الحمد لله القاهر فوق عباده عزًا وسلطانًا، تعالى مجده، وتعاظم ملكه، قسَّم الخلق بعدله ورحمته، فمنتحل كفرًا، ومنتحل إيمانًا. أحمده سبحانه وأشكره، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، والإعانة على ذكره وشكره، وحسن عبادته، فطوبى لمن ذُكِّر بآيات ربه فزادته إيمانًا، وويل لمن ذُكِّر بها فخر عليها صُمًا وعميانًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، دعا إلى الحق سرًا وإعلانًا، فأشاد بالتوحيد منائر، وكسر للشرك أصنامًا، وهدم أوثانًا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، كانوا للدين دعاة وعلى الحق أعوانًا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، فالتقوى وصية الله للأولين والآخرين، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
أيها المؤمنون: لقد امتن الله سبحانه وتعالى على الإنسان بنعم عديدة، وأحوال متكاثرة فريدة، ومن تلكم النعم، نعمة البيان واللسان، نعمة النطق والكلام: ﴿ الرَّحْمَٰنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [الرحمن:1-4].
| لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه |
| فلم يبق إلا صورة اللحم والدمِ |
اللسان، نعمة جليلة، ومخلوق صغير، داخل كيان هذا الإنسان، لكن له شأن عظيم، فما أصغر حجمه وما أصغر أثره على الإنسان. اللسان -أيها الأحبة- يعتريه شيئان، الكلام والسكوت فكلام اللسان له سلبيات، وهي ما تسمى بالآفات، وله إيجابيات، وهي الطاعات والقربات. وسكوت اللسان قد يكون آفة، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، وقد يكون عملًا صالحا؛ كما قال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت»[1]. فالسكوت والصمت، خير من الكلام بالباطل وبالفحش.
| الصمت زين والسكوت سلامة |
| فإذا نطقت فلا تكن مكثارا |
| ما أن ندمتُ على سكوتي مرة |
| ولقد ندمت على الكلام مرارا |
أيها المسلمون: اللسان تتعلق به آفات كثيرة، وخصال عديدة، ولهذا قال ﷺ: فيما رواه الترمذي بسند حسن عند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان -أي تخضع له- فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا»[2]. وعندما سأله معاذ بن جبل عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده من النار، أخبره النبي ﷺ برأسه وعموده، وذروة سنامه، ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: كف عليك هذا»[3]. و «إن العبدَ ليتكلمُ بالكلمةِ، ما يتبيَّنُ ما فيها، يهوي بها في النارِ أبعدَ ما بينَ المشرقِ والمغربِ»[4].
إن الحديث -أيها المسلمون- عن اللسان وآفاته، حديث لا ينقطع ولا ينتهي؛ لأنك إن أردت الحديث عن ذلك، فإنك ستلاحقك سائر شئون الحياة التي يحياها الإنسان، فهناك الكذب، وبضده الصدق، وهناك الكف عن أعراض الناس، وبضده الغيبة والنميمة، وهناك التقعر في الكلام، وقد هلك المتنطعون، وهناك قول الزور، ولغو الحديث والخوض في الباطل، وهناك التحدث بالأخبار من غير تثبت، وهناك الطعن في نيات الصالحين، والتلذذ بتشويه سمعة من آتاه الله فضلًا وعلمًا وعفة. وهذا إذا صار معه الهوى -والعياذ بالله- كان الكلام مطيته الكذب، وسوء الظن، قال الله تعالى: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور:15]. وقال تعالى: ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا ﴾ [آل عمران:181]. وقال تعالى: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [يونس:61]. وقال جل شأنه: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ [الزخرف:80].
أيها المسلمون: إن أقل الورع يكون في اللسان، قال بعض السلف: (فتشنا الورع، فلم نجده في شيء أقلّ منه في اللسان).
| لسانك لا يلقيك في الغي لفظه |
| فإنك مأخوذ بما أنت لافظ |
اللسان معبر عندما اشتمل عليه قلب الإنسان، فإن كان القلب زكيًا مؤمنًا كانت ألفاظه طيبة، وإن كان القلب خربًا مظلمًا بظلمة المعصية، كانت ألفاظ اللسان سيئة بذيئة. إن من الناس من يعيش -مع كل أسف- بذيء اللسان، شرس الطبع، لا تحجزه مروءة، ولا يردعه أدب، جرد لسانه مقراضًا للأعراض، بكلمات تنضح فحشًا، وألفاظ تنهش نهشًا، يسـرف في التجني على عباد الله بالسخرية واللمز، وكأنه قد وكل إليه تجريح عباد الله. ويزداد الأمر، وتعظم البلية، حين ترى من عليه ملامح الاحتشام، وسيمًا الوجاهة، وهيئات العلماء يسفر عن بذاء وثرثرة، يزعج بكلامه الباطل كل من جالسه، لا يدع لأصحاب الفضل فضلًا، يحمل على أهل الخير، ومن شهد له بالصلاح، حملات شعواء، أحياءً وأمواتا، لزلة لسان، أو سبق قلم، هذا حجزه عن عيوب الناس ما يعلم من عيوب نفسه.
| إذا رمت أن تحيا سليمًا من الأذى |
| ودينك موفور وعرضك صيّنُ |
| لسانك لا تذكر به سوءة امرئ |
| فكلك سوءات وللناس ألسن |
| وعيناك إن أبدت لك معايبًا |
| فقل لها يا عين، للناس أعين |
ذكر رجل آخر بسوء عند إياس بن معاوية، فقال له: (هل غزوت الترك والروم؟ فقال: لا. فقال: سلم منك الترك والروم، ولم يسلم منك أخوك المسلم). إن الاشتغال بالطعن في الناس، خاصة من عرف بالدعوة والعلم، وذكر نقائصهم، والتسلي بالخوض في معائبهم، وإفشاء مقالة السوء بينهم، من طبائع القلوب المريضة، والصدور الحاقدة، وهو من أظهر الدلائل على قلة التوفيق -والعياذ بالله-، قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»[5]. فاحذر -أيها المسلم- من لسانك، وزن كلامك وتأمل عاقبة قولك قبل أن تتلفظ به، فرُب كلمة سلبت نعمة، وإن الكلمة إذا خرجت من فمك لا يمكن استردادها، وقد يصعب تدارك خطرها، فالملائكة كتبوا، والناس سمعوا، والمرجفون علقوا وشرحوا وزادوا، وأنت وحدك الذي تتحمل كل هذه التبعات والمسئوليات.
أيها المسلمون: لقد جاءت الشريعة وحثت على اختيار الطيب من القول، وأمرت بحسن الكلام، ونهت عن الضد من ذلك، قال الله تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة:83]. وقال: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [الإسراء:53]. وقال: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [النساء:114]. وقال: ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾ [النساء:148]. والله -جل وتعالى- أنكر على الصحابة قول المنكر من الألفاظ ونهى عنها، ألم تسمع لقول الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ﴾ [المجادلة:2]. قالوا: ألفاظ الظهار، وهي ألفاظ محرمة، لا يليق بمؤمن أن يتلفظ بها مع زوجته، لما فيها من التعدي والتحريم، فقول الرجل لامرأته: (أنت عليّ كظهر أمي) هذا قول منكر، ولفظ لا يجوز للمؤمن أن يأتي به، ولهذا شرعت له الكفارة.
بل إن الله -جل وعز- لينكر على الصحابة الجهر بالقول، والزيادة في الصوت، فضلًا عن اللفظ نفسه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات:2]. ولهذا فقضية اللفظ والقول، وحُسن تخيّر الكلام، مع من تخاطبه، قد جاءت بها الشريعة، ثم اسمع لهذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة:104]. نهى الله عز وجل الصحابة أن ينادوا رسول الله ﷺ بلفظة: راعنا: ﴿ لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ﴾ [البقرة:104]. السبب هو أن الأمة الغضبية، اليهود، كانوا يقولون يا محمد راعنا، وكلمة راعنا لها عدة معاني، فتأتي بمعنى انتظرنا، وتأتي بمعنى أنك يا محمد راعٍ فيك رعونة، أو غير ذلك من مرادات اليهود، المغضوب عليهم، كما حكاه أهل التفسير. وأيًا كان معناها، فقد نهى الله الصحابة عن التشبه باليهود، وأمرهم بغيرها لكمالها وحسنها وأدبها. ومن هذا الباب ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضّئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل: أحدكم عبدي أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي»[6]. فالرب هو الله عز وجل ، فلا يجوز أن يقول الرجل لمولاه: أطعم ربك، يعني سيدك، وإن كان معناه صحيحًا من جهة اللغة، ولكن لما كان الرب هو الله سبحانه، نهى النبي ﷺ عن ذلك، وأبدله بلفظ أحسن منه. ومن ذلك: نهيه عليه الصلاة والسلام أن يقول الرجل إذا شعر بملل أو كسل أو فتور، نهاه أن يقول: «خبثت نفسـي» ولكن ليقل: لقست نفسـي، أي فترت وكسلت.[7] فخبثت نفسي لفظ غير حسن، وفيه معان سيئة، فلهذا نُهي عنه. والحديث في البخاري. ومن ذلك: النهي عن تسمية العنب بالكرم، قال ﷺ: «لا يقولن أحدكم للعنب الكرم، فإنما الكرم قلب المؤمن»[8]. فلفظة الكرم تدل على كثرة الخير والمنافع، ولا يليق إطلاقها على العنب الذي تتخذ منه الخمور والأشربة المحرمة. ومن هذا الباب: التلفظ بألفاظ الطلاق والنكاح والعتق والظهار، والنذور ونحو ذلك مما يتساهل فيه بعض الناس. ناهيك عن بعض الألفاظ التي قد تخرج صاحبها من الإيمان والإسلام، مما يكون فيها كفر أو اعتراض على إرادة الله، وخلقه وتصريفه لشئون الكون، وبعض ألفاظ الاستهزاء والسخرية بالدين أو بأهله -نعوذ بالله من الخذلان-. اسمع لهذه القصة الطريفة، والتي ذكرها صاحب كتاب الحاوي للفتاوى في المجلد الأول منه (ص241) لترى حساسية السلف ﭭ ودقة تربيتهم، حتى لأولادهم في انتقاء الألفاظ، (كان الشيخ تاج الدين ابن السبكي، مع جماعة له في دهليز داره، فمر بهم كلب يقطر ماءً، يكاد يمس ثيابهم، يقول فنهرته، وقلت: يا كلب ابن الكلب، وإذا بأبيه الشيخ العلامة تقي الدين السبكي سمعه من داخل البيت، فلما خرج على ولده، قال له: لم شتمته؟ فقال: ما قلت إلا حقًا، أليس هو بكلب ابن كلب؟ فقال: هو كذلك، إلا أنك أخرجت الكلام في مخرج الشتم والإهانة، ولا ينبغي ذلك). فقس -رعاك الله- تربيتنا لأنفسنا ولأولادنا، في حسن انتقاء الألفاظ. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، واتباع سنة نبينا نحمد ﷺ. أقول هذا القول...
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فيا أيها الأحبة المسلمون: لقد كان السلف ﭭ يتخيرون ألفاظهم، ولا ينطقون إلا بالكلام الطيب الحسن؛ لأنهم يعلمون أنهم سيلاقوه: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق:18]. فلا يريدون أن يروا في صحائف أعمالهم ألفاظًا بذيئة فاحشة، غيرُ حسنة. وكان هذا هديًا عامًا فيهم، وتلك من صفات أهل الإيمان. قال يونس بن عبد الأعلى: (كانت ألفاظ الشافعي كأنها سكر). وكان يقول: (ما كان الشافعي إلا ساحرًا يقصد به حديث رسول الله ﷺ: «إن من البيان لسحرا»)[9]. وكان يقول ابن هشام صاحب السيرة: (طالت مجالستنا للشافعي، فما سمعت منه لحنةً قط، ولا كلمة غيرها أحسن منها). ولهذا فتن الناس الشافعي لما قدم مصر، من حسن حديثه وبيانه.
أيها المسلمون: كم من لفظة يقولها الإنسان، فتؤثر في حياته كلها، وتقلبها رأسًا على عقب، رب لفظة قالها رجل، هدمت بيته، وفرقت شمله، ورب كلمة سيئة خرجت، فرقت الصديق عن صديقه، ورب كلمة قيلت، حرمت صاحبها من رزقه ووظيفته.
| يصاب الفتى من عثرة بلسانه |
| وليس يصاب المرء من عثرة الرَّجِلِ |
| فعثرته في القول تذهب رأسه |
| وعثرته بالرَّجِلِ تبرى على مهلِ |
لعلي أختم -أيها الأحبة- بأن أقرأ عليكم حديث معاذ رضي الله عنه فيما نحن بصدد الحديث عنه، فإنه حديث عظيم، يحتاج إلى وقوف وتأمل، قال معاذ: قلت يا رسول الله: «أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبدُ الله، ولا تشرك به شيئا، وتقيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصومُ رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاةُ الرجل من جوف الليل»، ثم تلا: ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿١٦﴾ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة:16-17]. ثم قال: «يا معاذ ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: يا معاذ، ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟! -كل ما تقدم- قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه عليه الصلاة والسلام وقال: كف عليك هذا، قلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم»[10].
فاتقوا الله عباد الله: واعقلوا ما تقولون، فإنكم بذلك مجزيون، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وفقنا الله جميعًا لمرضاته، ورزقنا العلم النافع والقول الصائب، والعمل الصالح..
اللهم إنا نعوذ بك من شر سمعنا وبصرنا، ونعوذ بك من شر ألسنتنا، اللهم قوم ألسنتنا، وسدد ألفاظنا، اللهم احفظنا من بين أيدينا.