حجم الخط:

آفات اللسان وأضراره

الخطبة الأولى:

الحمد لله العزيز الحميد، الفعال لما يريد، أمر عباده بالقول السديد، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، القائل: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيبٌ عتيد)، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أشرف الخلق وأزكاهم، وأعبدُهم وأتقاهم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم المزيد. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

عباد الله: اتقوا الله تعالى واحفظوا جوارحكم، وتحرّوا طيب الأقوال وجميل الكلام، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي قال: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا»[1].

فاللسان من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة، فهو صغير الحجم عظيم الطاعة والجرم، له في الخير مجال رحب، وله في الشر ذيل سحب، ولقد تساهل كثيرًا من الناس في حفظ ألسنتهم فأطلقوا لها العنان، وتساهلوا في الاحتراز من آفاته وغوائله، والحذر من مصائده وحباله، فإن لهذا اللسان آفات عظيمة انتشرت بين الناس، نشأ عليها الصغير، ودرج عليها الكبير، وتساهل بها الكثير. آفات عظيمة تَوَلَدَتَ منها الأحقاد، وثارت الضغائن، وهاجت بسببها رياح العداوة والبغضاء. آفات عظيمة تغضب الرب جل وعلا ، وتخرج العبد من ديوان الصالحين، وتدخله في زمرة العصاة الفاسقين، أجارنا الله وإياكم وجميع المسلمين.

فمن هذه الآفات: السخرية والاستهزاء والتنابز بالألقاب، يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11] ولقوله : «بحَسْبِ امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»[2]، والسخرية تعني الاستهانة والتحقير والتشهير بالعيوب والنقائص على وجه يضحك، وأشد أنواع الاستهزاء وأعظمها خطرًا: الاستهزاء بالدين وأهله، ولقد تعددت أنواع السخرية والاستهزاء بمظاهر التدين، فهناك مَنْ يهزأ بالحجاب، وآخر يسخر بتنفيذ الأحكام الشرعية، ولمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر نصيب من هذه السخرية.. وكما أن سنة نبينا محمد أيضًا لها نصيب من مرضى القلوب، فظهر الاستهزاء ببعض السنن النبوية والآداب المحمدية، وقد قال تعالى عن قوم خاضوا في الاستهزاء من مظاهر التدين: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿٦٥﴾ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:65-66].

ومن الآفات: الفحش والسب واللعن وبذاءة اللسان، وللأسف فإن هذه الأمور قد انتشرت كثيرًا بين الناس في هذا الزمان، فتجد الوَالِدَ والأم يسبان أبناءهم ويلعنونهم، وكذلك الصديق يسبُّ ويلعن صديقه، حتى الطفل الصغير تجده قد تعود كيل السباب واللعائن للآخرين، وربما فعل ذلك بأبيه وأمه، وهذا كله لنقص التربية وتعليم الآداب والحث على مكارم الأخلاق، فإن السباب والطعن واللعن يخرج صاحبه من الإيمان، ويصيّره إلى منزلة الفساق الفجار، قال : «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا بالبذيء»[3]، وقال : «سبِاب المسلم فسوق، وقتاله كفر»[4]، قال النووي رحمه الله: (السّب في اللغة: الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعنيه. والفسق في اللغة: الخروج، والمراد به في الشرع: الخروج عن الطاعة). فسبّ المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة، وفاعله فاسق كما أخبر به النبي . فهل تصور أولئك الذين يطلقون ألسنتهم سبًا وشتمًا وانتهاكًا لأعراض المسلمين، أنهم يكونون فُساقًا خارجين عن طاعة الله ورسوله، وأن ذلك يوردهم موارد الهلكة ومراتع الحسرات، قال النبي : «سباب المسلم كالمشرفِ على الهلكة»[5].

وأحذر أيها الأخ الكريم أن تكون سببًا في سبّ والديك فتكون كمن سبهما، فقد قال النبي : «من الكبائرِ شتمُ الرَّجلِ والدَيْه. قالوا: يا رسولَ اللهِ ! وهل يشتُمُ الرَّجلُ والدَيْه؟ قال: نعم. يسبُّ أبا الرَّجلِ، فيسُبُّ أباه، ويسُبُّ أمَّه، فيسُبُّ أمَّه»[6]، ومن المؤسف أن ذلك قد انتشر بين أبناء المسلمين وشبابهم، نسأل الله أن يصلحهم.

ومن آفات اللسان: اللعن، واللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، وقد ورد في اللعن وعيدٌ شديد وتهديدٌ أكيد، قال : «لعن المؤمن كقتله»[7] ولقد أخبر النبي عن تأخر منازل اللعانين يوم القيامة فقال: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة»[8]. ويقول : «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا بالبذيء»[9]،

وقد بلغ الأمر ببعض الناس أنه لم يسلم من لسانه أحد، فتراه يسبُّ ويلعن ويضرب كل شيء قد يغضبه حتى ولو كان حيوانًا أو جمادًا، ولقد نهى النبي عن سب أو لعن كل شيء لا يستحق اللعن، حتى ولو كان حيوانًا أو جمادًا، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رجلًا لعن الريح عند رسول الله فقال: «لا تلعن الريح فإنها مأمورة، من لعن شيئًا ليس له بأهل؛ رجعت اللعنة عليه»[10]. هل تعلم أخي أين تذهب هذه اللعنة؟ هل تدري أيها اللعان أن لعنتك تصعد إلى السماء، فيهرب أهل السماء منها خشية أن تصيبهم؟! ثم أنها تهبط إلى الأرض بعد ذلك فتهرب الكائنات منها خشية أن تصيبهم؟! ثم تعود إليك إذا كان من لعنت لا يستحق لعنتك؟ فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إن العبد إذا لعن شيئًا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينًا وشمالًا، فإن لم تجد مساغًا رجعت إلى الذي لُعن، فإن كان أهلًا، وإلا رجعت إلى قائلها»[11].

ولست أنا ولا أنت الذي يقرر من يستحق اللعنة، بل هذا الأمر يعلمه الله فقط، وليس كل من أغضبك أو خالفك أو أخطأ في حقك يستحق اللعن كما تظن أو تعتقد، فلماذا تحمل نفسك أخي هذا الذنب العظيم، وتصر على هذا الجرم الكبير؟ ألا تخشى أن ترجع إليك لعنتك فتكون سببًا في طردك من رحمة الله عز وجل ، وتكون من المُبعَدين المقبوحين؟ ويا من تسب وتلعن أبناءك! لماذا لا تعوّد لسانك الدعاء لهم بالهداية والصلاح؟ فكم من شاب قد غرق في لُججِ المعاصي والآثام، ولم يوفق في شيء، بسبب دعوة أو لعنةٍ لعنها إياه أحد والِديه فوافقت ساعة إجابة، والله المستعان.

ومن آفات اللسان: آفة الكذب، والكذب جماع كل شر، وأصل كل ذم، وهو من صفات الكافرين ولا يمكن أن يكون من صفات المؤمنين، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النحل:105]، وهذه الخصلة أولى صفات المنافقين، قال : «أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر»[12]. لو تفكر الكذَّاب في شدة عقابه يوم القيامة؛ لردعه ذلك عن هذا الخُلُق الذميم! ففي الحديث الطويل الذي يرويه سمرة بن جندب رضي الله عنه، في رؤيا النبي التي قصها على أصحابه.. قال: «فأتينا على رجل مُستلق لقفاه، وإذا آخرُ قائمٌ عليه بكَلُّوب من حديد! وإذا هو يأتي شدقَّي وجه، فيُشرَشْرُ شِدْقَهُ إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه! ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل في الجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يَصحَ ذلك الجانب كما كان! ثم يعود عليه، فيفعل مثلما فعل المرة الأولى، فقلت لهما من هذا؟ فقالا: إنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق»[13]، فتأمل أيها العاقل في شدة هذا العذاب! هل يطيقه أحد؟ فإياك إياك والكذب، وإنك لتجد بعض الناس مغرمًا باختلاف الأخبار والقصص لإضحاك الناس وتسليتهم! ومثل هذا توعده النبي بالويل، فقال: «ويلٌ للذي يحدِّث فيكذب؛ ليضحك به القوم، ويلٌ له، ويلٌ له»[14].

لا يكذب المرءُ إلا من مهانتهِ

أو فعلِه السوء أو من قلة الأدبِ

لبعضُ جيفة كلبٍ خير رائحةٍ

من كذبة المرء في جدٍّ وفي لعبِ

ومن الآفات: القذف، أن يقذف أحدًا ويرميه بتهمة فعل الفاحشة والعياذ بالله، وهذا صاحبه ملعون في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23] فيا ويل هؤلاء من عذاب الله ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور:24] وفي الحديث أن النبي قال: «ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال، وليس بخارج»[15]. وردغة الخبال: عُصارة أهل النار، نسأل الله العافية من سخطه وعقابه.

ومن آفات اللسان: الغيبة، وهي ذكر غائبٍ بما يكره، وهي خصلة ذميمة لا تصدر إلا عن نفس دنيئة، اشتغلت بعيوب الناس عن عيوبها، وانصرفت عما يعنيها إلى ما لا يعنيها، والغيبة كما عرفها النبي : «ذكرك أخاك بما يكره»[16]. وحذر منها سبحانه وتعالى فقال: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات:12] وأخبرنا عن قومٍ ليلة أسري به يأكلون الجيف، فلما سأَلَ جبريل عنهم قال: «هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في غيبتهم»، فمن الناس من يطعن ويغتاب ويتكلم ويعيب في عرض أخيه، وذلك إما لحقده أو لحسده، أو لتطفله وقلة حيائه، فليتقي الله هذا وأمثاله، وليعلم المغتاب أنه متعرض لسخط الله تعالى ومقته، وأن الغيبة محبطة لحسناته يوم القيامة، فعليك أخي أن تتدبر وتشتغل بعيوبك عن عيوب غيرك، فربما كنت أكثر منهم عيبا، وهل ترضى أن يغتابك أحد بما فيك من العيوب؟ كلا والله، فكيف سيرضى غيرك بذلك. قال الشافعي وهو يذكر حُمق المغتاب الذي هو بمثابة من يوزع حسناته على من اغتابهم، يقول: (لو كنت مغتابًا أحدًا لاغتبتُ أمي، فهي أحق بحسناتي!).

ومن آفات اللسان: النميمة، وهي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم، تجد النمام يذهب إلى فلان ويقول له قال فيك فلان كذا وكذا ويذهب إلى الآخر ويقول قال فلان فيك كذا وكذا، فيشب العداوة بينهم، فالنميمة من كبائر الذنوب وهي سبب في عدم دخول الجنة وعذاب النار وعذاب القبر، قال : «لا يدخل الجنة نمّام»[17]، ومرّ عليه الصلاة والسلام بقبرين فقال: «إنهما ليُعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»[18]. وأن النمام يكون في أبعد المنازل يوم القيامة عن النبي ، قال : «إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلي المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة؛ الملتمسون للبرآء العيب»[19]». فانظر أخي إلى النمام وما أُعِدَّ لهُ مِن عقوبات، لا يدخل الجنة، معذبٌ في قبره، بعيد عن النبي يوم القيامة، فهلا ابتعدت أخي عن هذا العمل المذموم، وأنكرت ونصحت وحذرت من نقل إليك كلام الناس فيك، ورفضت تصديقه وتأكدت من الواقع قبل تصديق كلامه، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] ولقد أمر الله عز وجل نبيه بالإعراض عن هؤلاء فقال: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ﴿١٠﴾ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم:10-11] واعلم أخي أن من نقل إليك كلام الناس فيك أنه سينقل عنك مالم تقله.

أيها المسلمون: هناك آفات للسان غير ما ذكرنا، نذكر منها إجمالًا: الكلام فيما لا يعنيك، الخوض في الباطل، الغناء، شهادة الزور، وإفشاء السر، واليمين الغموس، والتعيير والتوبيخ، وغير ذلك كثيرٌ جدًا.

وهناك عباد الله ألفاظ وعبارات نهت عنها الشريعة وحذر منها أهل العلم، ومن هذه الألفاظ: قول: شاءت الأقدار أو الظروف؛ فالأقدار والظروف لا تشاء وإنما هي بيد الله. وقول: وجه الله تفضل، أو وجه الله تأكل؛ وهذا لا يجوز لأنه استشفاع بالله على المخلوق. وقول: أعوذ بالله وبك، أو ما شاء الله وشئت. وقول بعض العامة: الله والنبي، أو الله ومحمد، وقول البعض اللهم اغفر لي إن شئت، وهذا منهي عنه. وقول البعض عن الميت: دُفن في مثواه الأخير، فإن المثوى الأخير هو الجنة أو النار، ومن ذلك قول البعض: ربنا افتكره، وهذا محرم لا يجوز؛ لأن ذلك لا يكون إلا لمن نسي ثم تذكر، ومن الألفاظ قول البعض إذا دُعي إلى الأكل قال: يأكل معكم الرحمن. وقول البعض: المرض الملعون، وهذا من تسخط أقدار الله، وقول البعض: يا حطب جهنم، وهذا لا يجوز. ومن الألفاظ قول البعض: فلان ما فيه خير أبدا، وهذا لا يجوز لأن المؤمن فيه خير وإن كان عاصيًا.

نسأل الله أن يوفقنا لخير القول والعمل، وأن يقينا الزيغ والزلل، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم..

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، وعلى أصحابه الأخيار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرا، أما بعد:

أيها المسلمون: قد عرفنا شدة خطر اللسان، وما يجلبه على من أهمله وأطلق له العنان من ذنوبٍ وأمورٍ عظام، فاللسان خطره عظيم، ولا نجاة من خطره إلا بقلة الكلام والصمت عما لا ينفع، ولهذا حث النبي على قول الخير والصمت عما سواه فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»[20]، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله قال: «إنك لن تزال سالمًا ما سكتَّ، فإذا تكلمت كُتب لك أو عليك»[21]. فاحفظ لسانك أخي فإن حفظ اللسان ملاك الخير كله، وهذا ما قاله النبي لمعاذ بن جبل بعد أن ذكر له الإسلام والصلاة والجهاد ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله» قال بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه ثم قال: «كُف عليك هذا» فقال معاذ: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبُ الناس في النار على وجههم - أو قال على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم»[22]، فحفظ اللسان إذن هو ملاك الخير كله، وسبيل الفلاح في الدنيا والآخرة. فأمسك لسانك أخي وألجمها بلجام التقوى، قال بعض السلف: (أعقل لسانك إلا عن حق توضحه، أو باطل تدحضه، أو حكمة تنشرها، أو نعمة تشكرها). فلا تطلق العنان للسانك أخي فتهلك، فرب كلمة تقولها لا تلقي لها بالًا يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة والعياذ بالله، قال : «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغَت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة»[23].

فيا أيها المسلمون: احفظوا ألسنتكم، لا تطلقوا لها العنان فتهلككم، وإذا أردتم الكلام في شيء فتذكروا قول الله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] فما تلفظ يا عبد الله من قول، ولا تعمل من عمل، إلا كتب لك أو عليك، في كتابٍ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، قال تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]. فاعلموا أخواني، وأيقنوا تمام اليقين، أنكم محاسبون على كل كلمة تخرج من أفواهكم، فما جوابكم يوم القيامة إذا سئلتم ألم تتكلم بكذا وكذا؟ ألم تقل في أخيك كذا وكذا؟ ما جوابكم إذا سئلتم عن أذية المسلمين بألسنتكم؟ فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

ذكر الإمام مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل على أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه وهو يجبذ لسانه أي يجره بشدة، فقال عمر: «مَه! غفر الله لك، فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه: إن هذا أوردني الموارد». من القائل؟ إنه أفضل أصحاب النبي والرجل الأول بعد الأنبياء والرسل رضي الله عنه وأرضاه، القائل هو أبو بكر الصديق، انظر إلى حرصه على لسانه رضي الله عنه وأرضاه..

وقال رجل: رأيت ابن عباس آخذًا بثمرة لسانه وهو يقول: «ويحك! قل خيرًا تغنم واسكت عن شرٍ تسلم». قال: فقال له الرجل: يا ابن عباس، مالي أراك آخذًا بثمرة لسانك وتقول كذا وكذا؟ قال ابن عباس: «بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو على شيءٍ أحنق منه على لسانه»، يعني لا يغضب على شيءٍ من جوارحه أشد من غضبه على لسانه. أخرجه ابن المبارك وأحمد وأبو نعيم وأحمد في كتاب الزهد.

وقال عبد الله بن أبي زكريا: (عالجت الصمت عشـرين سنة - انظر للحساب.. انظر محاسبة النفس - عالجت الصمت عشرين سنة فلم أقدر منه على ما أريد، وكان لا يدع أحدًا يغتاب في مجلسه، ويقول: إن ذكرتم الله أعناكم، وإن ذكرتم الناس تركناكم).

وكان طاووس بن كيسان رضي الله عنه يعتذر من طول السكوت ويقول: (إني جربت لساني فوجدته لئيمًا راضعًا). هؤلاء هم .. فماذا نقول نحن عن ألسنتنا؟!

وأخرج وكيع في الزهد وأبو نعيم في الحلية من طريق جرير بن حازم قال: ذكر ابن سيرين رجلًا فقال: (ذلك الرجل الأسود.. يريد أن يعرّفه.. ثم قال: أستغفر الله، إني أراني قد اغتبته).

وقال بكر بن المنير سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: (ما اغتبت أحدًا منذ احتلمت، وأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا..) اسمع للثقة، والبخاري له كتب في الجرح والتعديل، ويقول الذهبي في سير أعلام النبلاء معلقًا على قول البخاري هذا: (صدق رحمه الله.. ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس وإنصافه في من يضعّفه، فإن أكثر ما يقول -يعني أشد ما يقول البخاري إذا أراد أن يجرح رجلًا - يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا، وقلَّ أن يقول: فلان كذاب ، أو كان يضع الحديث ،حتى أنه قال: إذا قلت: (فلان في حديثه نظر) فهو متهم واهن ، وهذا معنى قوله (لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدًا ) وهذا هو والله غاية الورع). انتهى كلام الذهبي.

وكان عبد الله بن وهب رحمه الله يقول: (نذرت أني كلما اغتبت إنسانًا أن أصوم يومًا فأجهدني - يعني تعبت - فكنت أغتاب وأصوم أغتاب وأصوم.. فنويت أني كلما اغتبت إنسانًا أن أتصدق بدرهم، فمِن حُب الدراهم تركت الغيبة)، جرب هذا، كلما اغتبت أحدًا أو ذكرته بسوءٍ فادفع ولو ريالات قليلة.. الله أعلم بحالنا.. أظن في آخر الشهر لن يبقى من راتبنا ولو ريالًا واحدًا!

قال النووي في الأذكار: بلغنا أن قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا ، فقال أحدهما لصاحبه: (كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تحصـى ، والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب، فوجدت خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها.. قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان !!)

قال إبراهيم التيمي: (أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشـرين عامًا ما سمع منه كلمة تعاب).

وقيل للربيع: (ألا تذم الناس؟ قال: والله إني ما أنا عن نفسـي براضٍ فأذم الناس؟ إن الناس خافوا الله على ذنوب الناس ، وأمنوه على ذنوبهم)، وصدق رحمه الله ، صدق.

ارجع لنفسك وانظر لعيوبها قبل أن تنظر لعيوب الآخرين وتتكلم فيهم.

وقال حماد بن زيد: بلغني أن محمد بن واسع كان في مجلس فتكلم رجل فأكثر الكلام ، فقال له محمد: (ما على أحدهم لو سكت فتنقَّى وتوقَّى. أي اختار كلماته وحسب لها حسابها).

عباد الله: هلا تزودنا من الدنيا بالأعمال والأقوال والذكر الصالح، وهلا تخلقنا بالأخلاق والأقوال الحسنة، بعيدين عن الأخلاق والأقوال السيئة، وهلا تعقلنا واتخذنا من رسولنا قدوة وأسوة، وهلا رطبنا ألسِنَتِنَا بذكر الله وتلاوة كتابه، وهذبناه بالتقوى، وصناها وحفظناها من الأقوال والألفاظ السيئة، فيا لقرة عين مَن سلك بلسانه طريق الخير؛ من ذكرٍ وتلاوةٍ واستغفارٍ وتحميدٍ وتسبيحٍ وشكرٍ وتاب، ويا لخيبة مَن سلك بلسانه طريق الشر، من كذبٍ وهتكٍ للأعراض وجرحٍ للحرمات وآذى به الناس، فطوبى لعبد قال خيرًا فغنم، أو سكت عن الشر فسلم.

فاتقوا الله عباد الله، وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]...

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /أحمد بن محمد مخترش

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة