلاق، وسيرةَ المصطفى ﷺ في انتشار وامتدادٍ وائتلاق، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء:107].
أمّةَ الإسلامِ: السّيرةُ النبويّة المباركةُ هي المعينُ السّلسَال، والأنموذَجُ المُشـرقُ في الكمال، الهادي دونَ مَباءَة الضّلال، وهي النورُ الوضَّاء لكلِّ المجتمعاتِ والأجيال، وإنَ التواردَ على حِكَمها وآدابها، وفقهها ولُبابها، والذّبَّ عن مقاصدها وآرابها، لمن دلائلِ النُّجحِ والتوفيق، والاهتداء إلى أقومِ طريق.
بَيْد أنَّ مِن جوانبِ السيرةِ العَطِرة حَدثًا عظيمًا أثَّرَ على مجرَى التاريخ، وكانت به خاتمة السيرة العطرة، إنه حدثٌ يذهبُ بالألباب ويطيشُ بالحِجا والصواب، إنّه رُزْءٌ مُفجِّعٌ فادِح، وجَلَلٌ مُفزِّعٌ قادح، هزَّ الآفاق وقرَّح الأحداق؛ إذ لم يعرفِ التاريخُ خطْبًا هزَّ العالمَ مثلَه، ولم تُصَبِ الأمة برزيَّةٍ أعظمَ منه؛ ذلكم هو مُصابُ وفاة النبي وفراقه، ونبأ موته والتحاقه، بأبي هو وأمّي ﷺ.
فالتذكير بمُصابِ خيرِ البشَر إنما يرِد لاستكنَاهِ العِظةِ والعِبَر، لا لاستجاشَةِ الدموعِ الدِّرَر، فكما كانت حياتُه ﷺ متدَفِّقةً دَعوةً وهِدايةً وبِناءً، فكذَلك كانت وفاتُه عليه الصلاة والسلام نضَّاخَةً دروسًا وعِبرًا واقتداءً، تستخلِص الأمّة عَبَقَ معازيها، وتترسَّمُ شُمَّ معاليها؛ إذ كَيف لأمَّةِ الاتباع والهداية أن تُحدِث في إشراقةِ البداية وتغفُل عن مواطن الادِّكار في النهاية؟! بل كيف تذهَلُ العقول عن فاجِعة الوفاةِ في إعراضٍ وانجفال، وتُيمِّمُ شطرَ المولد للإحداثِ والاحتفال؟! فيا لله العَجَب! كيف يكونُ الفرحُ بيوم حياته أولَى منَ الحزنِ على يومِ وفاته؟! والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشـر:7]، والمصطفى ﷺ يؤكِّد ذلك بقوله: «من عمل عملًا ليس عَليه أمرُنا فهو ردٌّ»[1].
أيُّها المؤمنون: بعدَ أن أكمل الله الدين وأتمَّ على عباده النعمة، وبلَّغ نبيُّه الأمانة، وأدَّى الرسالة، وهدى البشريّة من الضلالة وعلَّمها من الجهالة، وانتحى بها إلى قِمم المجد والعزِّ والجلالة؛ أنزل الحقُّ عليه سورةَ النصر؛ ناعيًا إيّاه في أوّل مقدِّمات الوفاة، فليس بعد الكمال إلا النقصان، وكلُّ أمرٍ اكتمل واستتمّ فالتسبيحُ والاستغفار عقِبَه خيرُ مُختَتَم، وفيه أيضًا أنَّ الاستغفارَ ساعةَ الانتصارِ دَليلُ الشكرِ والذّلِّ والانكسَار، وقد أومَأ ﷺ لأصحابِه بدُنُوِّ أجلِه، وعرَّض باقترابِ فِراقه، ففي حجَّة الوداع من السنة العاشرَة خَطَبَ عليه الصلاة والسلام الناس وودَّعهم، قائلًا: «لِتأْخذوا مناسكَكم؛ فإني لا أدري لعلِّي لا أحُجُّ بعدَ حَجَّتي هذه»[2].
إخوةَ الإسلام: لقد ناضل ﷺ في إبلاغ دعوة ربه، وجاهد في الله حق جهاده، فمنذ أن بُعث في رأس الأربعين من عمره، مكث بعدها بمكة ثلاثة عشر عامًا، ثم هاجر إلى المدينة فظل فيها عشرة أعوام إلى السنة العاشرة من هجرته من مكة، وكان عمره إذ ذاك قد بلغ ثلاثًا وستين سنة.
ولما حضرَتِ الحبيبَ ﷺ الوفاةُ أخذَه ألمٌ في رأسِه، ثمَ ثقُل عليه الوجع، فكانت حُمًّى شديدة تنتاب جسدَه الشريفَ، فعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: خرجَ رسول الله ﷺ في مرضِه الذي ماتَ فيه وهو مَعصوبُ الرأس، فقام على المنبرِ فقالَ: «إنَّ عبدًا عُرِضَت عليه الدّنيا وزينتُها، فاختار ما عندَ الله»، فلم يفطَن لها أحدٌ من القومِ إلا أبو بكرٍ رضي الله عنه، فقال: بأبي وأمي، بل نَفديك بأموالِنا وأَنفسِنا وأولادِنا[3].
وفي البخاري: خطب النبي ﷺ فقال: «إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله» فبكى أبو بكر رضي الله عنه، قال ابن مسعود: فقلت في نفسي: ما يُبكي هذا الشيخ إن يكن الله خيّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله؟ فكان رسول الله ﷺ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمَنا، قال: «يا أبا بكر لا تبكِ، إن أمَنَّ الناس علي في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لأتخذتُ أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقيَنّ في المسجد باب إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكر»[4].
فلم يفهَمِ المرادَ غيرُ حفيِّه ونجيِّه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، وأعلَمُ الأمّة بمقاصدِ رسولِ الله صلواتُ الله وسلامه عليه، ولا غروَ فهو ثاني اثنين إذ هما في الغار، فأكرِم بصدِّيق هذه الأمّة صفيِّ النبيِّ المختار.
ولما تفاقمَ المرضُ بالمصطفى ﷺ استأذَنَ زوجاتِه أن يُمرَّضَ في بيت عائشةَ رضي الله عنها، وذلك من خُلُقه العظيمِ ووُدِّه المكين، فخرج من بيتِ ميمونة يتوكَّأ بين الفضلِ بن عباس وعليٍّ رضي الله عنهم أجمعين، لا يستطيع مسيرًا. ومع اشتدادِ الألمِ كانت زهرةُ حياته فاطمةُ رضي الله عنها تَلتاع فتقول: واكَربَ أبتَاه! فيقولُ ﷺ: «ليس على أبيكِ كَربٌ بعد اليوم»[5]. وفي ذلك عزاءٌ لأهلِ المحَن وتسلية واصطبارٌ، قال الإمام القرطبيّ رحمه الله: (أحَبَّ اللهُ أن يبتليَ أصفياءَه؛ تكميلًا لفضائلهم، ورفعةً لدرجاتهم، وليس نقصًا في حقِّهم، مع رضاهم بجميلِ ما يُجريه عليهم).
معاشرَ المسلمين: وثقُلَت وطأةُ الداءِ بالجسَد الطاهرِ الكريمِ حتى أنهَكَته دونَ الخروج، فكان يسأل عن المسلمين وصلاتِهم، كما جاء عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قالَ عليه الصلاة والسلام: «أصَلَّى الناس؟» قلنا: هم ينتظرونك يا رسولَ الله، فقال: «ضَعوا لي ماءً في المِخضَب»، ففعلوا فاغتَسل، ثم ذهب لينوء أي: ليقومَ فأُغمِيَ عليه، ثم أفاقَ فقال: «أصَلَّى الناس؟» قلنا: هم ينتظرونك يا رسولَ الله، فقال: «ضَعوا لي ماءً في المِخضَب»، ففعلوا فاغتَسل، ثم ذهب لينوء فأُغمِيَ عليه، ثم أفاقَ فقال: «أصَلَّى الناس؟» قلنا: هم ينتظرونك يا رسولَ الله، فقال: «ضَعوا لي ماءً في المِخضَب»، ففعلوا فاغتَسل، ثم ذهب لينوء فأُغمِيَ عليه، فقال: «مُروا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالناس»[6]. وفي ذلك إشارةٌ لأهليَّة الصدِّيق وأوَّليَّته بالخلافة رضي الله عنه وأرضاه.
وفي تلك الأيّامِ الحزينة المُعتكِرة الأليمة، بلياليها السَّاجية الثقيلة التي آذنَت بانقطاعِ الوحي من السّماء وغروب شمس النبوة، كان ﷺ يُحذِّر من قضيّة خطيرة لا تزال الأمة تنوء بكَلْكَلِها؛ وهي الشركُ بالله، فقد كانت عليه خميصةٌ إذا اغتمَّ كشفها عن وجهه، فقال: «لعنَ الله اليهودَ والنصارى؛ اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد»[7]؛ يُحذِّر ما صنعوا. وذلك هو التأكيد الأكيد على دعوة التوحيد ونبذ الشرك والتنديد.
ومِن معاقد الخير التي أرشَد إليها وحثَّ عليها وهو في شِدّةٍ غالبة، وعلّةٍ كالبة، ما ورَد عن أنسِ بن مالك رضي الله عنه قال: كانَت عامّة وصيَّة النبي ﷺ: «الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم»، يُغرغر بها صدرُه، وما يكاد يفيض بها لسانُه[8].
فيا أمّةَ الإسلام: اللهَ اللهَ في حفظِ عمودِ الإسلام؛ فإنها وصية خير الأنام، ومفتاح الخير والسعادَة، ومعراج الروح والإفادَة، وركنُ الإسلام الذي رحِم الله به عباده. وأما ما ملكت أيمانكم فمن نساءٍ وبنين وخدمٍ ومأمورين، فاجتهدوا في معاملتهم بالحسنى واللّطف، واحتسِبوا الأجر فيهم بالرفق والعطف، فذو المرتبَة يحنو على ذي المتْرَبَة، وصولًا إلى المجتَمَع الإسلاميّ المتراحم المتلاحم.
أحِبّةَ المصطَفى ﷺ.. وعن آخرِ النظرَات لسيِّد البريّات التي تُجهِشُ باللَّوعات والزَّفرات، يصِفُ لنا أنسُ بن مالك رضي الله عنه مَشهدًا مهيبًا ومُطَّلعًا للحَبيب رغيبًا، لله ما كانَ أنداه وأبهاه وأروَعه، وما كان أزكاه وأسناه وأبدعه! يقول رضي الله عنه: «حتى إذا كان يومُ الاثنين وهم صفوفٌ أي: الصحابة الكرام في الصلاة، كشف النبي ﷺ سِتر الحُجرة ينظر إلينا وهو قائمٌ، كأنَّ وجهَه ورَقة مصحَف أي: في الحُسن والاستنارة، ثم تبسَّم ﷺ يضحَك، فهَمَمنا أن نفتتنَ من الفرح برؤيته، فتأخَّر أبو بكر رضي الله عنه ليصِلَ الصفَّ، فأشار إلينا النبيُّ ﷺ أنْ أتِمُّوا صَلاتكم، وأرخَى السِّتر، فتُوفِّيَ من يومِه عليه الصلاة والسلام».
| ومُدَّت أكُفٌّ للوَداع تَصافَحَت |
| وكادَت عيونٌ للفراقِ تسيلُ |
| هَمَمتُ بتودِيع الحبيبِ فلم أُطِق |
| فودَّعتُه بالقلبِ والعينُ تدمعُ |
إخوة الإيمان: إثرَ ذلك حُمَّ القضاء، وأُبرِم في الأرضِ ما قدَّره الله في السّماء، واشتدَّت بحبيبِنا حُمَّاه، واستباح الموتُ حِماه، قالَت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها وكانت بين يدَيه ﷺ رَكوَة، فجَعَل يُدخِلُ يدَيه في الماء، فيمسح بها وجهَه، ويقول: «لا إلهَ إلا الله، إنَّ للموت لسكَرات»، ثم نصَب يدَه فجعَل يقول: «اللّهمّ في الرفيقِ الأعلى، اللّهمّ في الرفيق الأعلَى»، يُردِّدها حتى قُبِض ومالت يدُه[9].
فيا لله ما أعظَمَها من فاجِعة، وما أشدَّها من واقعة!
لا إلهَ إلاَّ الله، بتِلك الكلماتِ من دُررَ الخلود وبتلك المعاني من نفحات النور والقُدُس التحق حبيب القلوب ورسول علاَّم الغيوب بالرفيق الأعلى. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (قولُه ﷺ: «إنّ للموتِ لسكَرات» دليلٌ على جوازِ توجُّع المريضِ، والمُعوَّل في ذلكَ على عمَل القلب، لا على نطق اللسان، فكم من ساكتٍ وهو ساخِط، وكم مِن شاكٍ وهو راضٍ).
| خَطْبٌ أجلُّ أناخَ بالإِسلامِ |
| بينَ النَّخيل ومَعقِد الآطام |
| قُبِضَ النّبيّ محمّدٌ فعيونُنا |
| تذرِي الدّموعَ عليه بالتَّسْجَامِ |
وسَرى خبرُ الفاجعة بينَ الجموع، وانحدَرت العَبرات والدّموع، وغدَت المحاجِر في انهمَارٍ وهُموع، واستحكَم الذهول بالعقول، لوفاةَ أعظم نبيٍّ وأكرم رسول..
يقول حسّان:
| فبكِّي رسولَ الله يا عينُ عَبْرةً |
| ولا أَعرِفَنْكِ الدّهرَ دَمعُك يجمُدُ |
| وما فَقَد الماضون مثلَ مُحمدٍ |
| ولا مثلُه حتَّى القيامة يُفقَد |
وانفتل أبو بكر رضي الله عنه متَّجهًا شطرَ رسول الله ﷺ، فوجَده مُسجًّى بثوبٍ حَبِرة، فقبَّلَه وبَكى، وقال: «بأبي أنتَ وأمّي، طِبتَ حيًّا وميتًا». وخرج على الناس وعمرُ رضي الله عنه مأخوذٌ بهَول الخَطْب، يرعد ويهدد كل من يزعم أن النبي قد مات، وحالُ الصَّحب الكرام في هذه الرزيَّة كالغنم المطيرةِ في الليلة الشاتية؛ لا تهتدي سبيلًا، فقام أبو بكر خطيبًا، وقال قولتَه الشهيرَة: «من كان يعبد محمَّدًا فإنَّ محمَّدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت»، وتلا قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ [آل عمران:144]، فكأنَّ الناسَ لم يعلمُوا هذهِ الآيةَ حتى تُلِيَت عليهم. وقال عمر رضي الله عنه وفي صدره من غُصَص الأسى ما يُذهِبُ الحَشا: «والله، ما هو إلا أنْ سمعت أبا بكرٍ تلاها فعُقِرتُ حتى ما تُقِلُّني رِجلاي، وحتى أهويتُ إلى الأرض، وعلِمتُ أن النبيَّ ȁ قد مات»[10].
أيُّها المسلمون: تُوفِّي سيِّد الأنام عليه الصلاة والسلام في السّنة الحاديةَ عشرةَ من الهجرة، عن ثلاثة وستين عامًا، قضاها في الدعوةِ والبلاغ والهداية والإصلاحِ، وغُسِّل في ثيابِه كرامةً له، وصُلِّي عليه أرسالًا؛ الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان، دون أن يؤمَّهم أحد، ودُفِن حيثُ قُبِض، صلَوات رب البرية، عليه بكرةً وعشيّة، وفارَق الصّحبَ الكرام من كان لهم نورًا وضياء وسراجًا منيرًا.
عن أنس رضي الله عنه قال: «لما كانَ اليومُ الذي قدِم فيه النبي ﷺ المدينةَ أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلمَ منها كلّ شيء، وما نفَضنا أيديَنا من الترابِ وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا».
| تكدَّر من بعدِ النبيّ محمدٍ |
| عليه سلامٌ كلُّ ما كان صافيا |
| فلو أنّ ربَّ العرشِ أبقاك بينَنا |
| سعِدنا ولكن أمرُه كان ماضيا |
وأبلغُ من ذلك وأعزّ، قولُ المولى جلّ وعزّ: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [الزمر:30].
تقول فاطمة رضي الله عنها: «يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه، جنّة الفردوس مأواه»، ثم قالت: يا أنس، أطابَت أنفسُكم أن تحثُوا على رسولِ الله الترابَ؟!
| وراحوا بحزنٍ ليس فيهم نَبيُّهم |
| وقَد ذهبَت منهم ظهورٌ وأعضُدُ |
| و هل عدَلَت يومًا رزيَّةُ هالكٍ |
| رزيَّةَ يومٍ ماتَ فيه مُحمّدُ؟! |
ولكن إلى الرفيق الأعلى؛ حيث المآب الكريم والثواب العظيم، ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴿٣٤﴾ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء:34-35].
صلواتُ ربي الزكية، وتسليماته السنيّة، على خير البرية، وأزكى البشـرية، وعلى آله أُولِي المناقب العليَّة، وصحبه أُولِي السجايا الرضية، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الحمد لله، امتنَّ علينا ببعثةِ خيرِ البشَر، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له شهادةَ من خضع لله وائتمَر، وأشهد أن نبيّنا وسيّدنا محمّدًا عبده ورسوله إمام المرسلين الغُرر، الشافع المُشفَّع في المحشَر، صلى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِه وصحبِه السّادات الخِيَر، ومن تبعهم بإحسانٍ ما تآلَفَ خُبْرٌ وخَبَر، وما همى سحاب بمطر، وما اتَّصلت عينٌ بنظر، وأذنٌ بخبر. أمّا بعد:
| اصبر لكلِّ مُصيبةٍ وتجلَّدِ |
| واعلَم بأن الْـمرءَ غيرُ مُخلَّدِ |
| وإذا أتَتك مُصيبةٌ تُشجَى |
| بِها فاذكر مُصابَك بالنبِيّ محمدِ |
أيها المسلمون: لقد توفي النبيُّ ﷺ الدنيا وهو أكرمُ مخلوق على اللهِ، ولم يترك دينارًا ولا درهمًا ولا مالًا إلا بغلتَه البيضاء وسلاحَه، وتوفي ﷺ ودرعُه مرهونةٌ عند يهوديّ في شعير، توفّي وما شبِع ثلاثةَ أيام تِباعًا، ذاق اليُتم، وتحمل أعباء الرسالة، وواجه في سبيل الله التكذيب والأذى، والمطاردةَ وفراق الأوطان، صبَرَ وصابر، واجتهد وجاهد، وعفا وسامح، وربَّى أمّة خالدة، فيها الهدايةُ والإيمان والشريعةُ الباقية، تركَ أمّةً هي خير الأمم وأوسَطُها، ترك سيرة عطرةً لتكون منهاجا للأمة إلى يوم القيامة.
أمّةَ السيرةِ الزكيّة والمسيرةِ السنيَّة، لقد التَحَق المُجتبى ﷺ بالرّفيقِ الأعلَى، وإنَّ حبَّه حيٌّ في قلوبِنا مَغروس، وسيرتَه تُعطِّر الأَرجاءَ والنّفوسَ، وقد أورَثنا شَريعةً خالدةً وقرآنًا، وأمّةً خيرَ الأمَم بُرهانًا.
فبالرّغم مِن عِظَم المصيبة بموتِ النبيِ ﷺ وشدتها على المسلمين إلا أنهم لم يضعفوا في تبليغ دينهم ولم يتوانوا في إعلاء كلمة الدين ورفع لواء الشريعة، بل انطلقوا بدينهم الحق يتخطون الحدود والسدود، ويعلون الوِهاد، ويطوون الأرض، حتى بلغَ مشارقَ الأرض ومغاربها، وأظهَره الله على الدينِ كلّه، ولئن ضعُف حال المسلمين في يومٍ فإن الجولةَ الأخيرة للإسلام، والنصرَ آت لا محالة.
وإنّه لمن العزّةِ والنّصر والثباتِ في الأمر أن نعلّم أنفسَنا وأجيالَنا قصة السيرةِ النبويّة، والآداب المحمدية، والشمائل المُصطفويّة، وأن تكونَ مَرفأً لانطلاقنا عقيدةً وعلمًا وخُلُقًا وسلوكًا، وأَن نطبعَ أنفسَنا وقِيَمنا على غِرارها، وحياتَنا على هديِها ومَنارها؛ لأنها للعالمين الأوّلين والآخرين النور الوهَّاج والهدَى البهَّاج، ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران:31]. فهلّا تفقّدنا سلوكنا وآدابنا، وأقوالنا وأفعالنا، بما أحبه النبي الرؤوف الرحيم، الذي لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا بخيلًا ولا كذابًا، ولا مغتابًا ولا نمامًا، ولا شتّامًا ولا لعّانًا، ولا صخّابًا بالأسواق، كان أرحم الناس، وأرأف الناس، وأكثرهم رفقًا ولينًا وحلمًا وتواضعًا؟ هلّا أحيينا في أنفسنا الاعتزاز بأن لدينا أفضل البشر قدوة، فلا نتخبط في اختيار القدوات؟: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ [الأحزاب:21].
إخوةَ الإسلام: إنَّ محبّةَ النبيِّ ﷺ من أصول الإيمان، والشوقَ إلى لقائه من دلائلِ الإحسان، ومن أحبَّ لقاءه فليتبَع سنّتَه حتى يوافِيَه على الحوض، ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء:69].
عبادَ الله: هذه شَذَراتٌ مِن حادثةِ وفاةِ سيِّد البشر، لنأخذ منها الدروس والعِبَر، ولا بد في ختام هذه الحياة من الموت وهجمته، والقبر وضجعته، فاحذروا غرورَ الدنيا ومكائدَها، وفِتَنَها ومصائِدها، ملتزِمين سنّة خيرِ البرية، مُتدرِّعين بالصبرِ عند كل محنةٍ وبليَّة، وبالشكر عند كل نعمة وعطية.
هذا، واعملوا وفّقكم الله أنّ من دلائل الحبِّ والاقتداء، دوامَ الصلاة والسلام على إمام الأنبياء، وسيد الأتقياء، فمن داوم على ذلك كشَف الله عنه همومًا لا تُحصَى، ونفَّس عنه كروبًا لا تُستقصَى.
| فيا فوزَ من صلَّى عليهِ منَ الورى |
| فذاك بتثقيلٍ لميزانه خُصَّا |
وقد قال المولى عز وجل قولًا كريمًا، تشريفًا لنبيِّنا وتكريمًا، وإرشادًا للعباد وتعليمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].
اللّهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا وحبيبنا وقدوتِنا وسيِّدنا محمّد بن عبد الله الهاشميّ القرشيّ، من شرَّفتَه على سائر الأنام، ورَفعتَه إلى أشرفِ مقام، وجعلتَه دليلًا لنا إلى دارِ السلام، اللّهمّ فكما أمرتَنا بالصلاة والسلام عليه فاسلُكنا في زُمرته، واجعَلنا ممن اهتدى بسنّته، وفاز بمحجَّته، وائتمَّ بشِـرعته.
اللهم أكرِمنا بشفاعته، وأورِدنا حوضَه، واسقِنا بيدِه الشريفة شربةً لا نظمأُ بعدَها أبدًا، واجزِه عنّا خيرَ ما جزيتَ نبيًّا عن قومِه.
| جزى الله عنّا كلَّ خيرٍ مُحمّدًا فقد |
| كان مَهديًّا وقد كان هاديًا |
| وكان رسول الله روحًا ورحمةً |
| ونورًا وبُرهانًا من الله باديًا |