أشج بني أمية عمر بن عبد العزيز
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، الحمد لله الذي خلق الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها النجاة من عذابه يوم القيامة، وأصلي وأسلم على من بعثه الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. اللهم صل على محمد وآله، وأصحابه وزوجاته، وذريته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم اللهم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:
عباد الله: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا ربكم، وأنيبوا إليه، واستغفروه، وتوبوا إليه؛ يمتعكم متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى، ويؤت كل ذي فضله.
عباد الله: جاء في أخبار الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما حدَّث به مولاه أسلم، قال: «كنت أنا وعمر رضي الله عنه في ليلة من الليالي، وهو يعس بالمدينة» يتفقد أحوال الناس ويبحث عن المحتاجين والفقراء والمساكين «فأعياه المشي؛ فاتكأ على جدار ليرتاح، فإذا به يسمع خلف جدار هذا البيت امرأة تقول لابنتها: با بنية، قومي فامْذِقِي اللبن بالماء» أي اخلطيه بالماء حتى يزيد، ولعلهم كانوا يبيعون هذا للناس «فقالت البنية: يا أماه، أما علمتِ بعَزْمَة أمير المؤمنين؟!
قالت: وما عزمة أمير المؤمنين يا بنية؟ قالت: إن منادي عمر قد نادى في الناس: أن لا يُشَاب اللبن بالماء، فقالت أمها: قومي - يا بنية - فامذقيه بالماء؛ إنك الآن في موطن لا يعلم بك عمر، ولا منادي عمر، فقالت هذه الفتاة الصالحة التي تربّت على خوف الله عز وجل، وعلى مراقبته، قالت: والله يا أمتاه، ما كنت لأطيعه في العلن وأعصيه في السر، إن كان عمر لا يرانا، فإن رب عمر يرانا!».
المراقبة الصادقة لله عز وجل في مواقف الخلوات كمواقف الجلوات، لا فرق بينهما، فلما سمع عمر هذا الكلام العجيب، قال لمولاه أسلم: «يا أسلم، علِّم على الباب»؛ لأن عمر كان يريد أن يعرف مَنْ أهل هذا البيت، فلما جاء الصباح قال عمر لمولاه أسلم: «اذهب إلى ذاك البيت، فاسأل عن حالهم، وعن تلك الفتاة، هل هي ذات بعل أم لا؟» فذهب أسلم وسأل، فإذا الفتاة أيّمٌ لا زوج لها، فجمع عمر بنيه، وقال: «يا بَنيَّ! هل منكم أحد يحتاج إلى امرأة فأزوجه؟» قال عاصم ابنه: أنا يا أبتاه ليست لي زوجة؛ فزوجني، فخطب عمر لابنه عاصم تلك الفتاة الصالحة[1].
لم يسأل عمر عن جمالها، وعن نسبها وحسبها، إنما كان الأهم عند عمر أن يزوج ولده بامرأة صالحة، ورعة تقية، فتزوجها عاصم، ومرت الأيام، فوُلِد لهم، ثم تمر الأيام وتدور دورتها، فتكبر بنت عاصم، فتُزوجُ بعبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي، فتنجب منه فتى كان علمًا من أعلام الإسلام، وعظيمًا من عظماء هذه الأمة. يقول فيه الإمام الذهبي: (كان من أئمة الاجتهاد، ومن الخلفاء الراشدين).
ويقول عنه: كان (حسن الخَلْق والخُلُق، كامل العقل، حسن السمت، جيد السياسة، حريصًا على العدل بكل ممكن، وافر العلم، فقيه النفس، ظاهر الذكاء والفهم، أواهًا منيبًا، قانتًا لله حنيفًا)[2].
ولعلكم عرفتم -عباد الله- من هو هذا الفتى، ومن هو هذا العظيم الذي هو من نسل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وأرضاه -، إنه: أشجُّ بني أميه، عمر بن عبد العزيز ابن مروان رحمه الله.
كان هذا الرجل عظيمًا بحق؛ لأنه كان قمة في كل خلق حسن، لم يكن زاهدًا فحسب، أو عادلًا فحسب، أو أوابًا عابدًا فحسب، بل جمع تلك الصفات جميعًا، فكان عبدًا لله، أوابًا منيبًا، صالحًا تقيًا، نقيًا ورعًا، عدلًا إمامًا، لا يُذكر العدل والصلاح والتقى إلا ويُذكر عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
يحدث عن نفسه وعن طبيعته، فيقول: «إن لي نفسًا تَوَّاقَة، لم تنل شيئًا إلا تَاقَت إلى ما هو أعلى منه، وإني اليوم قد نلت الخلافة» وهل بعد الخلافة شيء؟! وهل بعد هذه المنزلة منزلة؟! فهل توقفت نفس عمر عن أن تطمح إلى ما فوق ذلك؟ كلا، بل إنها النفس التواقة، قال: «فلما نلت الخلافة تاقت نفسي إلى الجنة»[3].
وهي والله منتهى الآمال، وغاية المنى، جعلنا الله وإياكم ووالدينا من أهلها.
أجل، لقد تاقت نفس عمر إلى الجنة؛ فرخُصَت عنده الدنيا جميعًا، الدنيا التي أتت إليه بكل ما فيها، فهو يملك - لو شاء - خزائن المال، وكنوز الذهب والفضة! ولكنه كان يخشى الله تعالى، ويخاف من ربه عز وجل؛ فزهد في الدنيا وتركها كلها، يقول مالك بن دينار -العالم الزاهد العابد-: (يقول الناس عني: مالك زاهد، مالك زاهد! وأي زهدٍ زهدُ مالك، وليس لمالك إلا جُبّة وكساء؟! إنما الزاهد عمر بن العزيز؛ الذي أتته الدنيا راغمة فأعرض عنها)[4].
إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله لم يكن ليصل إلى هذه المنزلة العظيمة من الذكر الحسن الذي تتذاكره الأجيال جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، لم يكن ليصل إلى هذه المنزلة السامية العلية لولا أنه يمتلك قدرًا من الصفات العظيمة التي صنعت شخصيته، وصقلت ذاته، فبلغ هذا المنزلة السامية.
لقد كان من أجلِّ صفات عمر خوفه من الله عز وجل ومن الحساب بين يديه، ولم يكن خوف عمر إلا من الله تعالى؛ لأنه كان الخليفة، فإذا كان خليفةً فهل سيخاف من أحد من أهل الأرض؟! خاصة وأن خلفاء المسلمين في ذلك الزمن كانوا هم سادة الدنيا، وكانت تذِل لهم ملوك الشرق والغرب، فمِمَّنْ يخاف عمر إذًا؟!.
ولقد بلغ الخوف في قلب عمر مبلغًا عجيبًا! تُحدث عنها زوجته فاطمة '، وهي أقرب الناس إليه، تقول: «كان عمر يذكر الله في فراشه، فينتفض كما ينتفض العصفور، ثم يستوي جالسًا يبكي حتى أخاف أن يصبح المسلمون ولا خليفة لهم»[5].
تخاف أن تخرج روحه، وأن يموت لِما ترى من شدة بكائه وخوفه - رضي الله عنه وأرضاه -، تقول ': «في ليلة من الليالي - بعد أن فرغ عمر من قضاء حوائج الناس - أطفأ السراج، ثم صلى ركعتين لله عز وجل، ثم قعد جالسًا، ووضع يده تحت خده مطرقًا متأملًا، فما هو إلا قليل حتى بدأت الدموع الغزار تنفجر من عيني عمر، وإذا به يبكي وينتحب وينتفض». فتقوم زوجته فزعةً، أتت إلى زوجها، إلى خليفة المسلمين الذي يبكي هذا البكاء العجيب، فقالت له: «يا أمير المؤمنين، ما الذي أبكاك؟!». ما الذي تظنون -يا عباد الله-: أن يبكي عمر؟ وأخاف عمر فجعله لا يهنأ بنوم، والناس على فرشهم نائمون؟! قال رحمه الله: «إني تذكرت رعيتي، فذكرت الأسير المقهور، واليتيم الجائع، والأرملة الثكلى؛ فخشيت ألا أكون قد قمت بحقهم، وعلمت أن حجيجي فيهم هو محمد ﷺ؛ فخفت ألا تثبت لي قدم بين يدي الله عز وجل»[6]. هذا الذي أبكى عمر! ثقل الأمانة، واستشعار المسؤولية هو الذي جعل عمر يبكي هذا البكاء العجيب، فيا ليت من ولي من أمر المسلمين شيئًا يستشعر أي أمانة ثقيلة حُمّل.
لقد كان عمر رضي الله عنه يذكر الآخرة، فكأنه يرى مشاهدها ويبصر أهوالها، كأنه يرى أهل النار وهم يعذبون ويتضاغَوْن فيها، لقد كان عمر عابدًا لله، خائفًا منه، مراقبًا له في سره وعلانيته.
يحدّث عبد الأعلى بن أبي عبد الله قال: رأيت عمر بن عبد العزيز خرج يوم الجمعة، فلما صعد المنبر خطب بالناس، فقرأ قول الله تعالى: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ [التكوير:1] ثم قال: «وما شأن الشمس؟ ثم قرأ: ﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ [التكوير:2] حتى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴿١٢﴾ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾ [التكوير:12-13]» قال: فبكى، وبكى أهل المسجد جميعًا حتى رأيت كأن حيطان المسجد تبكي معه![7]. إنه الصدق في الموعظة، وسلامة السـريرة، وعظيم الخوف من الله عز وجل.
أما عدل عمر، فما ظنك برجل بلغ خوف الله منه هذا المبلغ؟! كيف سيكون عدله؟! رجل لا يخاف إلا الله أتظن به الظلم والبغي والاعتداء على حقوق الناس وأموالهم؟!
حينما تولى الخلافة دعا زوجته فاطمة، فقال لها: «يا فاطمة، الحُلِي والذهب الذي عندك تعلمين من أين هو؟ فهما أمران: إما أن أُرجِع هذا الحلي إلى بيت المال، أو فخذيه وفارقيني، فو الله لا أجتمع أنا وهو في دار واحدة!»، قالت: لا والله - يا أمير المؤمنين - لا أُوثر على صحبتك شيئًا، فردّته رحمها إلى بيت مال المسلمين، فلما مات عمر، وجاء أخوها يزيد بن عبد الملك رد إليها الحُلِي، وقال: هو لكِ، قالت: لا والله لا آخذه وقد أخذه مني عمر! فأخذه يزيد، وقسمه على بناته[8].
أتاه أحد أبناء عمومته - وهو عنبسة بن سعيد، وكان سليمان بن عبد الملك الخليفة السابق لعمر قد أمر لعنبسة هذا بعشرين ألف دينار إلا أنه مات قبل أن يُمضِيَها، يقول عنبسة: فلما ولِيَ عمر دخلت عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنَّ سليمان قد أمر لي بعشرين ألف دينار، وإنه مات قبل أن أقبضها، وأنت أحق من أمضى عطاءه، فانتفض عمر، وقال: «عشرون ألف دينار؟! تكفي لأربعة آلاف من المسلمين!». انظر -عبد الله- إلى الحساب العجيب عند عمر! حتى هذا الرقم لم يكن عمر ليعرفه بهذه السرعة لولا أنه كان دائمًا يمارس هذه العملية، كم يحتاج الفقير؟ كم يحتاج المسكين؟ فعمر غضب، وقال: «عشرون ألف دينار تأخذها تكفي لأربعة آلاف من المسلمين! لا والله لا أعطيكها أبدًا».
فولى عنبسة حزينًا مكسور الخاطر، فلما دنى من الباب، يقول: ناداني عمر، فقال: «يا أبا خالد! قال: فخطر في قلبي أنه رحمني، وأنه سيعطيني» خاصة أن عمر وعنبسة كانا صديقين، وكان بينهما ألفة ومحبة، لكن عمر لم يكن يحابي في دين الله أحدا، لم يكن يقرب فلانًا وفلانًا لأجل قرابته ولمحبته، كلا إنما هو العدل والميزان الذي لا يختلف فيه الناس، قال: «فقال: يا أبا خالد، يا أبا خالد، اذكر الموت؛ فإنه ما ذُكر في قليل إلا كثَّره، ولا في كثير إلا قلَّله!»[9]. الله أكبر! هكذا كانت أُعطيات عمر، هذه جوائز عمر، مواعظ وكلمات تنير الدرب، وتقرب العبد من الله جل وعلا.
لقد ضرب عمر رضي الله عنه مثلًا عاليًا في العدل، ومنارة سامِقَة في سمائه البَهِيَّة؛ اسمعوا -عباد الله- إلى هذه القصة التي حدثت في عهد عمر، والتي تدل على عظيم عدله -رحمه الله ورضي الله عنه-: أرسلت إليه امرأة فقيرة من الموالي رسالة من مصر، تقول فيها: «﷽، من فرتونة السوداء إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز». تأملوا، واسمعوا إلى هذا الخطاب، وما هي القضية التي ستُكلم بها أمير الدنيا، وأعظم رجل في ذلك الوقت: «من فرتونة السوداء إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، أما بعد: فإن لي جدارًا على حائطي انهدم بعضه؛ فأصبح الغلمان يعبرون على حائطي، فيسرقون دجاجي»!. انظر إلى القضية التي كانت تُشغل بال هذه المرأة، وكيف جَرُأت أن تكتب خطابًا لأمير المؤمنين، وخليفة المسلمين بهذه القضية اليسيرة؛ ولولا أنها تعلم تواضع عمر، وعدل عمر، وإلا لما كتبت إليه، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن رد عليها بقوله: «من عبدِ الله عمرَ بن عبد العزيز إلى فرتونة، أما بعد: فإني قد أمرت عاملي» أي الأمير على مصر «أن يقيم لك الجدار، والسلام»[10]. هكذا بلغ عدل عمر وحرصه حتى على هؤلاء الذين ربما لا يعلم بهم أقرب الناس إليهم.
أما زهد عمر، فقد كان مضرِب المثل، كيف كانت معيشة عمر؟ وكيف كان عمر في بيته؟
لما تولى عمر الخلافة تغير حاله، فكان شيئًا عجبًا! تخلى عن مظاهر الدنيا، تخلى عن نعيم الدنيا بأسره، حتى تغير شكله، وشحب وجهه، وثار رأسه، دخل عليه محمد بن كعب القُرَضي رحمه الله، فلما رآه بعد أن تولى الخلافة بأيام إذا به ينظر إلى وجه شاحب، وبدن ناحل، ورأس أشعث، وهيئة رثة، وهو خليفة المسلمين! كنوز الأرض تحت قدميه! ينظر إلى رجل كأن جبال الدنيا على عاتقه يحملها -وهي هموم المسلمين-؛ هي التي فعلت واللهِ بعمر هذا الفعل، فجلس متعجبًا ينظر إليه، ففطن فيه عمر، وقال: «ما لك يا ابن كعب تنظر إليَّ؟!» فقال: «يا أمير المؤمنين، عجبت والله من حالك!».
وقد كان عمر قبل الخلافة ناعم البشرة، بهي الطلعة، رقيق الثياب، وكان يُضرب به المثل حتى في مشيته، وفي لباسه، فلما تولى الخلافة -وكان من المتوقع أن يزداد من هذا النعيم- إذا به يتحول هذا التحول المذهل، فيراه محمد بن كعب، وقد تغير حاله، فيقول: «الذي جعلني أعجب هو حالك -يا أمير المؤمنين-». فقال عمر: «يا محمد! كيف لو رأيتني بعد ثلاث من دفني، وقد سالت العينان، وانخسفت الوجنتان، وأتى على الجوف الديدان؟! أما لو رأيتني عند ذلك لكنت لحالي أشد عجبًا، وكنت لي أعظم إنكارًا! فبكى محمد، وضج المجلس بالبكاء!»[11].
عباد الله: دعونا نتأمل كيف كان عمر يعامل أولاده؟ هل كان أولاد الخليفة يخبطون في مال المسلمين، ويأخذون ما يشاؤون بحجة أنهم أبناء الخليفة؟
كلا، ليس هذا منهج عمر أبدًا، بل كان يسير السيرة العُمرية، التي كان يسيرها جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان يقيم العدل على أهل بيته قبل الناس، وكان يضع فيهم ميزان العدل قبل غيرهم، بل ربما شدد عليهم أكثر من غيرهم.
كان من عادة عمر رضي الله عنه أنه إذا صلى العشاء رجع إلى بيته، وجلس مع بنياته الصغار، وفي ليلة دخل كعادته ليسلم ويجلس مع بناته، فلما رأينه قد دخل ابتدرن الباب جميعًا، وقد وضعن أيديهن على أفواههن، فعجب عمر، ما الذي جعلهن يهربن ويمضين لما رأينه على غير العادة؟!
فسأل الحاضنة، وقال: «ما شأن بنياتي؟ لمَ خرجن وقد وضعن أيدهن على أفواههن؟» قالت: يا أمير المؤمنين. اسمعوا -عباد الله- كيف كان حال أبناء الخليفة وبناته؟ يا أمير المؤمنين، إنه لم يكن عندهن شيء يأكلنه إلا العدس والبصل، فأكلنه؛ فخشين لما دخلت أن تجد منهن رائحة البصل، فهذا الذي جعلهن يهربن من بين يديك!. فبكى عمر رحمه الله، ثم قال: «يا بنياتي، ما ينفعكن أن تأكلن ألوان الطعام، ثم يؤمر بأبيكن إلى النار»، فبكين حتى علت أصواتهن، ثم انصرف بعد ذلك[12].
بلغه عن أحد أبنائه -ممن كان له مال ورثه من قبل أن يتولى عمر الخلافة- بلغه أنه اشترى خاتمًا فِصُّه بألف درهم، فاستدعاه عمر، وقال له: «أعزم عليك بالله إلا بعت فصك هذا، وأشبعت به ألف بطنٍ جائع، واشتر خاتمًا فصّه بدرهم، واكتب عليه: رحم الله امرأً عرف قدر نفسه!»[13].
هكذا كان عمر رضي الله عنه يتعامل مع أهل بيته، يقيم فيهم العدل، وهكذا كان عمر في هيئته وملبسه، يلبس متواضع الثياب التي لا يملك غيرها، وقد كان عماله وسعاتُه يسيحون في الديار يحملون الزكاة لا يجدون من يقبلها؛ لأن المال قد فاض، والخير قد انتشـر، فلم يعد هناك فقراء[14].
لقد عَرف عمر بحقٍّ قدر نفسه؛ فرفع الله منزلته، وأعلى شأنه، فأصبحنا نذكره على المنابر بعد مئات السنين! رحم الله عمر، وغفر له، وجمعنا به في الجنة مع أحبابنا ووالدينا، وأزواجنا ونبينا الكريم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى سنته إلى يوم الدين، وسلم اللهم تسليمًا كثيرًا.
عباد الله: لقد عاش عمر بن عبد العزيز بين المسلمين وكان لسان حاله أعظم واعظ، وأفصح معلم، كان وعظه بمقاله غاية في البيان، ثم كان يتبع ذلك بفعال تبرهن صدق كلامه، لم يكن ينمّق الخطابات، ويتحدث أمام الناس بعبارات يعلم الناس أنها محض كذب، كلا، بل لقد كان يقول ويفعل، كان ينصح، فينكفئ على نفسه، فيكون أشد لها نصحًا وتوبيخًا.
خطب مرة خطبة على المنبر، وكانت خطبةً نورانيةً بهية، خرجت من قلب معمور بخشية الله، مملوءة بالزهد والإعراض عن الدنيا، فكان مما قال في خطبته: «أيها الناس، إنكم لم تُخلقوا عبثًا، ولم تُتركوا سدى، وإنه لا يأمن غدًا إلا من حَذَر الله وخافه، وباع نافذًا بباق، وقليلًا بكثير، وخوفًا بأمان.
إنكم تُشَيِّعون في كل يوم غاديًا ورائحًا إلى الله قد قضى أجله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهَّد، قد فارق الأحباب، وباشر التراب، وواجه الحساب؛ فاتقوا الله وموافاته، وحلول الموت بكم! أما والله إني لأقول هذا وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي، ثم خنقته العبرة؛ فأخذ طرَف ردائه، فوضعه على وجهه، فبكى وأجهش بالبكاء، وأبكى الناس، ثم نزل من منبره ذلك، فكانت تلك الخطبة هي آخر خطبة خطبها»[15].
ويذهب في جنازة، فيرى بعض الناس يستظلون من حر الشمس، ويتقون الغبار والتراب، فيقول:
| من كان حين تصيب الشمس جبهته |
| أو الغبار يخاف الشَين والشعثا |
| ويألف الظل كي تبقى بشاشته |
| فسوف يسكن يومًا راغمًا جدثا |
| في ظل مقفرةٍ غبراء موحشةٍ يطيل |
| تحت الثرى في ظلها اللبثا |
| تجهّزي بجهازٍ تبلغين به يا نفس |
| قبل الردى لم تُخلقي عبثا |
وتدور الأيام دورنها ثم ينزل بعد ذلك بعمرَ الموت، الذي طالما كان يستعد له عمر، الذي طالما كان يذكره ويزين به مجلسه، فلما دنا أجله، دخل عليه مسلمة بن عبد الملك، فقال: (يا أمير المؤمنين، إنه قد نزل بك ما أرى، وإنك قد تركت صبيةً صغارًا لا مال لهم؛ فأوص بهم إليَّ، أو اقسم لهم من هذا المال) لقد مات عمر وهو لم يبلغ الأربعين من عمره، فكان أطفاله صغارًا لا يملكون شيئًا، فقال وهو على فراش الموت-: «ادعوا إلي بَنِيَّ»، فجيء بهم، وكانوا بضعة عشر صبيًا، كأنهم أفراخ، فنظر إليهم عمر، نظر إليهم بحنان الوالد، وعطف الأبوة، نظر إلى ضعف الطفولة، وإلى براءة أعينهم، فقال متألمًا حزينًا: «بنفسي مَن تركتهم ولا مال لهم، أيْ بَنيَّ! إن أباكم قد كان خُيِّر بين أمرين: إما أن يُغنيَكم ويدخل النار، أو يُفقِرَكم ويدخل الجنة؟ وإن أباكم قد اختار أن يُفقركم ويدخل الجنة، إن وليِّي عليكم الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين، انصرفوا عني، فانصرفوا». فجعل عمر رضي الله عنه يبتهل إلى الله في دعاء خاشع، يقول: «رباه، أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن أفضل ما أقول: لا إله إلا الله». ثم قال لمن حوله: «اخرجوا عني؛ فإني أرى خلقًا ما هم بإنس ولا جن، يزدادون كثرة» فخرجوا من عنده، فجعل عمر رحمه الله يلهج بالقراءة، يلهج بآيات كتاب الله التي طالما قام بها في الليالي والناس نيام، طالما وقف في ظلمات الليل يناجي ربه خوفًا من هذه الساعة-، فجعل يردد هذه الآية: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص:83].
ثم هدأ الصوت وسكن، وانقطع الكلام، فدخلوا عليه، فإذا هو رحمه الله قد مات، وقد أغمضت عيناه، ووُجِّه إلى القبلة[16].
لقد أسلم عمر روحه لله، وفارق الدنيا بعد أن ضرب المثل في العدل والزهد، والصلاح والتقى.
لقد مات عمر وقد حقق ذلك كله في سنتين وخمسة أشهر وبضعة أيام فقط، بهذه المدة الوجيزة صنع عمر هذا التاريخ المذهل، وجاء الفقهاء إلى زوجته فاطمة يعزونها، ثم قالوا لها: «رحمك الله إن أعلم الناس بالرجل أهل بيته؛ فحدثينا كيف كان عمر، فقالت: والله ما كان عمر بأكثر صلاة ولا صيامًا منكم، ولكن واللهِ ما رأيت أحدًا أشد خوفًا لله من عمر! لقد كان فيما ينتهي إليه سرور الرجل بأهله، يعني حين يكون معها على الفراش- فيتذكر الأمر من أمر الآخرة؛ فيقوم ينتفض وينتحب، فأطرح عليه اللحاف رحمة به وشفقة عليه، وأنا أقول: يا ليت بيننا وبين الإمارة بعد المشرقين، والله ما رأينا خيرًا منذ دخلنا فيها»[17].
رحم الله عمر، وأعلى ذكره في المهديين، وجمعنا به في جنات النعيم.
ألا وصلوا وسلموا على إمام العادلين الزاهدين محمد بن عبد الله؛ فقد أمركم الله جل وعلا بذلك في محكم التنزيل، فقال جل شأنه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /عبد الله بن محمد العسكر